يطرق باب الرواية الباقي هناك النّاقد لمن رحلوا
رشا السرميطي

راوية قلبي هناك تمثل باكورة أعمال الكاتب- مهند الصباح- وقد صدرت الطبعة الأولى عن دارالجندي في العام 2017م. إذ اختار الكاتب موضوعا شغل الأقلام الفلسطينية وكذا العربية منذ زمن، ربما كي يأتي بجديد من وجهة نظر قلم وفكر شاب تشكلت حياته بتأثر وتأثير عواصف النكبة والنكسة الحاضرتان في مأساة الشعب الفلسطيني الذي كان عزيزا ولم يزل كذلك رغم ما طحن من آماله بسبب الهجرة والشتات والإبادة الفردية والجماعية سواء للحلم، الحب، والغد أيضا.
تبدأ الأحداث بطريقة مشوقة وبدلالة لافتة إذ يصف الكاتب المخيم ويربط تفاصيل حياته به حتى بعد مغادرته المخيم وربما في ذلك دلالة على مدى الأثر العميق الذي تركته الحياة هناك على جلد من عاشوا تفاصيل اللجوء. ينتقل لصورة قاسية تمثل واقع التعليم الذي مر به بطل الرواية ابراهيم إذ يزجر ويرفض التعلم المبني على أساس الخنوع والعبودية من أستاذه القوي بعصا اللوز ونظراته الحادة. ثمّ يلخص للقارئ فصول مأساته: "من زرع وأرض إلى خيمة وكرت تموين وصولا للخيمة الإسمنتية" وهنا أعتقد ما كان ضروريا من الكاتب التصريح به بهذه المباشره إذ أسقط العديد من الأحداث التي كان بوسعه الكتابة عنها لستخلص القارئ ذلك.
يدخل القارئ بحوارات عديدة تبدأ من صفحة 14 حتى نهاية الكتاب سواء على لسان الباقين من الأجداد أم من رحلوا وعادوا من خلال رحلة لزيارة قراهم المهجرة، يدير الحوار بصوت الكبار والصغار والعارفين والجاهلين وكذا الثائرين، يتحدث ضمن إطار فن الممكن الذي رسمه للقراء في دحض الفكرة وتبيان جدوى الانتظار في محاولة منه لفهم الواقع، تفسير الماضي، والتنبؤ بالمستقبل القادم، مطلقا على ذاته الأسئلة: هل ستعود قرانا المهجرة منذ العام 48؟ نحن نجيد إضاعة الفرص..
تبدأ قصة الحب مع سلمى ليظهر لنا صورة نمطية من حب قائم على الاختلاف، ينتهي بواقعية، فلا يتزوج من ابنة الاقطاعي شاب تعثر بحياته وعاش المخيم، ثم يهرب بقرائه لمدن النسيان فيختار البطل أن يغترب طالبا للعمل وتكوين مستقبل، وهناك يقع بحب صوفيا التي تشبه محبوبته الأولى، وعلى غير العادة يرجع المغترب وتتخلى عنه صوفيا التي تركته بسبب فهمها لواقع الشرق وعدم تقبلهم لما جرى معها بالغرب. بعد ذلك يدخلنا الكاتب باختلافات عديدة ولا يلزم القارئ بوجه نظره فغالبا كان يطرح الموقف ونقيضه ويترك مساحة لما بينهما، يتحدث عن الحب، الوطن، الأرض، الإنسان، الغدر، الثبات، الحرية، يقارن بين المرأة في الشرق والغرب، الموروث الثقافي ومآزق نقع فيها عندما نريد ما يرفضه الآباء والأجداد والمحيطين بنا.
أخيرا يعود ابراهيم لوالده المتسلط صاحب عصا: "نقطة وانتهى" وترجع إليه محبوبته صوفيا ليختلف سيناريو المتوقع عند القارئ، يتزوجان وتبدأ الحياة بمضغ أحلامهم بين فكي مواقفها، يتعرض البطل للمضايقات والاعتقال أثناء ممارسة عمله ضمن مؤسسة حقوقية للإنسان، يتطرق لمشهد هدم البيت عند الإنسان الفلسطيني والتحديات المتفاقمة. ثمَّ تبدأ رحلة العودة نحو الماضي بزيارة القرى المهجرة وفك شيفرة المسؤولية وعلى عاتق من تقع، يبدأ كاتبنا اطلاق شهب الأفكار: هل سنعود؟ لأ رح نرجع عاجلا أم آجلا أنتم جيل النكسة أما نحن فجيل لا يعرف اليأس.. بدهم يقرروا نصلي ووين نصلي؟ تحضر عين كارم وقانون الأقليات، يولد محمد وتبدأ سحب الألم بالتكاتف، عين كارم، المالحة، دير ياسين، القسطل، قالونيا، عمواس، لفتا، وغيرها من القرى التي ذكرت دونما إعطاء وجودها المعنى القوي لفكرة الرواية والهجرة ومخالب الشتات التي مزقت أوراق النص مرات ومرات كانت بحاجة لوصف مسترسل ومقارنة بين الماضي والحاضر فيها الآن. تنتهي الرواية بموت أم شكري، الحدث الذي عاد بالبطل إلى المخيم من جديد هناك.
ملاحظات عامة حول الرواية:
الأحداث سريعة والقفزات تكنولوجية لا تمنح للقارئ ما يكفيه ليعيش الحدث ويرتاح فكريا عند قراءته، كانت وتيرة التنقل راكضة كنبضات القلب الخائف والهلع عند تهجيره ولا أدري أكان ذلك مقصودا من الكاتب أم خطأ وقع به في الرواية الأولى.
اللغة كانت مرة عامية وأخرى فصيحة، ولم توجد بها سمة الأدب وبلاغة التعبير إلا قليلا من الصور والتشبيهات التي قدمها الكاتب، لكن في مواضع عديدة كانت ركيكة ومملة، أذكر منها: الحديث بين الطلاب والأستاذ، شو مش عارف؟ مخبول أنت؟ أجننت. الله يسلمك.. شكرا. باي ما هذه اللحية الطويلة؟ نحف جسدك كثيرا. كنت سمينا بعض الشيء. كيف أهلك؟ كما تكرارعبارة " على رسلك" بدا لافتا، وغيرها..
المونولوج الداخلي ضعف أمام الديالوج الذي قامت عليه الرواية، كنت أنتظر سماع وجهة نظر الكاتب لما طرح من قضية هامة حول موضوع الرواية وما ورد بها من مضامين.
العنوان: "قلبي هناك" أعجبت به فهو يتماشى مع آلام الرواية منذ البداية حتى نهايتها كما التسلسل الزماني بدا منسجما، أما عقدة الرواية اظن خيوطها تشابكت في الصفحات الأخيرة التي تمثلت بزيارة القرى المهجرة والعودة للماضي لبناء حاضر متين يخلصنا من لعنة اللجوء.
الشخصيات والأمكنة والحوادث لم تأخذ حقها من حيث الوصف والسرد والاسترسال ليعيش القارئ ويتورط بها بدلا من تلقي المعلومات الواردة فيها من شاطئ لا يبلغه الماء والدمع ولا نورس يحلق بفضائه مغردا ضحكات الأمل والأمنيات.
في الختام: رواية قلبي هناك محاولة جيدة أتمنى من كاتبها مهند محمد صباح تطويرها وإثراء القراء بمزيد من أعماله.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين