عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 17 حزيران 2017

أنصتوا بثبات وانتباه

هآرتس – غادي طؤوب

كان عنوان افتتاحية "هآرتس" في 29 أيار "انصتوا لمحمود عباس". وبودي أن أنضم الى هذه الدعوة. تعالوا ننصت، بثبات وبانتباه أيضا. فقد اقتبست اقوال عباس في الافتتاحية على النحو التالي: لا صوت يعلو على صوت السلام العادل والشامل مثل لا صوت يعلو على حق الشعوب في تقرير المصير والحرية من عبء الاحتلال. حان الوقت للعيش، انتم ونحن، بسلام، بوئام، بامان وباستقرار. السبيل الوحيد لانهاء النزاع والكفاح ضد الارهاب في المنطقة وفي العالم كله على اساس حدود حزيران67 فلسطين الى جانب اسرائيل. قبلنا قرارات الامم المتحدة، اعترفنا بدولة اسرائيل ووافقنا على حل الدولتين. والعالم ايضا اعترف بدولة فلسطين. حان الوقت لان تعترف اسرائيل ايضا بدولتنا وتنهي الاحتلال. نحن لا نزال نمد ايدينا للسلام".
هذه الكلمات، كما قيل في الافتتاحية، "توضح بشكل جلي، حاد ودقيق ليس فقط تطلعات الشعب الفلسطيني، بل تطلعات كل مواطن اسرائيلي محب للسلام يسعى لأن يعيش في دولة طبيعية".
أحقا؟ الأمر الأول غير الواضح، الحاد أو الدقيق هو ما الذي قصده عباس في كلمة "دولتين"، ولكن ليس "لشعبين"؛ وعليه فليس له مشكلة في أن يعترف بـ "حق الشعوب في تقرير المصير والحرية"، ولكن الا يعترف باسرائيل كالدولة التي يقرر فيها الشعب اليهودي مصيره. لان اليهود ليسوا شعبا في نظره، وعليه فان الدولتين اللتين يقصدهما عباس هما دولة للقومية الفلسطينية من جهة ودولة تسمى "اسرائيل" اليها "يعود" "اللاجئون" من جهة اخرى. دولتان غربي نهر الاردن، هذه لهم وتلك ايضا.
يعرف عباس من تجربته بانه يكفي تغليف هذا الموقف المعادي ببضع  كلمات لها رنين ودي – السلام، الوئام، "حدود حزيران 67" وما شابه – كي يسارع اسرائيليون طيبو النوايا على الفور لتفسيرها وفقا لامانيهم، فيتجاهلون كل باقي الأقوال التي يقولها ويسمحوا له بمواصلة تشويش حقيقة أن الفلسطينيين رفضوا كل عرض جدي كان على جدول الاعمال. فقد اداروا كتفا باردة لايهود باراك. لمبادئ بيل كلينتون، لعرض ايهود اولمرت ولجهود كونداليسا رايس في اعقابه.  وكذا للعرض الذي اقترحه جون كيري وباراك اوباما. لقد اعطى هذا العرض الاخير للفلسطينيين فرصة اخرى ليثبوا انهم محبين للسلام ومحبين للوئام – وان اسرائيل تحت قيادة بنيامين نتنياهو هي العائق الحقيقي للاتفاق. وحتى يوسي بيلين دعا عباس لتغيير طريقه وللاعلان بانه يقبل الاطار النزيه لكيري للتسوية. وهو لم يفعل هذا حتى يومنا هذا.  
إذن لعله من المجدي تبني توصية افتتاحية "هآرتس" والبدء بالانصات لعباس حقا. في الشهر الماضي، مثلا، في زيارة الى الهند، القى خطابا في الذكرى الستين لـ "النكبة". لم يكن ذكر لهذا الخطاب في صحف اليسار. واحد في اليسار لم يقل انه من المجدي الانصات له. خسارة لانه في الوقت الذي لا تكون فيه اقوال السلام لعباس واضحة، حادة ودقيقة، بل مضللة عن قصد، فبالذات الاقوال التي يقولها كل الوقت عن قدسية حق العودة وعن الشهداء و"الارهابيين" واضحة على نحو عجيب. ففي خطاب في الهند، كرر عباس بانه سيوافق على الحصول على "دولة مستقلة ذات سيادة كاملة في حدود 4 حزيران 1967 عاصمتها القدس الشرقية". وقال ان "السلام هو خيارنا الاستراتيجي، ولكن ليس بكل ثمن".
ان الاعتراف بالدولتين للشعبين ليس اغلب الظن جزء من الثمن الذي هو مستعد لان يدفعه وذلك لان "النكبة" – الظلم الذي على حد تعبيره "بدأ قبل مئة سنة مع ظهور الصهيونية مع رؤياها الكاذبة" – لم تنتهي، على حد قوله. فـ "النكبة" متواصلة. والسبيل الى اصلاح الظلم هو اعادة دولاب الزمن الى الوراء، على بريطانيا ان تعتذر للفلسطينيين عن تصريح بلفور، قال عباس، وعلينا جميعنا أن  نعترف بـ "حق العودة" (لاجيال) اللاجئين. "شعبنا لن يترك موضوع النكبة خلفه"، صرح، "الا بعد ان يعترف بكل حقوقه الوطنية المشروعة دون أي استثناء، واولها حق العودة...".
لما كنا نترجم قليلا جدا اقوال الفلسطينيين، وبشكل انتقائي جدا، كفيل قارئ العبرية ان يخطئ ويظن بان الاعتراف بـ "حق العودة هو موضوع رمزي كفيل بان يحل بعد أن نوافق على قبول عدد محدود من "اللاجئين" ولكن هذا بالتأكيد ليس ما يقصده عباس، إذ وفق رأيه، لا يحق له التنازل عن هذا "الحق" باسم "اللاجئين". فـ "حق العودة"، كما شرح في الماضي، "هو قرار شخصي. فما معنى الامر؟ ليس السلطة الفلسطينية، ليس الدولة، ليس (م.ت.ف)، ليس ابو مازن" – نعم، ولا هو شخصيا – "ولا أي زعيم عربي له الحق قي أن يسحب من احد ما حق العودة".
كفى، إذن، ان نعترف بالمبدأ، كي يتمكن كل "لاجئ" وحده ان يختار بين التعويض وبين "العودة" على اساس قرار 194 للامم المتحدة، الذي يحرص عباس المرة تلو الاخرى على قسم الولاء له. ومن لن يرغب في ان يستخدم بوابة دخول كهذه من جحيم سوريا او لبنان، او من فقر الاردن، مباشرة الى العالم الاول لـ "الابرتهايد" الصهيوني؟
اذا ما بدأنا بالفعل ننصت لعباس بشكل منهجي وعلى مدى الزمن سنكتشف انه لا يعد شعبه لأي حل وسط. بل العكس. فهو يعطي حوافز اقتصادية لـ "الارهاب" في شكل مخصصات لعائلات "الارهابيين"، وهو يمجد "الشهداء" ويسمي على اسمائهم مدارس وينشر اللاسامية الفظة في جهاز التعليم وفي وسائله الاعلامية.
وعليه، فبدلا من ان نحلي انفسنا باقتباسات وتقارير انتقائية عزلت بعناية كي يبنى برج ورق من الاخبار الكاذبة يجدر بنا أن نستوعب منذ الان ما كان ينبغي أن يكون مفهوما من تلقاء ذاته: من يسعى الى انهاء الاحتلال، من يريد ان يكون بديلا واقعيا لحكومة نتنياهو، لا يمكنه ان يقترح السلام. فالغالبية الساحقة من الناخبين لن تشتري هذه البضاعة العليلة وعن حق. البديل الواقعي لنتنياهو هو إدارة النزاع في مواجهة أفق الانفصال، بدلا من التوسع الزاحف للمشروع الاستيطاني الذي يقترحه اليمين. هذان بديلان ومن بينهما ينبغي أن نختار الاقل شرا.