عبور - يوميات عبورحاجز عسكري إسرائيلي
حبيب السالمي *

ضابطة الجوازات الإسرائيلية في المعبر على الحدود الأردنية الفلسطينية قصيرة القامة. خلف الزجاج الذي يفصل بيننا لم يكن بإمكاني أن أرى منها سوى وجهها. وجه ضامر شاحب حاد التقاطيع. كل ما في ملامحه يوحي بأنها من يهود أوروبا الشرقية. ولا أدري لماذا تصورتها بولونية الأصل. لأول مرة في حياتي أرى مسؤولاً إسرائيلياً. لأول مرة أجد نفسي مرغماً على أن أتعامل معه وهو ما يحدث مع الفلسطيني كلما أراد أن يدخل بلده أو يخرج منه.
تتناول مني الجواز بحركة بطيئة. تتطلع إلى وجهي بسرعة وبلا اكتراث. ثم تخفض رأسها دون أن تقول شيئاً. وبعـــــد لحظات طويلة من الصمت ترفع رأسها.
ما اســـم أبيـك؟ (كـل الحـــوار دار بالإنكليـزية لأنها لا تعرف العربية على ما يبـدو أو لا تريد التحدث بها خلافاً لزملائها في الشبابيـك الأخـرى). عثمان. وما اسم أمـك؟ منوبية. وما اســـم جـدك ؟ بوراوي. وفي لحظة عابـرة تذكرت جدي الذي توفي وأنا في الرابعة من عمري. كان راعي غنم ويقيم في خيمة من وبر الماعز.
حاولت أن أتخيل ردة فعله لو قال له أحدهم، آنذاك، إن ضابطة يهودية (لا أعتقد أنه سمع بكلمة إسرائيل) ستسأل بعد أكثر من نصف قرن حفيده عن اسمه!
تسألني من جديد بصوت منخفض، كما لو أنها تخاطب ثيابها.لا أسمع جيداً. أبتسم لها. كان أصدقائي الفلسطينيون والأردنيون والعرب، الذين مروا من المعبر سابقاً، قد قدموا لي الكثير من النصائح. الإسرائيليون يستمتعون بإذلال العرب. كن هادئا جدا. سيطر على أعصابك. استعد لكل شيء. قد يحجزونك عدة ساعات دون مبرر. وقد لا يسمحون لك بالدخول أصلا ولا يذكرون لك السبب. وفي أغلب الأحيان ليس هناك سبب. لا بد أن يشعروك في كل لحظة أنهم هم أصحاب البلد وأن البلد الذي تود دخوله ليس فلسطين وإنما إسرائيل.. هكذا كانوا يرددون علي منذ أن عبرنا الحاجز الأردني على جسر الملك حسين.
أقول وأنا أداري انفعالي وألعن حظي التعس الذي شاء أن أمر عبر هذه الضابطة: عفوا. لا أتكلم جيداً الإنكليزية .. أتكلم العربية والفرنسية فقط.. تنحني وتغرق في الصمت من جديد. لم يعد باستطاعتي رؤية سوى قمة رأسها. لو مارست الجنس البارحة لربما كانت أقل صرامة هذا الصباح. أقول في نفسي، كما أفعل دائما عندما أقع على امرأة مثلها. وبعد عدة دقائق تأمرني بأن أنتظرعلى مقعـد خشبي دون أن تعيد إلي الجواز. خفت الحركة في المعبر وطال الانتظار. عندئـذ خشيت حقا أن يمنعونـــي من دخول فلسطين. خفت ألا يتحقق الحلم الذي بدأ يراودني منذ أن تلقيت دعوة مـن وزارة الثقافة للمشاركة في فعاليات ملتـقى الرواية العربية فـي رام الله وهو أن تطأ قدماي أرض فلسطين كي أدرك أخيرا أن فلسطين ليست أسطورة أو استعارة جميلة في قصيدة لمحمود درويش وإنما هي بشر وتراب وهواء وشجر وماء ورائحة.
بعد لحظات طويلة قادني ضابط يتكلم الفرنسية بطلاقة إلى مكتب. تفحص جوازي طويلا ثم سألني عن سبب ذهابي إلى رام الله وعن تاريخ مغادرتي لها. وعندما أجبته أعاد إلي جوازي وسلمني تأشيرة دخول. وفي اللحظة التي كنت أهم فيها بمغادرة المكتب التفت إلي وقال: هل تعرف.. هناك يهود لهم نفس الاسم العائلي: السالمي. لم أستغرب ذلك. شعرت برغبة في أن أقول لهم إن الكثير من يهود تونس لهم أسماء عائلية عربية (بوجناح ، الطرابلسي، حجاج، حليمي.. ) وإن التونسيين كانوا، مثل غيرهم من العرب، متسامحين فقد استقبلوا اليهود الذين التجأوا إليهم بعد طردهم من إسبانيا ومنحوهم أجمل ما عندهم: أسماءهم. إلا أنني التزمت الصمت. خشيت إن قلت له ذلك أن يضيف كلاما آخر فندخل في حديث لم أكن متحمسا له. كل ما كنت أتمناه آنذاك هو أن أغادر المكان بأقصى ما يمكن من السرعة. هززت رأسي وخرجت.
*روائي تونسي.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين