عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 20 آب 2017

فصل النفايات لا يخدم البيئة حقا

هآرتس/ ذي ماركر - ميراف موران

تخرجون مع كيس قمامة من البيت الى منطقة العلب، تلقون بمحتوياته الرطبة في الحاوية البنية، فيما تلقون بالرزم في الحاوية البرتقالية، وبعد أن تلقوا بالباقي الى الحاوية الخضراء تواصلون طريقكم منتصبي القامة، واثقين بفعلة فصل النفايات الجيدة التي قمتم بها. وبالفعل، هناك احتمال كبير في أن تكونوا اجتهدتم عبثا، والنفايات التي صنفتموها ستختلط بنفايات اخرى لترسل أخيرا الى الدفن في الارض. هذه هي الطريقة التي تعالج فيها معظم النفايات في اسرائيل، الطريقة الأقل مراعاة للبيئة، ولا تفعل سوى أن تخفيها عن العين.

استهدف تعديل قانون الحفاظ على النظافة، الخطوة التي بادر اليها جلعاد اردان حين كان وزيرا لحماية البيئة، أن تحمل اسرائيل حتى العام 2020 الى هدف تدوير 50 في المئة من القمامة المنتجة فيها. ولكن بعد نحو عقد تلوح الخطوة الطموحة كفشل. صحيح أنه تقررت انظمة جديدة لمعالجة القمامة، واطلقت حملات جماهيرية ومنظومات تعليمية، فرضت غرامات على هيئات ملوثة في القطاع العام، وجندت استثمارات من القطاع الخاص – إلا أن معدل تدوير القمامة يكاد لا يكون قد تغير. عمليا، منذ بداية العقد السابق وحتى اليوم، فان معدل التدوير هو 20 في المئة فقط من القمامة البيتية الملقاة.

أفاد تقرير مراقب الدولة الذي نشر في آذار 2016 بأن تطبيق التعديل على قانون الحفاظ على النظافة يتأخر بسبب مواضع خلل متنوعة، تنبع ضمن امور اخرى، من أن القرارات التي اتخذت في وزارة حماية البيئة واستهدفت تطبيق سياسة التدوير، استندت الى فرضيات لم يجر فحصها بعمق. مصدر المعطيات التي بناء عليها اتخذت هذه القرارات، هكذا حسب المراقب، غامض في افضل الاحوال، ونبع في اسوأ الاحوال من مصالح اقتصادية لجهات خاصة.

السطر الاخير ليس مريحا: ففي السلم العالمي تندرج اسرائيل في مرتبة منخفضة جدا في كل ما يتعلق بمعالجة القمامة – بعيدا عن دول مثل سويسرا واليابان، التي لا تدفن على الاطلاق النفايات في الارض وتعالجها بطرق متنوعة. وحتى في الدول التي تدفن نصف نفاياتها فقط، الوضع افضل بكثير مما هو عندنا.

من معطيات نشرت في نهاية 2016 يتبين أنه ينتج في اسرائيل 5.4 مليون طن نفايات في السنة – متوسط نحو 1.7 كغم للشخص في اليوم. هذا المتوسط اعلى من المتوسط في اوروبا، الذي يوجد في انخفاض مستمر، وتقلص من 1.5 كغم في اليوم للفرد في 2002 الى 1.3 كغم، ويقربنا الى الولايات المتحدة، التي هي منتجة النفايات الاكبر في العالم، مع متوسط نحو 2.5 كغم قمامة بيتية للشخص في اليوم.

حتى في مدينة معدل التدوير فيها هو الاعلى في اسرائيل، نتانيا، نحو 30 في المئة من النفايات فقط تنقل الى التدوير. قرابة 4.5 مليون طن قمامة اسرائيلية من انواع مختلفة تنتقل الى الدفن في الارض، على أمل أن تتفكك وتصبح مادة عضوية بعد 20، 100، 1000، أو مليون سنة. نحن ضعفاء أقل فقط من المكسيك، تركيا وتشيلي، التي تدفن كل النفايات في الارض تقريبا. نذكر أن هذه الدول اكبر بكثير من اسرائيل، وعليه فان مسألة الدفن المادي تقلقها أقل في هذا الوقت. "نخشى أن توا لن يكون في اسرائيل مكانا تبنى فيه البيوت للسكن، ويدفن فيه الموتى في طوابق إذ لم يتبق حتى للمقابر مكان"، يقول غاي سميث، نائب مدير عام السلطات المحلية في وزارة حماية البيئة. "قريبا لن يكون لنا مكان ندفن فيه القمامة".

 

معقد، غال وزائد

اذا، التدوير ليس موجودا حقا، أما المال للتدوير فموجود بالذات، والكثير منه. بنود اضيفت الى القانون في ذات التعديل قبل عشر سنوات، اثرت صندوق النظافة الحكومي – صندوق عام وجهت اليه ولا تزال توجه اموال تخصم كغرامات على السلطات المحلية لقاء قمامة انتجت في نطاقها ولا تنتقل الى التدوير، بل الى الدفن. فغرامات رسوم الدفن تراكمت الى نحو 2 مليار شيقل. وفي العام 2015 وحده حولت السلطات الى صندوق النظافة قرابة نصف مليار شيقل. ورغم ذلك، على مدى السنين انفق الصندوق مبالغ متدنية نسبيا، بمبلغ يشابه ذاك الذي تلقاه الصندوق في سنة واحدة، وجه الى نشاط التعليم والارشاد (155 مليون شيقل) ولشراء عتاد لدعم فصل القمامة (200 مليون شيقل).

في المدن وفي المجالس المحلية غاضبون، بالطبع. فرئيس مركز الحكم المحلي، حاييم بيبس، يدعي بأن وزارة حماية البيئة توهم الجمهور، ويسمى مبادرة التدوير التي اتخذتها "مهزلة"، يحتج على المقدرات التي استثمرتها السلطات في تعليم السكان وشراء العتاد، ويشعر بأنه سلب بسبب الدفعات على القمامة المدفونة.

ويشرح سميث الذي تسلم مهام منصبه مؤخرا بأن آلية الرسوم على السلطات لم تولد كعقاب. ويذكر أن الرسوم كانت وسيلة تحفيز لزيادة حجوم التدوير. إلا أنه في الواقع فان السلطات التي اشترت الحاويات والشاحنات كي تدور القمامة توقفت عن ذلك بالتدريج، حين تبين بأن نفقاتها ترتفع، وأن الدولة لا تكمل نصيبها في العملية كونها لم تنجح في تحريك مسألة اقامة محطات مطرفة لاستيعاب النفايات المصنفة. وهكذا ضاعت هباء اموال استثمرت في العتاد، في التخطيط وفي انشاء منظومة التصنيف، وفي مشاريع التعليم وحملات الدعاية بكلفة مئات ملايين الشواقل.

الى جانب ذلك، يتبين أن فكرة تدوير المواد اشكالية من اساسها؛ فهي معقدة، غالية، وبالتالي فهي غير قابلة للتطبيق وربما زائدة. فمن اجل تدوير قمامة لتصبح منتجات جديدة، لا يكفي أن نوزع النفايات التي انتجناها في حاويات مناسبة وفقا لنوع المادة الملقاة؛ فالفصل ليس ناجعا إلا اذا كانت هناك منظومة داعمة، تتضمن الجمع في اسطول من السيارات المتخصصة وفي جداول زمنية منفصلة – وإلا فان المدينة ستكون مأزومة بعشرات شاحنات التجميع. ومن اجل أن تصبح النفايات مادة خام للانتاج، فان كل نوع من القمامة يجب أن يحصل على معالجة اخرى، وبالتالي هناك حاجة محطات مطرفة منفصلة، وكل واحدة تتطلب ارضا خاصة بها، وعلى الاقل 4 – 5 محطات لكل نوع من القمامة، وتكون منتشرة في ارجاء البلاد. وإلا، فان عشرات آلاف الشاحنات الملوثة ستسافر مئات الكيلومترات فقط كي تحرك النفايات من مكانها.

حتى لو كان كل ما نلقيه الى السلة يجمع ويصنف بتشدد الى العناصر المختلفة ويصل الى محطات مطرفة مناسبة في منظومة منسقة تعمل كالساعة – فان هذا لا يكفي. مطلوبة مصانع تعرف كيف تعالج المادة الخام التي اصلها في النفايات. وأخيرا، حتى لو افترضنا بأنه توجد مصانع تزودت بأدوات يمكنها أن تنتج جملة من المنتجات من مثل هذه المادة الخام، هناك حاجة لمستهلكين يشترونها كي يبرر الانتاج. هكذا مثلا، من الورق والصحف المجمعة في الحاويات الزرقاء ينتج ورق مدور ليس ابيض كالثلج مثل الورق الجديد، بل بلون قاتم يمتنع معظم الجمهور عن استخدامه. وحتى الوزارات الحكومية وجهاز الامن يمتنعون عن ذلك، رغم أنهم تابعون لقواعد المشتريات التي تقررها الدولة.

مثال آخر هو البلاستيك المدور. اذا كان يمكن للمزارع أن يستورد سلات بلاستيك ارخص بالتوصية من الصين، فليس هناك من سيشتري من مصانع تنتج السلات من البلاستيك المدور. واذا لم يكن هناك سوق – فلا معنى للانتاج. لا غرو أنه في الازمنة التي لا حاجة فيها للمادة الخام، فان النفايات المصنفة تنقل الى الدفن.

في بداية الألفية وجدت الولايات المتحدة طريقة للتخلص من نفاياتها: التصدير الى الصين. سفن شحن ابحرت لجلب البضائع من الشرق، حملت في طريق العودة بقمامة متنوعة انتجها الاميركيون، نقلت الى الموانئ الصينية، حيث اشترتها صناعة البناء كمادة لتجفيف وملء الاراضي. بمعنى أن معدلا كبيرا مما اعتبر في الولايات المتحدة كتدوير، كان عمليا دفنا للنفايات في الارض. أما الاميركيون فببساطة دفنوا قمامتهم في قارة اخرى. قبل نحو اربع سنوات تغيرت السياسة في الصين، التي قررت تبني قواعد الوجود والكف عن دفن البلاستيك والمعادن في ارضها. وكانت النتيجة ان اضطرت الولايات المتحدة الى ايجاد سبل اخرى لصرف نفاياتها في نهاية الاستخدام الاصلي.

 

فلتحرق القمامة

وعودة الى اسرائيل. يدعي سميث بأن التدوير فشل عندنا بسبب القرار بتبني فصل النفايات في الاصل كطريقة – وهذه استراتيجية مغلوطة برأيه. فالتدوير في اسرائيل يبدأ بالقمامة الموزعة الى عناصرها المختلفة في نقطة الالقاء، قرب البيت – على نحو مختلف عن الطريقة التي تجمع فيها النفايات وهي مخلوطة، ويتم الفصل بشكل مركز في نقطة مطرقة. الفصل في المصدر يتطلب تعليم الجمهور ويمس بجودة المادة الخام، إذ أن ليس الجميع دوما يطيعون قواعد التصنيف، وبالتالي تصل القمامة غير مرة وهي مختلطة وهناك حاجة الى اعادة تصنيفها من جديد، الامر الذي يكلف وقتا وقوة بشرية، مما يعني المال، ويقتطع من جدوى التدوير. عند تؤخذ عينة من شاحنة قمامة مع مادة معينة فيتبين بأن فيها مادة من نوع آخر، فانه تشطب كل الارسالية وترسل الى الدفن.

في محيط بلدي مكتظ، نجد أن الفصل في المصدر معقد لاسباب اخرى. أحدها هو أنه يجب ايجاد مكان لحاويات كثيرة في مساحة ضيقة على أي حال والمنافسة عليها شديدة. فليس صدفة أنه لا توجد حاويات برتقالية (لجمع الرزم) في وسط تل ابيب – المنطقة الغالية مع شوارع ضيقة. في ضوء فشل فكرة التدوير في كل البلاد، فان الحاوية البرتقالية لن تظهر في هذه الشوارع في المستقبل، بل وربما ستصرف من مدن اخرى سبق ان نصبت فيها.

إن قصة التدوير باعثة على الاكتئاب، لكن يمكن أن نستمد التفاؤل من حل بديل لازالة النفايات، يتم اعداده هذه الايام في وزارة حماية البيئة: محارق متخصصة تبيد النفايات أو تحولها الى بخار وفحم تنتج منه الكهرباء – وهي طريقة منتشرة في العالم. في اليابان، نحو 90 في المئة من النفايات تقريبا تحرق، و70 في المئة منها تستخدم لانتاج الطاقة البديلة. في زيورخ توجد منشأة الحرق في وسط المدينة كي تتقلص الى الحد الادنى مسافات النقل. وقلص سكان زيورخ كمية النفايات التي يلقون بها كي يستوفوا كمية الطاقة التي تعهدت المنشأة بتوفيرها حين تأسست، وبدأوا قبل بضع سنوات يستوردون لها القمامة للحرق من المانيا.

وتبلغ كلفة اقامة منشأة لانتاج الطاقة من خلال حرق القمامة، بما في ذلك الوسائل لمنع موبئات التلوث من الحرق، نحو مليار شيقل، هكذا حسب وزارة حماية البيئة. والـ 2 مليار شيقل التي تجمعت في صندوق النظافة مضافا اليها استثمار من مستثمر يحصل على الامتياز لبيع الطاقة المنتجة، ستكفي لاقامة ثلاث منشآت – يمكنها على حد قول الوزارة أن تعالج 40 – 50 في المئة من النفايات في اسرائيل.

ينبغي الآن العثور على السلطة المحلية الي توافق على أن تقام منشأة الحرق في نطاقها. المرحلة الاولى هي بناء المحرقة باسم "المنشأة لانتاج الطاقة من النفايات" – اسم أدق لغاية المنشأة، الذي يتجاوز ايضا النفور من هذا الاصطلاح، بكل ما ينطوي عليه من معنى في التراث الجماعي الاسرائيلي.