المعركة الاخيرة على القيم
معاريف - بقلم: يوسي ميلمان

في مسرحية الجساس الشاحب عن سجن رقم 6 يقترح أهرون السجان تمديد اعتقال الجندي رافي ليري بسبب "السلوك القويم". ولو كان هذا منوطا بأغلبية السياسيين وكل من يظن نفسه "شخصية عامة" – لا سيما من اليمين، ولكن ليس فقط – خسارة ان محاكمة اليئور ازاريا انتهت امس (الاول).
لو كان هذا منوطًا بهم، فإن قصته يجب أن تتواصل أكثر فأكثر فأكثر. الا تنتهي. ومعزوفة شعاراتهم محظور أن تتوقف. رغم سنة من المداولات في المحاكم، هيئتان قضائيتان وقرارا محكمة، لا يسمحون للحقائق أن تشوشهم. يواصلون استخدام ازاريا مجرفة للحفر بها. والآن، مرة اخرى يوجد رئيس الاركان، الفريق غادي آيزنكوت الذي وقف حتى الآن كالسور المنيع لحماية قيم الجيش الاسرائيلي، على بؤرة استهداف رئيس الوزراء، ميري ريغف، النواب، الحاخامين وغيرهم. فهم يطلبون – وفي واقع الامر يطالبون – أن يعفو عن ازاريا.
نحن نعيش في دولة مهزوزة. تبعث فيها وسائل الاعلام التواقة للنشر المزيد فالمزيد من الجنون. كل قنوات التلفزيون، كل محطات الراديو ومعظم مواقع الاخبار نقلت امس بالبث الحي والمباشر على مدى ساعات طولة كل ما حصل داخل المحكمة العسكرية للاستئناف في الكرياه. وكأن ليس لاسرائيل مشاكل اخرى، اهم.
في وسائل الاعلام يدعون أن السياسيين ، السماسرة والمحامين، لا سيما يورام شيفتل الحماسي، ممن عانقوا عائلة ازاريا بحرارة وبمحبة، وفي واقع الامر استخدموها لمصالحهم. وهكذا فانهم يهينون ابناء العائلة. فهم ليسوا رضعا اسروا. لهم فكر واضح. العائلة هي منبت نمو ابنها.
في اليمين يتهمون أن الجيش الاسرائيلي اجرى لازاريا محاكمة استعراضية. العكس هو الصحيح. الدفاع هو الذي جعل محاكمته استعراضية، سيركا ولعبة سياسية.
هذه احدى المحاكمات السياسية الاكبر التي شهدتها اسرائيل في حياتها. ويمكن ان نشبهها بمحاكمة اسرائيل كاسنر في 1954 – 1955. في حينه نجح المحامي شموئيل تمير من تحويل كاسنر من مدعٍ في ادعاء التشهير الى متهم بالتعاون مع النازية.
هذه المرة ايضا نجح المحامون في الهيئتين القضائيتين، بإسناد اليمين والشارع لتحويل أزاريا من مَتهم الى مِتهم. من جندي عاق ارتكب جريمةة خطيرة للغاية، تفصل بينها وبين تهمة القتل العمد خطوة، ضحية وبطلا.
وهم يفعلون ذلك دون أن يرف لهم جفن، وذلك حين يكون لكل من لديه ذرة استقامة وانسانية - فان الحادثة التي قدم بموجبها الى المحاكمة واضحة كالشمس. الادلة تحدثت من تلقاء ذاتها. العريف أزاريا، الجندي المتميز، وصل بعد 11 دقيقة من انتهاء الحدث، الى الساحة في الخليل التي استلقى فيها عبدالفتاح الشريف، مخرب جريح، لم يعد يشكل اي خطر – وبرباطة جأش تتجمد لها العروق. اطلق عليه رصاصة في الرأس. وقد عمل بخلاف تعليمات فتح النار وبخلاف اخلاق وقيم الجيش الاسرائيلي. بل وفعل ذلك كمسعف، كان يفترض به ان يعالج الجرحى دون فرق في الاصل، في الدين، في العرق او في القومية – لا ان يقتلهم. لقد كانت هذه فعلة جبانة، كل من كان مقاتلا في الجيش الاسرائيلي يشعر بالنفور منها، يحتقرها ويمتلىء بالخجل.
ليس صدفة، ثلاثة من ثمانية قضاة في الهيئتين القضائيتين اعتقدوا بانه يجب تقديم ازاريا الى المحاكمة على القتل العمد. الباقون اكتفوا بالجرائم التي نسبت لهم وبالعقاب الذي فرض ليه للسجن سنة ونصف السنة. وقد قرروا ما يشعر به كل انسان شاهد الشريط الذي يوثق فعلة أزاريا. بانه عمل برباطة جأش دون ان يكون على الاطلاق في عصف للمشاعر وانه حركته دوافع الثأر. وقرروا ان شهادته مليئة بالتناقضات، ليست مصداقة وانه بدل رواياته. رئيس المحكمة العسكرية، اللواء دورون بايلس، ثبت في قرار الحكم عدة اقوال مهمة وثاقبة: "استخدام لا حاجة له او يتجاوز المدى اللازم للسلاح، استخدام محظور، لااخلاقي، غير مجدٍ بل وضار. الجيش الاسرائيلي هو جيش دفاع منظم لدولة قانون سليمة. حذار ان يحاسب الجنود "المخربين "بعد أن يكون خطرهم قد انقضى. هذا دور جهاز انفاذ القانون". وعلى حد قول رئيس المحكمة، فإن ازاريا "لم يأخذ المسؤولية عن الافعال ولم يعرب عن ذرة تفكير او شك... مدى المس بالقيم بسبب افعال المتهم كبير جدا. ليس هذا سبيل دولة اسرائيل، ليس هذا سبيل الجيش الاسرائيلي. يدور الحديث عن فعلة محظورة وغير اخلاقية".
اما القاضيان المتبقيان في موقع الاقلية فكتبا يقولان: "نحن نتوقع ان يفعل كل جندي تفكره الاقصى. حتى لو الصقنا بـ "المخرب" اوصافا تعكس مشاعر الكراهية والتحقير، فهو يبقى انسانا، وليس حيوانا او غرضا". واضافوا بانه "حتى "المخرب" المصاب يستحق العلاج الطبي المناسب الذي يمكن ان ينقذ حياته. لا يمكن السماح باباحة الدم".
جدير بالاشارة على نحو خاص ما يقاله الرئيس بايلس، من اقوال ينبغي أن تصدع في أذني كل اسرائيلي نزيه. فقد قال ان ادانة ازاريا "ذكرت كل المجتمع الاسرائيلي بالقيم الاخلاقية للجيش الاسرائيلي التي لا تتراجع عند المصاعب. هذا ما هو مهم في الرسائل". وعلى حد قوله "ليست العلاقات العامة وليست الترهات، ليس العنف وليس صوت الجموع هو الذي حسم. لقد كان هذا قرارا قضائيا".
ولكن في الاجواء السائدة في اسرائيل اليوم مشكوك أن تتسلل هذه الكلمات الى قلوب الاسرائيليين. رئيس الاركان وقادة الجيش الاسرائيلي يقاتلون في المعركة الاخيرة على القيم – ليس فقط قيم الجيش، بل قيمنا جميعا.
مواضيع ذات صلة
مقتل رجل بجريمة إطلاق نار في عرابة البطوف داخل أراضي الـ48
مقتل رجلين في الناصرة وعكا
إسرائيل تعلن بدء هجوم على إيران وفرض حالة طوارئ شاملة
أولمرت: إسرائيل تدعم محاولة عنيفة وإجرامية للتطهير العرقي في الضفة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال