كنتُ فدائيًا في فلسطين
عبد الرزاق بوكبة*

[1]
من العادات التي تغذّيني بروحٍ خاصّةٍ، تسابقُ البناتِ على طرق باب مكتبتي، لإخباري بأنّ موعد الأكل قد حان. وعادةً ما تقع شجارات وتطاحنات، بينهنّ، بسبب ذلك في الرّواق. وهو ما دفعني، إلى أن أضع جدولًا يُحدّد، بدقّةٍ، دورَ كّل واحدةٍ منهنّ، حقنًا لـ"الدّماء".
[2]
قبل أيّام، كان دورَ الصّغيرة مريم. وهي تتميّز عن أختيها، بأنّها لا تغادر الباب حتى أخرج، ولا ينفع معها قولي إنّني مشغول، وإنّني سأخرج بعد قليل. إذ تقابل ذلك بمضاعفة الطرق، ثم بمضاعفة البكاء، بحيث يصبح استمراري في الشّغل بلا جدوى.
[3]
طرقتْ، فخرجتُ على طول، توفيرًا للهدوء. ثمّ امتنعتُ عن مشاركتهنّ الطّعامَ، لأنّني نويتُ أن أجوّع نفسي، تعاطفًا مع الأسرى المضربين في سجون الاحتلال الإسرائيلي.
[4]
لم أحسب حسابًا لأعمارهنّ، فرحتُ أدخلهنّ إلى "اليوتيوب"، وأعرض عليهنّ مشاهدَ من صمود مروان البرغوثي ورفاقه.
ــــــــــــــــــــــــ
شريط الذّاكرة
ـــــــــــــــــــــ
أهداني جدّي الميلود، وقد عاد صيفًا من فرنسا، ليُمضي عطلته السّنوية في أولاد جحيش، مذياعًا كان مدرستي الأولى، قبل أن أدخل المدرسة الابتدائية أصلًا. إذ عرفتُ، عن طريقه، أسماء العواصم والملوك والأمراء والرّؤساء والكتّاب والمغنّين وحركات المقاومة في العالم. أقسم بربّ الأثير إنّ ذلك الطفل كان يعرف "حركة التاميل" في سيريلانكا، و"حركة خلق" في إيران، وحركة تحرير إريتريا، وما كان يحدث في إقليم ناغورني كاراباخ. أمّا ما كان يحدث في فلسطين، فقد كان ملمًّا به إلمامه بما يحدث في حوش بيته.
يرجع الفضل في ذلك إلى برنامج "صوت فلسطين"، الذي كانت تبثّه الإذاعة الوطنية الجزائرية يوميًا، من السّادسة إلى السّابعة بعد الزّوال، قبل أن يتوقف بعودة السّلطة الوطنية الفلسطينية إلى رام الله، بعد اتفاق أوسلو. كان أبي لا يُفوّت هذا البرنامج، وعنه أخذت ذلك، فصرت أحفظ الأناشيد الفلسطينية، وأعرف أسماء القرى والحركات المقاومة وأسماء وجوهها، بل إنّني كنت ألتقط أسماء الشّهداء اسمًا.. اسمًا، فلا تفارق ذاكرتي إلا بعد شهور عديدة.
ذاك التّماهي مع أخبار الانتفاضة الأولى، التي كان يُغذّيني بها برنامج "صوت فلسطين"، ذكر الله الأحياءَ ممّن كانوا يُعدّونه ويُقدّمونه بخير، ورحم من رحل منهم، جعلني، مرّةً، أغرق في خيال تسبّب لي في وجبةٍ من الضّرب، لم أنسَ طعمَها، إلى غاية هذه اللّحظة.
تخيّلتُ نفسي في فلسطين، متقدّمًا كوكبةً من الشّباب الملثّمين، في هجوم بالحجارة على دوريةٍ للاحتلال. كنت وحدي، في الحقيقة، أعلى البيت. وكنت، في الخيال، أرمي بالحجارة بكلّ قوّتي، وأنا أصرخ: "تحيا فلسطين.. تحيا فلسطين".
لم أدرِ في غمرة "الجهاد" أنّ أحد تلك الأحجار المتحمّسة، قد أصاب أبي، وهو يُصلح قرميد البيت. ولم أتفطن إلى أنّه ترك شغله ونطَّ إلي/ أمسك يدي/ انتزع الحجارة منها/ طرحني أرضًا، وهو يُردّد: ألم أنْهَكَ عن القذف بالحجارة؟ ظننتُ أنّه جندي إسرائيلي، ورحتُ أستعمل قاموسًا لا يُقال للآباء، فقابل ذلك بضرب مبرّح، جعلني أخرج من الحالة، وأشرح له سياقَها.
ــــــــــــــــــــــــ
كهرباء اللّحظة
ــــــــــــــــــــــــ
[5]
بقي ربعُ ساعةٍ على موعد الإفطار، فلاحظتُ أنّ علياء ونجمة، لم تنخرطا معي، مثل العادة، في وضع الصّحون والأطباق والملاعق والكؤوس على الطاولة. تفقدتهما فوجدتهما غارقتين في اليوتيوب.
[6]
ناديتُ عليهما، وقد أذّن، فجاءتا متراخيتين/ انهارتا على مقعديهما/ لم تمدّا يديهما إلى صحنيهما/ سألتهما عن الأمر/ قالتا إنّهما متضامنتان مع الأسرى الفلسطنيين/ حاولتُ إقناعهما بالأكل/ فشلتُ في ذلك فشلًا جائعًا/ حملتُ الملعقةَ إلى فم علياء/ طوّحَتْ بها في الهواء/ حملتُ يدَها إلى ملعقةٍ أخرى/ صبّت الصّحنَ على ثيابي.
[7]
سامحني بابا.. تخيّلتك جنديًا إسرائيليًا.
روائي وقاص وناقد جزائري *
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين