أزمة البندورة لتركيا وروسيا
هآرتس/ذي ماركر - تسفي برئيل

صحيح أن اسرائيل يمكنها ان تتباهى بأنها اخترعت بندورة الشيري، ولكنها يمكنها ان تحمر خجلا عندما يقارن طعم البندورة التركية بتلك الاسرائيلية. والروس ايضا يتفقون أن للبندورة التركية طعما ورائحة فاخرين، وعليه فعلى مدى السنين استوردوا معظم بندورتهم من الحقول التركية. نحو 380 ألف طن بندورة في السنة، نحو ثلثي عموم تصدير البندورة التركية، شق طريقه الى ما وراء الحدود الى أن فرضت العقوبات على التصدير التركي.
بعد اسقاط الطائرة القتالية الروسية، في تشرين الثاني 2015، فرضت روسيا سلسلة طويلة وأليمة من العقوبات على الاقتصاد التركي. اقصاها كان الحظر شبه التام للسياحة الى تركيا. اضافة الى ذلك، حظر على الشركات التركية العمل في روسيا، واضطر رجال اعمال اتراك للعودة الى وطنهم بسبب اقالتهم من الشركات الروسية. حجم التجارة بين الدولتين هبط بشكل دراماتيكي من 31 مليار دولار في 2014 الى نحو 16.8 مليار دولار في 2016.
عن العلاقات السياسية المتوترة لدرجة القطيعة بين الدولتين سبق أن كتب هنا غير قليل، ولكن مثلما في العديد من الازمات الاخرى، تغلبت المصالح الاقتصادية حتى على أنا الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، الذي أحنى رأسه في آب الماضي واعتذر عن اسقاط الطائرة.
في لحظة واحدة تقريبا تغيرت العلاقات. فقد تحولت تركيا مرة اخرى لتكون الحليف العسكري لروسيا، وخفف اردوغان معارضته لمواصلة حكم الرئيس السوري بشار الاسد، مرعي روسيا. وتعمل الدولتان معا ضد داعش، ورغم الخلاف في مسألة اشراك الاكراد السوريين في الحرب ضد داعش، يدير اردوغان وبوتين منظومة علاقات ودية. فقد رفعت روسيا العقوبات عن السياسة، وفي نيسان، لمناسبة عيد الفصح، ارتفع عدد السياح الروس بأكثر من 430 في المئة.
في بداية ايار وقع اتفاق هام آخر بين الدولتين، أزال معظم العقوبات الاقتصادية. بقيت عقوبتان فقط تمنعان كمال العلاقات. واحدة تتعلق بالقيد على اعطاء اعفاء من تأشيرة الدخول للمواطنين الاتراك باستثناء رجال الأعمال والطاقم الدبلوماسي، والثانية تتعلق بتصدير البندورة. ان التعليل الروسي لمواصلة فرض العقوبة هو انه في السنة والنصف السنة التي فرضت فيها العقوبات، أقامت شركات روسيا منظومة استيراد بديلة كلفتهم مالا طائلا، وعليه فينبغي السماح لهم باسترداد استثماراتهم دون منافسة تركية. كم من الوقت ستستغرق العملية؟ حسب نائب رئيس وزراء روسيا، "بين سنتين وخمس سنوات". ولكن اذا الغت تركيا او خفضت الجمارك عن اللحوم الروسية، فهذه الفترة كفيلة بان تقصر. بمعنى أن كل شيء منوط بطبيعة العلاقات السياسية التي تطورها الدولتان.
النتيجة في هذه الاثناء هي ان تصدير البندورة التركية الى روسيا تقلص الى نحو 85 ألف طن – ربع الصادرات قبل الازمة – ولكن سعر البندورة في تركيا ارتفع فقط، وهو يصل الى 2 – 4 دولار الى الكيلوغرام. ظاهرا، في ضوء الفائض الهائل الذي تراكم في تركيا، كان يفترض ان يحصل عكس ذلك. ولكن مع الفائض جاء التعفن، الذي جرى ابادة مئات آلاف الأطنان من البندورة، ومن هنا الغلاء في السوق المحلية.
أحد الحلول المتناقضة التي خلقتها الأزمة هو أن دولا مثل أذربيجان وكازخستان، اشترت كميات كبيرة من البندورة، باعتها لروسيا. ورغم ذلك بقيت البندورة التركية رمزا للعلاقات الدبلوماسية الاليمة، التي تنتظر المرحلة التالية من المباحثات بين روسيا وتركيا، وعلمت حكومة تركيا فصلا لاذعا في الدبلوماسية التي تعتمد على المكانة.
بطبيعة الاحوال، ثمة لوقف تصدير البندورة من تركيا تأثير ايضا على معدل البطالة في الدولة، والذي سجل هذا الشهر ارتفاعا آخر بمعدل 1.7 في المئة، وبلغ اكثر من 12.5 في المئة. في الفروع غير الزراعية في تركيا، البطالة اعلى حتى من ذلك، وتصل الى 14.8 في المئة، وفي اوساط الشباب تصل الى 23.3 في المئة. هذه هي معدلات البطالة الاعلى منذ سبع سنوات.
ان تقليص قوة العمل في الزراعة، حيث يعمل نحو 19 في المئة من قوة العمل، هو عملية متعددة السنين يتميز بها الاقتصاد التركي – الذي حتى قبل 25 سنة كان يشغل نحو 48 في المئة من قوة العمل في فروع الزراعة. ومع ان الانتقال من الزراعة الى الصناعة والخدمات يعتبر تطورا هاما وايجابيا، الا انه من الناحية السياسية يمس اساسا بسكان المحيط القروي التركي وبالمناطق قليلة الاستثمارات التي تتعلق حياتها بالارباح من الزراعة. في هذه المناطق فان بدائل الزراعة – مثل السياحة أو المقدرات الطبيعية، التي يتطلب انتاجها قوة بشرية غير خبيرة - ليست كثيرة، بحيث ان كل حراك في حجم التصدير الزراعي للدولة من شأنه ان يضرب ثقة سكان هذه المناطق بالحكومة.
لقد أنقذ اردوغان تركيا من احدى الأزمات الاقتصادية الخطيرة التي شهدتها الدولة في التسعينيات، وحقق نموا اقتصاديا كبيرا في العقد الاول من ولايته. وهو ليس غافلا عن التهديد الاقتصادي الذي من شأن سياسة خارجية غير متزنة ان توقعها على الاقتصاد التركي. وقد اثبتت ادارة الازمة في العلاقات بين تركيا وروسيا، بانه رغم تصنيف اردوغان كزعيم توجهه الأنا والمكانة – فعندما تتعلق الامور باقتصاد بلاده، يعرف ايضا كيف يتراجع عند الحاجة ويتخذ سياسة عقلانية تدافع عن صورته كفنان اقتصادي.
مواضيع ذات صلة
مقتل رجل بجريمة إطلاق نار في عرابة البطوف داخل أراضي الـ48
مقتل رجلين في الناصرة وعكا
إسرائيل تعلن بدء هجوم على إيران وفرض حالة طوارئ شاملة
أولمرت: إسرائيل تدعم محاولة عنيفة وإجرامية للتطهير العرقي في الضفة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال