آخر حوار مع الشاعر والناقد الراحل شريف رزق
شريف رزق يؤكد أننا نعيش زمن قصيدة النثر ولا نقد ولا نقاد في مصر الآن

محمد الحمامصي
الشَّاعر والناقد شريف رزق الذي فجع الوسط الثقافي المصري والعربي بتبأ رحيلة في مسنشفى المنوفية هذا الاسبوع أثر نزيف حاد في الدماغ يعتبررزق أحد الوجوه الشِّعريَّة العربيَّة ذاتَ الحضورِ الفاعلِ في المشهدِ الشِّعريّ الرَّاهنِ؛ إبداعًا وتنظيرًا، أنجزَ مجموعةً من الأعمالِ الشِّعريَّة منها: "عُزلةُ الأنقاض"، "لا تُطفِئ العتمة"، "مجرَّةُ النِّهايات"، "الجثَّة الأولى"، "حيواتٌ مفقودة"، "أنتَ أيُّها السَّهو، أنتَ يا مَهبَّ العائلةِ الأخِيرَةِ"، "هواء العائلة".
كما قدَّم لقصيدةِ النَّثر العربيَّة مجموعةً من الأعمالِ النَّقديَّة المُهمَّة؛ تُعدُّ المرجعَ الأساسيَّ في بابها، ومنها: "شِعرُ النَّثر العربيِّ في القرنِ العشرين"، "قصيدَةُ النَّثرِ في مشهدِ الشِّعرِ العربيِّ"، آفاقُ الشِّعريةِ العربيَّةِ الجديدَةِ في قصيدَةِ النَّثرِ"، "قصيدَةُ النَّثرِ المصريَّةِ: شعريَّاتُ المشهدِ الجديدِ"، الأشكالُ النَّثر شعريَّةُ في الأدبِ العربيِّ".
ويعمل حاليًا على كتاب جديد "شِعريَّاتُ ما بعد (شِعر): قصيدةُ النَّثر العربيَّة في السَّبعينيَّات والثَّمانينيَّات"، كما قرب من الانتهاء من كتابه "الدِّيوانُ العربي" لأحمد راسِم؛ الَّذي جمع فيه شِعر راسم العربيَّ وقدَّمتُ له.
حول التَّجربة الشِّعريَّة والنَّقديَّة لشريف رزق ورؤيته المشهدَ الأدبيَّ الرَّاهن، وانطلاقا من ديوانه الصادر هذا الأسبوع "هواء العائلة" كان هذا الحوار.
بداية أكد شريف رزق أن ديوان "هواء العائلة" ينفتحَ الأداءُ الشِّعريُّ فيها - بشكلٍ كثيفٍ – على بلاغة التَّاريخِ الشَّخصيِّ والسِّيَرِيِّ، وبخاصَّة في مرحلةِ الطُّفولةِ، ومن منظورِهَا. تحضُرُ مواقفُ وشخصيَّاتٌ من حيواتٍ انتهتْ، وعلى الرَّغم من هذا فالنَّصُّ ليسَ سيرةً ذاتيَّةً شعريَّة، هو فقط ينفتحُ على عوالمَ ومُشاهداتٍ من السَّيرةِ الذَّاتيَّةِ والتَّاريخِ الشَّخصِيِّ. الشِّعرُ هنا يُقاومُ الزَّوالَ والفَنَاءَ، وهذا الدِّيوانُ من الأعمالِ الَّتي قوبلت بحفاوةٍ كبيرَةٍ .
ويوضح رزق سِرُّ مشكلة قصيدة النَّثر في مشهد الأدب العربي وتُكريسه كتاباته النَّقديَّة لدراسة شعريَّتها، قائلا: لأنَّ قصيدةَ النَّثر شكلٌ شِعريٌّ جديدٌ، يتخطَّى نظريَّةَ الشِّعرِ عندَ العَرَبِ؛ الَّتي هيَ أساسُ التَّفكير الأدبيِّ والبلاغيِّ والنَّقديِّ بشكلٍ عامٍّ، لم يتمّ قبولها بسلامٍ؛ كما حدَثَ مع الأشكالِ الأدبيَّة الجديدةِ على الأدبيَّةِ العربيَّة؛ كالقصَّة القصيرَةِ والرِّواية والمسرحيَّة "الشِّعريَّة والنَّثريَّة"، وكانت مُعظمُ الدِّراساتِ النَّقديَّة حولَ هذا النَّوع الشِّعريِّ مُستمَدَّةً من كتاب سوزان برنار "قصيدة النَّثر من بودلير إلى أيَّامنا" وهو كتابٌ تاريخي مهم، يرتبط بمراحلَ شعريَّة مهمَّة، ولكنْ تجاوزتْها التَّحوُّلاتُ الشِّعريَّة التَّاليةِ، فكان لا بدَّ أن أبدأ من النُّصوصِ ذاتِها، وأستجلي آليَّاتِها الشِّعريَّة في إنتاج شعريَّتها الخاصَّة، ووضعتُ خُطَّة لدراسةِ مُجمَلِ شِعرِ النَّثر العَرَبيِّ، في أطوارِهِ المُتعدِّدةِ، منذُ مرحلة التَّأسيسِ؛ فنشرتُ كتابي: الأشكال النَّثر شعريَّة في الأدب العربيِّ، ثم: شِعر النَّثر العَرَبيّ في القرنِ العِشرين، ثم: قصيدة النَّثر في مشهدِ الشِّعر العَرَبيِّ، ثم: آفاق الشِّعريَّة العربيَّة الجديدة في قصيدة النَّثر، ثم: قصيدة النَّثر المِصرية: شعريَّات المشهدِ الشِّعريِّ الجديد".
ورفض رزق كون قصيدَةَ النَّثر جنسا أدبيا مستقلا وأن يكون عمل على ترسخ ذلك في كتاباته النَّقديَّةُ، وقال إن هذا رأي جماعة المحافظين، وصلوا إليه بعد مرحلة النفي، وهذا الرَّأي أيضًا يهدف إلى النَّفي والإقصاءِ وإخْراج قصيدة النَّثرِ من دائرة الشِّعر والاحتفاظ بالمفهومِ القديمِ، دونَ إحْداثِ أيِّ إضْرَارِ بالمفهومِ المُتوارثِ ولا بالنَّوعِ الوحيدِ المكرَّس له تاريخيًّا قبل عصر قصيدة النَّثر
وأكد أننا نعيش زمنِ قصيدة النَّثر "بالفعل نحنُ في عصرِ القصيدِ النَّثريِّ، وهو النَّوعُ الذي يقودُ الفِعلَ الأدبيَّ - لا الشِّعريَّ فقط – حاليًا، وتُهيمِنُ جماليَّاته على شِعريَّاتِ الأنواعِ المُجَاورِة.
وعن قوله "إنَّ قصيدةَ النَّثر أنقذَتْ الشِّعريَّة العربيَّة من طريقٍ مسدودٍ دخلتْه في أواخِرِ الثَّمانينيَّات"، وكيفَ حَدَثَ هذا؟
أوضح رزق "في أواخرِ الثَّمانينيَّات، وَصَل الخِطابُ الشِّعريُّ الحَدَاثيُّ في قصيدةِ النَّثرِ، إلى أقصى تحقُّقاتِه، عَبْرَ التَّشديدِ على الرِّسالةِ الشِّعريَّةِ، ومركزيَّةِ شِعريَّةِ الشِّعرِ، ودارَ الخِطابُ الشِّعريُّ في حلقاتٍ شِبه مفرَّغة، وبدأتْ بوادرُ كلاسيكيَّةِ الحداثةِ، وحدثت تحوُّلاتٌ سياسيَّةٌ وأيدلوجيَّةٌ ومجتمعيَّة، في هذه الفترةِ، غيَّرتْ شكلَ العالمِ وأنماطِ الحياةِ، وتغيَّرتْ آليَّاتُ الشِّعريَّة كذلكَ، لتدخُلَ في عَصْرٍ شِعريٍّ جديدٍ، بآليَّاتٍ أُخْرَى شدَّدتْ عليها، ومثَّلتْ صعودَ شِعريَّاتِ ما بعد الحَدَاثةِ في خِطابِ القصيدِ النَّثريِّ العربيِّ، وتتمثَّلُ هذه الآليَّاتُ في الانفتاحِ على تجربةِ الذَّاتِ، في سعيها اليوميِّ، وعلاقاتِها بأشيائها المَعِيشَةِ القريبة، والانفتاح على شتَّى آليَّات الأنواعِ الأدبيَّة. ولا يزالُ شعراء يُحافظونَ على شعريَّة الحداثةِ ومنهم: سليم بركات، وقاسم حدَّاد، ورفعت سلاَّم.
وأضاف أن قصيدة النَّثر تستمدُّ شرعيَّتَها من شِعريَّتها الخاصَّة، من تعبيرها الخاصِّ عن تجاربها الخاصَّة، غير المُعلَّبة، من تعبيرِها الجديد عن حالاتٍ جديدة لا عهدَ للأداءِ الشِّعريِّ السَّابق بها، واسمحْ لي أن أُعيد إليك السُّؤال: من أين تستمدُّ القصيدة التَّقليديَّة (الآنَ) شرعيَّتها؟، وأسألُ: مَن الذي يمنحُ الشَّرعيَّة ويمنعُها؟
ورأى رزق أن "ما فعله أدونيس، وأُنسي الحاج، هو تقديم تعريف لمفهوم نظرية قصيدة النَّثر، وتقديم تجارب وفق هذا المفهوم، والدِّفاع عنه، وترسيخه، وهو دورٌ رياديٌّ بامتياز، قدَّم مفهومَ النَّوع، وتعدَّدت التَّجارب وتنوَّعت في السِّتينيَّات والسَّبعينيَّات والثَّمانينيَّات، وحدثتْ تحوُّلاتٌ مغايرةٌ في التِّسعينيَّات، ولكن حدث هذا على محور الإبداع، ولم تُوجَدْ حركةٌ نقديَّةٌ مُوازية، كما حدث مع شِعر التَّفعيلة مثلاً، ولم يُوجَدْ نقَّاد راهنوا على جماليَّات هذا النَّوع، فقط وُجدتْ منذُ التِّسعينيَّات عدَّةُ كتبٍ، معظمُها يدور في فلكِ التَّبرير والتَّسويغ، وتقديم دراسات تطبيقيَّة محدودة القيمة، إنَّ نظرية قصيدة النَّثر العربيَّةِ موجودةٌ في الإبداع، ولم تُوجدْ في حقل الدِّراسات النَّقديَّة".
وأكد أن "شاعر قصيدة النَّثر أكثر شخصيَّة، وأكثر حريَّة من غيره من الشُّعراء؛ فقصيدةُ النَّثر مُتمرِّدةٌ بطبعِها، مُتحوِّلةٌ دائمًا، لا تتوقَّفُ كشوفاتُها، قصيدةٌ خارجةٌ على عُنفِ السُّلطةِ المَاضويَّةِ وأغلالِها، وحرِّيُتها غيرُ المحدودةِ جعلتنا لا نرى فيها شاعرًا أصوليًّا رجعيًّا".
ورأى رزق أن المشهد السِّياسيَّ العربيَّ الرَّاهن، في تحوُّلاته الأخيرة في منعطف انحطاط حضاريٍّ، وأضاف "أرى غياب مفهوم الدَّولة في: العراق، وسوريَّا، وليبيا، واليمن، وأرى صعود تيَّارات ظلاميَّة عنيفة؛ لملء الفراغ الذي أحدثه انهيار نظم في هذه البلاد، وأرى الطُّموح الإيرانيَّ في استعادة الامبراطوريَّة الفارسيَّة من جديد، وأرى الطُّموح التُّركيَّ في استعادة النُّفوذ العثمانليِّ، على حساب الكيانات المنهارة، وأرى تواري مفهوم الدَّولة لصالح مفاهيم عنصريَّة وطائفيَّة، وأرى الكيان الصُّهيونيَّ مُرسِّخًا مشروعه، ولا أرى في هذه المرحلة رفاعة الطهطاوي، ولا محمد عبده، ولا طه حسين، أمَّا الشُّعوب فقد زادت معاناتُها" .
وأبدى رزق تفاؤله بالمشهد الشِّعريَّ المصري "أراه بخيرٍ؛ حيثُ تحرَّرتْ الكتابةُ الشِّعريَّة الجديدة، من شتَّى المفاهيمِ السَّابقة، وتجاوزتَها، أرى هذا بوضوحٍ في مُتابعاتِي اليوميَّة لما يُنشَرُ في الفيس، من نصوصٍ شعريَّةٍ، لشعراء من أجيالٍ مختلفةٍ، تتجاوزُ بعقودٍ، ما تنشرُهُ وتُؤسِّسهُ المؤسَّسةُ الثَّقافيَّة في مصرَ من شِعرٍ، وما تُكرِّس له عَبْرَ لجنةِ الشِّعرِ بالمجلسِ الأعلى للثَّقافةِ وعَبْرَ المسئولينَ عن النَّشر، وأرى الحركةَ الشِّعريَّة العربيَّة الجديدةَ، في مُجملِها، بخير".
وعلى العكس من مشهد الشعر يجري مشهد النَّقدِ الأدبي حيث رأى رزق أنه مشهد بلا نقد ولا نُقَّاد؛ "سواء ما أراهُ في المُتابعاتِ الصَّحافيَّة الَّتي تتمُّ لاعتباراتٍ معيشيَّة أو شخصيَّة، أو ما يُنشَرُ في كتبٍ، والأخيرُ بالتَّحديد مجرَّد دراساتٍ جامعيَّةٍ مدرسيَّةٍ لا علاقة لها بالنَّقد، ومعظم أصحابها دُخلاء على الإبداعِ والنَّقدِ معًا، ولهم طموحاتٌ غرضُها الوَجَاهة الاجتماعيَّة، لكنَّ طه حسين، مثلا، كان حالةً فرديَّةً استثنائيَّةً" .
ورأى أن الجماعات الشِّعريَّة في تاريخنا العربيّ تبدو كأنَّها ثوراتٌ؛ شكَّلتْ علامات تحوُّلٍ، ولكنَّها في واقع الأمر لم تكن ثورات على التَّقاليد الشِّعريَّة والقيم الإبداعيَّة المُستقرَّة، بقدر ما كانت تُقلِّدُ طرائقَ غربيَّة ثارت على القيم المُستقرَّة في بيئتها، ولكنَّها كانت تلعب أدوارًا تاريخيَّة، بالتَّمهيد إلى تغييرٍ حقيقيٍّ من بعدها .
وأضاف "التَّاريخ الأدبيُّ يصنعه قلائلُ استثنائيُّون، هم ثوَّارٌ بالمعنى العميق، والتَّاريخُ الأدبيُّ لا يُورَّثُ؛ ولهذا فجابر عصفور لم يصلُحْ أن يكون طه حسين، وجمال الغيطاني لن يَرِثَ نجيب محفوظ" .
وكشف رزق عن رؤيته لبعض الأسماء البارزة في حركتي الثقافة والابداع قال:
أدونيس: أرى ثراءً في التَّجريب، لم يُخفِ فَقْرًا في التَّجربةِ .
العقَّاد: ابن مرحلة صناعة الأصنام الأدبيَّة؛ لأغراضٍ حزبيَّة، لتؤديَ أدوارَها على طريقةِ مُصَارعةِ الدِّيكَة، والعقَّادُ ليسَ شاعرًا، كما أنَّه ليسَ فيلسوفًا، ولا روائيًّا بالطَّبع، وإنجازُه في الشِّعر لا أراه في دواوينِهِ، بلْ في رفضِهِ القيم الشِّعريَّة القائمة في عصْرِه، استنادًا إلى نظريَّةِ الشِّعر الإنجليزيِّ.
جبران خليل جبران: هو الصِّيغةُ العربيَّةُ المعاصِرةُ من نيتشه وطاغور وأناشيد التَّوراة، وبعضُ كتاباتِهِ تُوشِكُ أن تكونَ توراةً جديدةً، وهو صاحبُ ثورةٍ روحيَّةٍ كبيرةٍ، ويُمكنُ اعتباره بدايةً للمشهدِ المُهيمِنِ على الشِّعريَّةِ العربيَّةِ حاليًا عبْرَ قصيدةِ النَّثرِ.
نجيب محفوظ: هو صاحبُ المشروعُ الرِّوائيِّ الأبرز، الذي يقفُ في شموخٍ في مصافِ الرِّوائيين العالميِّينَ، بآثاره الروائية الشَّامخةِ، سواء بجائزة نوبل أو بغيرِها.
صنع الله إبراهيم: اعتبرُ روايتَه القصيرَةَ الأولى: تلك الرَّائحة، أبرز أعماله وأصدقها، وبقيَّة أعماله أصابها السَّردُ الصِّحافيُّ في مقتل، وصنع الله صناعةُ اليسارِ المصريِّ أكثر من كونه صاحبَ مشروعٍ روائيٍّ. أرى الظَّاهرة السِّياسيَّة فيه أكبر من الظَّاهرة الإبداعيَّة، كظاهرة ما عُرِفَ بشعراءِ المُقاوم
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين