عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 09 حزيران 2017

سياسة الشتائم

هآرتس- عمري بن يهودا

الحادثة التي هاجم فيها المحامي براك كوهين وزيرة الثقافة ميري ريغف في شارع ديزنغوف في تل ابيب، كانت لحظة صافية من السياسة التي اضمحلت في حقبتنا: سياسة الشتائم. إبنة الوزيرة التي وجدت في المكان قالت إن كوهين مجنون يجب ارساله للعلاج. ويمكن أنه فعل امور لا يمكن تحملها: لقد ربط بين الشرقية واليسارية وربط بين اليسار والعنف.

لقد كان هذا هجوما شكلت فيه الكاميرا السلاح. فالتصوير هو سلاح له تاريخ طويل في مقاومة عنف الدولة. هذه هي الحال في فيلم مايكل مور الامريكي، وفي افلام آفي مغربي عن الكولونيالية الاسرائيلية. إن اعتبار التصوير مشهد ناجع، وليس أداة سلبية تعبر عن العالم بشكل حيادي، يرافق السينما منذ ايامها الاولى. لذلك فان عملية المقاومة من قبل ريغف كانت مثابة محاولة للسيطرة على كامير كوهين، رغم أن الحديث لم يكن عن سلاح حي.

إن الهجوم على كوهين يذكر بطريقة عمل ريغف نفسها. لقد تفوق عليها في الساحة التي تتميز بها منذ اصبحت وزيرة. مشروعها البطولي هو حربها ضد النخب المتعالية والمنفصلة والتي ضاعفت مبنى قوة المؤسسة وساهمت بذلك في صدمة الشرقيين في اسرائيل. ريغف تفعل ذلك بطريقة نادرة في السياسة في ايامنا. إنها تصل الى مؤتمرات الثقافة والاحتفالات الرسمية وتتجادل وتقول امور صعبة لخصومها. ردا على قول غولدا مئير الشهير "إنهم غير لطيفين"، تُظهر ريغف أن الشرقي لا يجب أن يكون خاضعا، بل يجب عليه أن يصرخ.

كان "الفهود السود" غير لطيفين، لأنهم لم يوافقوا على خدمة السيد الاشكنازي كجزء من الوحدة اليهودية المزيفة لترك العرب وحدهم. وهكذا هو براك كوهين ايضا. هو يُذكر بأن الشرقيين يمكنهم، وملزمون بأن يكونوا في الموقف المضاد. إنه يعيد للضحية الاكثر اسكاتا في التاريخ الاسرائيلي الفلسطيني، صوتها. ومثل ريغف هو يتحرك، لكنه خلافا لها يقوم بتوجيه احتجاجه على تشويه الصهيونية.

صحيح أن اليسار في اسرائيل يتحدث مؤخرا بشكل قذر، ويقوم بالصراخ لأنه يدافع عن البيت، كما يقول البعض من اليساريين، متناسبا أن هذه الاقوال هي قومية متطرفة. ولكن مثلما قال الفيلسوف جورجيو أنمباك فان الاعتذار يجب أن يكون قبل كل شيء للمجحف بحقهم – الكلام الذي لا يعتذر، لا يعود لليسار، لأن اليسار لا يتسبب بالاجحاف، بل يجب عليه الاحتجاج ضده. من هذه الناحية، القاء حجر من قبل طفل في الانتفاضة هو الذي يميز الحديث اليساري الملائم.

في مقال بعنوان "اليسار هو هوية"، حاولت اثبات أن اليسار تحول في اسرائيل الى علامة ثقافية والى تفضيل الموضة والطعام في اوساط الطبقات العليا، لذلك لا حق له في الوجود هنا. صراع براك كوهين يُمكن من احياء جثة اليسار: اليسار يستطيع العيش فقط اذا قام بالشتم.

لم تكن رفيت هيخت دقيقة عندما زعمت أنه يجب على اليسار الاعتراف بمنظمات مثل "نحطم الصمت" و"بتسيلم" التي تحولت في السنوات الاخيرة الى منظمات منبوذة. واعتراف كهذا لن يساعد. فلا يوجد لبتسيلم ونحطم الصمت وزن في المجتمع الاسرائيلي طالما أنهما لا يتحدثان بطريقة شرقية. أي يعبران عن الاحتجاج الذي يتعلق بالعنصرية والطبقية ايضا.

هذه الامور ليست جديدة. في مقال نشر في الصحيفة قبل 21 سنة، تحدث الباحث الاجتماعي يهودا شنهاف عن عدم اعتراف الاشكناز بقمع الشرقيين. هذا الامر يمر من جيل الى جيل، وهو يرتبط ايضا بالاهتمام بالموضوع الفلسطيني. الاعتراف بالاجحاف تجاه الشرقيين سيهدد مكانة السيطرة العليا الاشكنازية، والاعتراف بالاجحاف تجاه الفلسطينيين لا يهددها.

اذا أصبح باراك كوهين رئيسا فسيكون من طلائع اليسار في اسرائيل. يمكنه أن يفعل ذلك فقط من خلال تضامن الاشكناز الذين سيربحون في حينه لقب "يساريين" بجدارة.