ثكل وثكل
هآرتس- بقلم: جدعون ليفي

هناك شيء مؤثر في الحداد القومي. وهناك شيء مقلق حين يكون مفروضا من أعلى بيد وسائل الاعلام والسياسيين المتهكمين، فقط من اجل خدمة حاجاتهم. وهناك شيء منفر عندما يستجيب الشعب لأمر الحداد ويبكي أمواته الذين لم يعرفهم، وفي نفس الوقت قلبه مغلق تجاه قتلى الشعب الآخر، الذين قتلهم هو نفسه. بين الطقوس الموجهة والثكل للقتلى الاسرائيليين وبين اللامبالاة وغياب الانسانية والشماتة تجاه الشعب الآخر، يوجد خط واحد، خط اللاأنسنة. اسرائيل التي تنكس العلم من اجل مجندة مقتولة من حرس الحدود، تتجاهل القتل الفظيع لفتاة فلسطينية تحمل مقص.
لا أحد يتوقع من اسرائيل أن تعلن الحداد على موت فلسطينية مثل الحداد على موت يهودية. الشخص قريب لشعبه، وهذا انساني. وغير الانساني هو الفجوة بين طقوس الموت المتطرفة تجاه موت الاسرائيليين وبين انغلاق القلب المتطرف تجاه موت الفلسطينيين. شرطية حرس الحدود، هداس مالكا، قتلت على ايدي شاب فلسطيني قام بطعنها حتى الموت. موت فتاة في جيل 23 سنة هو أمر مزعزع. صورتها وهي مبتسمة تلامس القلب. حياتها ضاعت وعائلتها دمرت والقلب يتفطر. ورغم ذلك، الحداد القومي كان مبالغا فيه. تجندت "يديعوت احرونوت" على الفور للمهمة المحببة عليها وهي هز القلوب وابتزاز المشاعر. لقاء بين الأب الثاكل الاخير والأب الثاكل قبل اربعة شهور صنع عناوين رئيسة لمدة يومين. "هدار خاصتي وهداس خاصتكم". الصحيفة تناضل من اجل وجودها.
رئيس الحكومة قال في زيارة العزاء: "طفلتنا جميعا وبطلتنا جميعا". ورئيس الدولة قال: "كل شعب اسرائيل يؤدي التحية لك". وتنافس الجميع على اسماع اصوات الزعزعة والتأييد، وتفوقت عليهم نائبة وزير الخارجية تسيبي حوطوبلي التي قالت "هداس مالكا بطلة حرب النور ضد الظلام، حرب الطهارة ضد البشاعة". اذاً: رجال شرطة مسلحين، دورهم الحفاظ بالقوة والعنف على الاحتلال في شرقي القدس، يمثلون النور والطهارة. القمع والاحتلال والتعذيب هي النور والطهارة. ومقاومة ذلك هي الظلام والبشاعة.
ربما تكون اقوال حوطوبلي مفهومة، لكن ماذا عن روبي ريفلين المعتدل الذي قال: "هداس واصدقاءها هم الذين يجعلون كل شخص في القدس يشعر بأنه في أمان في روتين حياته اليومي". هل سمع الرئيس ما الذي قاله؟ هل قصد ما سمع؟ هل يسبب حرس الحدود لكل شخص في القدس الشعور بالأمن؟ كل شخص؟ يمكن أن هذا ينطبق فقط على اليهودي؟ ويمكن أن من هو ليس يهوديا في القدس لا يعتبر انسانا في نظر الرئيس؟ هل يشعر السكان الفلسطينيون بالأمن مع وجود شرطة حرس الحدود الذين يتجولون مثل الزعران المسلمين في مدينتهم ويدهم خفيفة على الزناد، واحيانا يقومون بتعذيبهم دون اطلاق النار؟ هل يعتقد الرئيس بالفعل أن حرس الحدود يحافظ على أمن الفلسطينيين؟ لم يسبق لحرس الحدود أن سمع عن مهمة كهذه.
قبل موت مالكا ببضعة ايام، قتلت نوف انفيعات (15 سنة). في البداية زعم الجيش الاسرائيلي أنها حاولت الهجوم بسكين، وبعد ذلك تغيرت الرواية فقالوا إنه مفك. وتم اطلاق النار على انفيعات وقتلت، وعندما كانت تحتضر وقف حولها الجنود والمستوطنون وقاموا بشتمها. في اسرائيل التي أعلنت الحداد على مالكا، تم التعامل مع هذا المشهد بلامبالاة. لم تتم معاقبة أحد، ولم تتم معاقبة أحد من زملاء مالكا في حرس الحدود بسبب اطلاق 15 رصاصة على رائد حدايدة (15 سنة) الذي حاول مهاجة شرطي، ولم يتحدثوا في اسرائيل تقريبا عن قتله. فدمه رخيص مثل دم شعبه.
انفيعات وحدايدة كانا فتاة وفتى ضحوا بحياتهما في الصراع من اجل شعبهما. ومالكا خدمت دولتها. لا أحد يتوقع من اسرائيل الحداد على موتهما مثل الحداد على موتها. ولكن عندما يشتمون انفيعات وهي تحتضر، ولا يذكرون قتل حدايدة، فمن الواضح أن الثكل خاص بنا. نحن فقط البشر أما هم فلا.
مواضيع ذات صلة
مقتل رجل بجريمة إطلاق نار في عرابة البطوف داخل أراضي الـ48
مقتل رجلين في الناصرة وعكا
إسرائيل تعلن بدء هجوم على إيران وفرض حالة طوارئ شاملة
أولمرت: إسرائيل تدعم محاولة عنيفة وإجرامية للتطهير العرقي في الضفة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال