عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 05 تموز 2017

الشاعرة هند جودة تقرع أجراس رؤاها

قراءة في ديوانها: لا سكّر في المدينة

د. خليل حسونة .. حول المفهوم:
الشعر في أبرز معانيه، اختراق شواغل الواقع والتماهي عبر لغة الكسر الفادح للتقليدي والمتعارف عليه، ولأنه أبرز أجناس التعبير، فهو ليس معزولاً عن علاقات انتاجه التاريخية، ولا عن نسقه التأثيري كونه فعلٌ إنسانيٌّ تاريخيّ متأثرٌ بالمجتمع ومؤثرٌ فيه، ما يعني أن هناك علاقة منتِجة ومنتَجة بناءً على هذا المفهوم تؤكد تجربة الشاعرة الشابة حضورها اللافت والسلس، خاصّة وأن التجديد عند الشعراء الجدد وهي من أبرزهم لم يكن ظاهرةً فردية بل فعلاً جمعياً يتجاوز الوعي الاستهلاكي السلبي حيث تشظيات الحواس لديها ومراوحتها بين النار والهواء، وتداخل الجماليات وهو ما نراه على امتداد بساط الديوان الموسوم ب "لا سكّر في المدينة" الذي أكّد منذ البداية تجاوزها للمتعارف عليه حيث الإهداء لجدتها، يلي ذلك تأكيدها لذاتها وكيف أنضجها قِدر الحياة الكبير.
"أشعل ناراً تحت قدر الحياة الكبير
أنفخُ
يسخنُ الهواء 
ولا ينضجُ سواي" ص 5
هذا المدخل النصّي يؤكد أن الكتابة لدى الشاعرة ليست نزوة بل تواتر وتوتر حيوي مبتكر يتفرّد بمساكب الذهول بشكل لا يعرف الهدوء، وهو ما برز جليّاً في قصيدتها المفتتح " غرّة الكلام" التي تمازج بين الشيء ( وأنا أشبه الجمر) واللاشيء (والرماد معاً) كما نرى 
"يتصاعد الرماد من مطلع الجمر 
يحطّ خفيفاً لا يلمّ سعاله، 
ولو أنه قدر التحليق بعيدا لاستطاع
وأنا أشبه الجمر والرماد معا" ص 7
بدراية بارزة وضحت الشاعرة لنا كيف أنها استطاعت قولبة الكلمات والحروف ما ساعد على خلق صورها ومجازاتها بشكل متفرد لا يضاهى، فقد أعلنت لوحتها وبلغة مكثّفة أن الشاعرة تشتعل لا شعورياً، ما يؤكّد خصوصيّة الإحساس ومن ثمّ خصوصيّة التعبير فقصيدة " شمس باردة" صورة عن الحياة اليومية للشاعرة خاصّة في فصل الشتاء حيث فطور الصباح/ ترتيب خزائن الثياب/ القلوب المشبعة بالفجائع/ والتي ليست سوى قيعان مؤلمة دفعت الشاعرة للتساؤل:
"كم قاعا سنهبط بعد؟
نحن الذين فقأنا الغربال
ولم تزل شمسنا عمياء!" ص 15
في نص " رجلٌ قابل للحب" امتداد الحياة اليومية أبرز خصوصياتها (النوم/ الكسل/ التخلّص من بقايا النوم/ الانتهاء من تصفيف الشعر/قذف الحصى والأصداف في الماء/ الإسراف في بعض التفاصيل/ ورغم كل ذلك هو عاشقٌ لبلاده، إنه الرجل القابل للحب!
"تحمل أحشاؤه صوت الرحى،
وتذكر أصابعه ملمس القمح الخشن،
في صدره ندب كثيرةٌ تهدّد بالنزف
تحمل أسماء الراحلين، بعناوين عريضةٍ للموت 
وواضحة للحياة"
رجل قابل للحب ص 11
ورغم انها تتكلم عنه وتصفه بالرجل النموذجي إلا أن مزجت سلاسة الكلمات بالخشونة وأطلقتها بما تحمله من معنى مكثّف صهر أحلامها تجاهه وسكبها في بوتقةٍ نافرة للوعي، مبرزةً عمق الطّاقة اللامرئية المبدعة التي أطلقتْ حرارة صوتها بجلاء
أوليس هو العاشق القلق الذي توجعه مدينة تغسل ثيابها في العتمة؟!
يبدو الأمر كذلك خاصّة وأن مدينته صاخبة، موحشة لتظلّ مدينة القلق الغجرية التي لا تستطيع شاعرتنا في هذه الحالة أن تغني له
-" كيف أغني للقمر وهو عاشقٌ قلق لا يستقرّ على حضور أو غياب؟" ص 67
- " ستكون وحيداً ذات يوم
ستظل وحيدا ذات استياءٍ ربما أو حزن
أنت في النهاية وحدك" ص 68

النسيج والتعبير الذاتي:
نسج الشاعرة هنا تعبير ذاتي وتشخيص علاقات بين أناها وأناه، لأن شخصيتها كما أي فنان مجموع العلاقات الاجتماعية التي حددت تلك الفعالية المفروضة للكلام، ذلك الذي يهبنا الإحساس المباشر بالحياة، وهو ما اتضح في لوحات " عبث و أشجارالتي استطاعت فيها لغة التكثيف المبسّط أن تحرالمتلقي من عسف التأويل بعد أن منحته إحساساً بالخلق والثقة، والذوبان في اليوتوبيا( العصفورة الزرقاء، سيف الخراب،الأشجارالتي تمشي على قدمين، والتي تنافرت وتلاقت في نفس الوقت مع الخيبات الواسعة في لوحتي عبث وأشجار
"خذ عصفورتي الزرقاء / أطلقها في مدى عينيك
هل يخيفك صوت أجنحتي؟ " ص 17
"شريان قلبي / حبل مقطوع / ألوكه بصمتٍ وأبتلع فوقه سيف الخراب" ص 18
" في حياة أخرى / كانت الأشجار تمشي على قدمين/ 
كانت تمدّ أعناقها تجاه الغيم في نظرة حبٍ طويلة" ص19
لقد شكلت هذه اللوحات حالة فيض تداخل فيها السلبي مع الإيجابي ملفعة برؤى صارخة تقرع الصمت بقوة وهو ما تمثله لوحات " من يزرع العسل؟" و" أرض" وحتى "بيض الكلام" مروراً بتوق/ وحش القلقم والتي عادت إلى البحر" 
وهي لوحات عانقت فيها الشاعرة ميتافيزيقيا الكلمة الشرارة التي أفسحت المجال للفعل كاستجابةٍ إيجابية عانقتها الشاعرة بحثاً عن مكان لها في هذا الفعل كما في قصيدة " ينقصُ ولا يزيد" التي تتحدّث عن مدينة غزة التي لا تعرف الضحك،ولكنها تحلم أن تملأ العصافير شجيرات قلبها.
" سأقف على الطريق التي تؤدي إليه 
ورودي في يدي
من ابتسامتي تنبت مدينة تضحك
وأشجار قلبي ستملؤها العصافير"  ص 40
من السهل أن نعترف بإحكام وتوازن البناء الشعري في هذه اللوحة فهي تنقسم إلى صور تراوح بين الفرح والتعاسة، تخضّها خضّا استاتيكياً  حيث سيكولوجية التداخل لتبيان دياليكتيك الحياة اليومية الواصلة بين الفقد والأمل، توقظ حالة طفولية تتضاد مع الصامت لتقدم رؤى المستقبل ولتصل إليه بعد التطهر حيث لا تنطقفيء الأحلام ولا تغيب، لأن الكتابة الإبداعية حسب خالدة سعيد ليست حيّزاً لانقسام الأنا إلى وعي وموضوع وحسب بل هي تعدد الأنا وتداخل الذات المفكرة وتشظيها بقوة، ما يثير الغرابة في قصيدة " قهوة" حيث تناقض الشاعرة مع هذه الرؤيا وفي نفس الوقت تمثلها لها عبر شطب النقيض الباهت وهو ما بينته الصورة اللاحقة في نفس القصيدة التي شكلت قوة خاصة امتلكتها الشاعرة التي ترشف قهوتها وتقول:
"القهوة 
نبيذ حواسي
رائحتها محطة النجوم التي تومض لي فأطير
القهوة
راكبة قطار الليل الوحيدة معي حين يأخذ بيدي إلى البياض
كي أعيد تشكيل دمي
القهوة 
شفتان من لحاء وعصافير
القهوة
عينان" ص 28
في قصيدتها "امرأة تشعر بالملل" تؤكد الشاعرة أن لا شيء يصلح سوى الصمت أمام تشابك الحياة وتداخل ظروفها، فالحياة اليومية  لأسرة تتدفق بالحياة، حراكها ملل ورتابة وتفاصيل تكرر نفسها/ عينان ذابلتان/ فتح النوافذ/ غزل الصوف/ اغلاق التلفاز/ كل هذه الصةر تؤكد على رغبة جارفة في الانطلاق.
"تحبو إلى طفلك الغافي
جسدك لا يقوى/ عيناك ذابلتان
تربّت على طفل قلبك الذي لم يزل غافيا ولا زال جائعاً/ بلا درع ولا مأوى" ص 44

"ماذا تفعل امرأة تشعر بالملل؟
تفتح النوافذ/ تغلقها / تمسح دمع الغبار وتطلق عصافير الوقت من أقفاصها....
تغزل صوف قلبها/ تهرب من قنوات التلفاز
من ضوضاء الشارع / من مشاغبة الصغار/ من الأطباق " ص 52

عندما يكتبك الشعر:
عندما يكتبك الشعر، تصبح الذائقة الفنية لدى المتلقي وهماً لهاجس من الصعوبة الاندماج فيه إن هو انفصل عن شمول الوعي الشخصي إذ من الضرورة افتراض حالة وعي كاسحة عبر نزف المعاناة بحيث ترتفع الفاعلية الشعرية (فنياً) إلى مستوى الفعل الحضاري الحياتي والديمومي والذي بينته قصدية " لا سكّر في المدينة"
"أريد أن أخبز كعكةً ولا سكّر في المدينة
أريد أن أخبز رغيفا ولا قمح في الحقول 
أريد أن أخبز قمراً ولا فرن يتّسع لاستدارته الشاهقة
لذا قررت ُ أن ألتهم قلبي نيئاً فلا نار في المدينة" ص 59
هذه الرؤية خلقت من التأمل حيث أنها ملتقطة من فضاء حركة الكون، حيث تلاحم شعرية المضمون مع جمالية شكله وهي تؤكد إمكانية الخروج عن الرؤية التقليدية، حيث كل شطرة فيها تحمل قيمة ذاتية تدعوك للانتباه إليها عبر بنية إشارية أكثر مما هي تمثيل للواقع كونها تستنتج المعنى بدلا ً من نقله.

تجريب التجريب
في قصيدتها " يثمل بوجع ما " يبرز التجريب جليّا ويقصدُ بالتجريب الفعل الضروري لشقّ دروب جديدة أمام المبدعين منطلقا من فاعلية الشكل فقط والذي يرى فيه أصحابه حاملاً للفكرة الفنية، حيث وضعوا فيه الشكل/ العصر الذي تمثلوا روحه كما يرى د. حسين جمعة من خلال ذلك أعتقد أن هذه القصيدة هي أم القصائد في الديوان، لقد جاءت متحررة من تماما وتعتمد على التشكيل الانفعالي والترابطات النفسية وتجاوز البناء التقليدي  فضلاً عن اعتمادها الإشارات والنقلات السياقية المتكررة وغير المدبرة تركيبا وإن كانت مبرّرة فنياً والتي يمكن أن نطلق عليها قصيدة الوجع بجلاء حيث تقول:
"الوجع
غول حقيقيّ، هجر خرافات الجدّات 
واستوطن دمنا" ص 73
"الوجع كغبار 
لا يذهب إلا ليعود " ص 75
" الوجع 
قطعة من كعكة الحياة 
مجبر على أكلها
لا خشية أن توصف بقلة الذوق 
}فقط لأنّك مجبر { ص 79
الحالة الباطنية في هذه القصيدة وعي يسترجع ذاته، التحول الأول فيه اتساع أنا المتكلم، أناه هي أنا الرائي الذي يتوحد برؤياه أي بالحادث الحاضر(الآني) ومن هنا اتساع هذه الأنا للعديد من الأصوات، كونها تتموضع في رؤيا تحمل ملامح الانشطار حيث رحلت/ تركتني / مكبلة بك/ مشكلتي/ فقد كنت/ وهو ما برز في قصيدة " مشاغبات رحيل" التي تؤكد حكاية كل امرأة  تريد ولا تريد حيث  إضاءات القصيدة توضح ذلك
"رحلت
كتبت على صفرتي آخر حروف اشتياقي ...
تركتني أمدّ عنقي في الريح كبجعة وحيدة" ص 87
" لا تكترث لثرثرتي 
ولا لأغنيات طفلة 
خربشت في دفاترك يوما 
فقد كنت وانتهى الأمر، رحلتُ " ص 90
" لا فمي يعزفني كما أريد
ولا قلبي يحتمل النشاز ..." ص 91
الشاعرة في هذا الديوان تمتلك شروطها الخاصة في تصوير مختلف الأشياء والمظاهر الواقعية، تجعلُ من الكلمات حركة متناغمة مع نفسها، مخلصة لذاتها ودون أن تتحوّل إلى قوالب جاهزة، تقولب النص ولا تفرغه من شحنته العاطفية.