أثينا زاوية غزة
هآرتس - بقلم: تسفي برئيل

"أنا أطلب منك مغادرة المكان الآن"، تصرخ امرأة وهي تقوم بانزال صناديق الكرتون من سيارة تندر بيضاء. يتوقف الرجال الثلاثة الذين يساعدونها، وينظرون نظرة ليست لطيفة. "هل يسكن هنا لاجئون سوريون؟"، سألت، "من يسكن هنا ومن لا يسكن هنا، ليس شأنك، غادر المكان. اذا كنت تبحث عن لاجئين سوريين فابحث في غوغل، فكلهم هناك".
المرأة ومساعدوها هم مثابة لجنة بناية محلية أو لجنة حي، تساعد اللاجئين السوريين الذين وجدوا مكانا في مبنى مهجور، يحتوي ايضا على بعض الجيران من اليابان في قلب حي اكسكريخيا الخطير في العاصمة أثينا. هذا حي للفوضويين واليساريين المتطرفين المعارضين للنظام، وفي اوقات الفراغ يعتدون على المباني الحكومية ويخدشون جدران المباني ويرسمون عليها ويساعدون اللاجئين. على بعد شارع من المبنى، في منتصف شارع نوتارا، يوجد مركز ارشاد اللاجئين، وهو مبادرة اخرى لعدد من المتطوعين اليونانيين الذين يأتون الى هنا مرة أو مرتين في الاسبوع لتعليم اللغة اليونانية.
في غرفتين مكتظتين، واحدة منهما تصبح ناديا ليليا بعد ساعات العمل، يلتقي اللاجئون السوريون والافغانيون والفلسطينيون وغيرهم ويتحركون حول المعلمة التي تشرح قواعد اللغة اليونانية.
البعض منهم أحضروا أولادهم الصغار، وآخرون وجدوا في الصف مكانا لالقاء الرأس والنوم. هنا ايضا يسيطر قرار عدم التحدث مع الصحافيين عن الدورات وعن اللاجئين ايضا. "الخوف هو من كشف هويتهم، الامر الذي قد يتسبب باعمال انتقام ضدهم على أيدي عملاء النظام السوري أو على أيدي خصومهم في الاماكن التي جاءوا منها"، قالت، "لقد حدثت هنا اعمال عنيفة". وقد اقترحت علي تقديم طلب لـ "المجلس" وهو الجسم الذي يتكون من المتطوعين المسؤولين عن المبادرات التعليمية. وأن أقول ما أريد قوله، وخلال اسبوعين – ثلاثة سأحصل على الرد.
الخلاص جاء من نشر لوحة الاعلانات خارج المبنى، حيث تم ذكر اسم فندق "سيتي بلازا" الذي يقع على بعد كيلومترين عن الصف التعليمي. وهو الفندق الذي ما زال يتفاخر بتصنيف ثلاثة نجوم والذي ينزل فيه 150 لاجيء، قام باستيعابهم نشطاء من اليسار اقتحموا المبنى قبل ذلك. على مدخل الفندق أجرى اسامة (اسم مستعار مثل جميع الاسماء في المقال) مكالمة هاتفية سريعة وعصبية. "هل يسكن هنا لاجئون من سوريا؟" سألته. "لماذا تهتمون فقط باللاجئين السوريين وليس بنا نحن اللاجئون الفلسطينيون؟" رد اسامة بلهجة فلسطينية واضحة. وتساءلت "لاجئون فلسطينيون؟". "يوجد هنا الآلاف منهم"، قال، "أنا نفسي جئت قبل شهرين من غزة، ويعيش معي هنا بعض الاصدقاء من القطاع. تعال وقم بالالتقاء معهم".
بعد مسافة قصيرة من السير على الاقدام وصلنا الى ميدان فكتوريا، الذي يعتبر مكان التقاء اللاجئين من جميع أنحاء العالم. قبل ذلك ببضع ساعات قال لي لاجيء من ايران إنه من الاجدر بي أن آتي بعد الظهر "حينها يصل السوريون، تستطيع الجلوس هنا على المقعد والانتظار. دائما يأتون جميعا. وأصلا ليس لديهم ما يفعلونه". اسامة يقوم باستدعاء ثلاثة من اصدقائه الى الميدان، اثنان منهم فلسطينيان من غزة والثالث من سوريا جاء قبل اسبوعين من مدينة ادلب التي تعرضت للقصف القوي من قبل الجيش السوري وسلاح الجو الروسي. وقد تعرفوا على السوري حسن قبل ذلك بيومين، ومنذ ذلك الحين وهو يقوم بمرافقة الفلسطينيين.
اسامة هرب من غزة عن طريق الانفاق التي تربط القطاع بمصر. "نعم، هناك المزيد من الانفاق التي يتم تدميرها، والتي يستخدمها المواطنون الذين يريدون الخروج"، قال. "هناك من يعبر من خلال معبر رفخ، لكن هذا الامر مكلف جدا. أنا أعرف اصدقاء اضطروا الى دفع 2500 – 3000 دولار للضباط المصريين في معبر رفح كي يسمحوا لهم بالعبور. هذا مربح جدا للمصريين ولحماس. ومن اجل الخروج عن طريق معبر رفح يجب تسجيل اسمك لدى حماس ودفع المال من اجل التقدم في الطابور. قبل خروجي كان هناك 25 ألف مواطن من غزة مسجلون من اجل الخروج، لأنه لا توجد أيام وساعات محددة لفتح المعبر وفي كل يفتح فيها يستطيع بعض مئات السكان العبور". لهذا فان الطابور طويل دائما، وقد ينتظر الشخص عدة اشهر من اجل العبور. "لذلك يجب دفع المال ايضا لحماس وللمصريين من اجل تقديم الدور". وأضاف "حماس تقوم بفحص قدرتك على الدفع للمصريين، واذا لم يكن لديك يتم وضعك في نهاية الطابور. وعند الوصول الى الطرف المصري، بعد الدفع ايضا، تتعرض للاهانة. واذا لم تدفع للمصريين فمن الافضل أن تمر عبر الانفاق على أمل أن لا ينتظرك ضابط في الطرف المصري كي يأخذ منك المال أو يعيدك الى القطاع".
يعتقد اسامة أنه يسكن في اثينا وحدها حوالي 6 آلاف لاجئ فلسطيني، معظمهم من قطاع غزة. ويصعب التأكد من هذا العدد لأن جزء كبيرا من اللاجئين قاموا بشراء جوازات سفر سورية مزيفة من اجل تسريع عملية اتخاذ القرار. ولكن في مركز "بديل" الفلسطيني، الذي يتابع حركة اللاجئين الفلسطينيين في انحاء العالم، يقولون إن عدد اللاجئين الذين وصلوا من غزة الى أثينا أكبر بكثير.
المركز الاوروبي لمساعدة طالبي اللجوء يقوم بتقديم معطيات اخرى. حسب تقرير نشره في شهر آذار الماضي، يوجد في اليونان أكثر من 45 ألف لاجئ فلسطيني، لكن معظمهم كانوا من سكان سوريا. ويقول المركز إن عدد اللاجئين الذين وصلوا مباشرة من غزة قد يكون أقل من العدد الذي تحدث عنه اسامة، ورغم ذلك، الحديث يدور عن 45 ألف لاجيء بشكل اجمالي. وسبب التقديرات هو أن الكثيرين غير مسجلين في الوكالات الرسمية، رغم أن التسجيل قد يعود عليهم بمنحة صغيرة تبلغ 190 يورو شهريا، اضافة الى المساعدة في اجراءات الحصول على تصريح الاقامة.
الأمل الالماني
إن هجرة اللاجئين من غزة، عموما، ليست ظاهرة جديدة. احدى موجات الهجرة الكبيرة حدثت قبل ثلاث سنوات، بعد عملية الجرف الصامد. وبعد ذلك انخفض العدد، وتجددت موجات الهجرة قبل سنة ونصف بعد أن بدأ اللاجئون السوريون يصلون الى اوروبا. هم ايضا انضموا للمسار باتجاه تركيا ومنها الى اليونان ودول اوروبا الغربية. وقد وصل اسامة الى تركيا قبل أن يذهب الى الجزيرة اليونانية حيوس. وهناك قام بتسجيل نفسه وحصل على تصريح اقامة. وفي هذا الشهر قدم طلبا للحصول على وثيقة لاجيء وتمديد فترة اقامته، لكن النقاش في ملفه تأجل الى شهر تشرين الاول. توجد زوجة لاسامة واولاد يعيشون في مدينة عربية اسرائيلية (لا يمكن نشر الاسم)، وهو يأمل النجاح في احضارهم الى اليونان بعد الحصول على تصريح الاقامة الدائم، هذا اذا حصل عليه. ولماذا لم يبق في تركيا؟ "تركيا هي دولة صعبة، والناس فيها ليسوا محبين"، قال. التواجد القانوني في اوروبا افضل من التواجد في تركيا. ومن اليونان آمل الذهاب الى المانيا. لكن قالوا لنا إن من الصعب الحصول على اقامة قانونية في المانيا. فالالمان يعطون الاقامة للسوريين لأنه لهم وطن سيعودون اليه عند انتهاء الحرب السورية. أما نحن الفلسطينيون فلا وطن لنا، والالمنان يخشون من أن نبقى في المانيا الى الأبد".
هذا التفسير لم يحصل عليه الفلسطينيون من جهات المانية رسمية، لكن هذا الامر "ينتقل من شخص الى آخر"، كما قال "الوصول الى السويد اليوم اسهل من الوصول الى المانيا". لكن الانتقال الى السويد ايضا صعب ومكلف. "يوجد هنا طبيب فلسطيني جاء مع زوجته واولاده الثلاثة"، قال اسامة، "وقد طلب منه المهربون 5 آلاف دولار عن كل ولد من أولاده من اجل نقلهم الى السويد. وهذا يعني أنه يجب عليه دفع مبلغ 25 ألف دولار، وهو يحاول توفير المبلغ بمساعدة عائلته في غزة. تخيل ذلك، طبيب محترم وصاحب مهنة اضطر الى الهرب من غزة لأنه مشبوه بعدم الولاء لحماس".
أيمن، الذي صمت واستمع الى الحوار، قرر المشاركة. "أنا رسام كاريكاتور. فنان، كانت لي معارض في غزة"، قال، "حماس لم تحب الكاريكاتورات التي كنت أرسمها، ومنعتني من الرسم وقامت باعتقالي. وبعد دخولي الى سجن حماس قررت الهرب. قاموا بربطي من اليدين والقدمين واعتدوا علي بالضرب، وبعد أن أصبت قاموا بنقلي الى المستشفى وبقيت هناك اكثر من شهر. وقد قاموا باعتقال شقيقي من اجل الحصول على معلومات عني منه". أيمن يقوم باخراج هاتفه المحمول حيث يحتفظ فيه برسوماته، وينتقل من صورة الى اخرى من اجل اظهار موهبته. بروفيلات، نساء، وجوه اطفال، وبعض الكاريكاتيرات غير السياسية. "هنا لن ينتبه لي أحد"، قال، "أنا ايضا لا أعرف اللغة، لا توجد لي علاقات وليس معي مال لانشاء مشروع خاص بي. وأنا أخشى من رسم الاشخاص في الشارع. نحن فلسطينيون، واليونانيون رغم أنهم شعب رائع، لا يحبون الغرباء بشكل عام والعرب بشكل خاص. واذا ضُرب اليوناني في الشارع يهب الجميع لمساعدته، واذا ضُرب لاجيء سوري أو فلسطيني يقفون مكتوفي الأيدي".
أثناء حديث أيمن قام ناجي، لاجئ آخر من غزة، برفع بنطاله لاظهار الندب في قدمه، التي جاءت حسب اقواله بعد التعذيب الذي تعرض له على أيدي حماس في سجن غزة. "لقد حاولت الانتحار ذات يوم، قمت بتحطيم لوح الزجاج برأسي ووضعت قطعة زجاج على عنقي، لكنني لم أنجح لأنهم سحبوني الى الخلف"، قال وأشار الى ندبة قبيحة على رقبته. "أقول لك إن غزة على شفا حرب أهلية، ولا أحد يعرف ماذا يحدث هناك ولا أحد يهتم".
ناجي غير متزوج، وهو لا ينوي الزواج قريبا. "من أين سأحصل على المال للزواج؟ ليس لدي بدل ايجار أو ثمن الغذاء. عائلتي في غزة فقيرة، ليست مثل عائلة اسامة". يقول الثلاثة إنهم قضوا أيامهم الاولى في أثينا لدى اشخاص وصلوا قبلهم الى المدينة، لكن خلال فترة قصيرة اضطروا لايجاد مكان للسكن لأن اصدقاءهم ايضا لا يسكنون في شقق فاخرة. وكما قال ناجي "الجميع هنا يشعرون بالضغط، لا يوجد عمل، والاموال تأتي من العائلات التي بقيت خلفنا. فقط اللاجئون العراقيون هم الذين وضعهم أفضل. فقد وصلوا الى هنا ومعهم المال".
فصل العرب
اضواء الميدان بدأت تلمع، وفناجين القهوة الرابعة بدأت تأخذ طريقها الى طاولتنا."تعال وانظر كيف نعيش"، قال اسامة، "انظر كيف ينام الناس مثل الخراف. الواحد فوق الآخر، دون مراحيض ودون مرافق صحية وكل شيء نتن". وفيما بعد، عندما ذهبنا سيرا على الاقدام الى المبنى المهجور قال اسامة: "اليوم قد أنام في الحديقة، الطقس جيد وليس باردا، ومن الافضل النوم على أحد المقاعد بدل الرائحة النتنة والصراخ في المبنى".
من داخل البيت ينظرون الى الشلة التي وصلت، بعضهم يعرفون اسامة ويلقون عليه التحية، والبعض الآخر يتجاهل وجوده. "هذا هو الجزء الاصعب"، قال، "أنت لا تشعر أن لك اصدقاء في المبنى، يجب عليك أن تكون حذرا حتى لو كانوا فلسطينيون، لا يمكنك معرفة ما الذي تسببه الحاجة والنقص لدى الانسان. قبل بضعة اسابيع قتل رجل افغاني زوجته في جزيرة حيوس. وبين الافغان والسوريين توترت الاجواء وبدأ الطرفان بالشجار الى أن تدخلت الشرطة. ومنذ ذلك الحين قاموا بالفصل بين الافغانيين والباكستانيين وبين العرب".
خلال ذهابنا الى مكان سكن اسامة قال حسن، وهو سوري يبلغ 26 سنة، إن وضعه ليس سيئا. فهو يسكن في الطابق الخامس في المبنى الذي خصصته الحكومة للاجئين. وبسبب أنه لاجيء مسجل فهو يحصل هو وزوجته وابنته على مخصص شهري. والامور التي اشتكى منها هي عدم عمل المصعد، ومن أنه مسموح استقبال الضيوف من الساعة الخامسة حتى العاشرة ليلا. "ممنوع أن تترك المبنى اكثر من ثلاثة ايام وإلا سيتم طردك"، قال.
حلم حسن مثل أحلام الآخرين، وهو الانتقال الى المانيا أو هولندا، لأنه لا توجد فرصة لعمل دائم في اليونان. وقال بعد ذلك إنه بدأ سيرته المهنية في جيش الاسد، وقرر الهرب عندما أصيب وتم ارساله الى الاردن للعلاج. وفي الاردن اتخذ القرار النهائي، لكن ليس قبل المرور عن طريق ادلب وأخذ حبيبته قبل الاستمرار برحلته سيرا على الاقدام الى تركيا. وهو ايضا لم يجد مكانه في هذه الدولة، وبمساعدة مهربين أتراك وصل الى اليونان. "المهربون يصطادونك وكأنك حيوان. يقدمون لك الوعود ويأخذون المال والمزيد من المال ويهددون بقتلك اذا لم تدفع، وفي نهاية المطاف تدرك أنه لا خيار أمامك". هل تريد العودة الى سوريا؟ "لا يوجد لي ما أبحث عنه في سوريا الآن. فالجيش السوري يبحث عني لأنني هربت. والمتمردون لا يعرفون ماذا يفعلون بأنفسهم وهم يقاتلون بعضهم البعض، أريد أن أعيش وأن اعمل من اجل زوجتي وابنتي. وقد علمونا أن الموت من اجل الدولة هو كرامة، لكن أي دولة يجب علي الموت من اجلها الآن؟".
صدامات يومية
يعيش في اليونان حوالي 62 ألف لاجئ يعلقون بين الحروب التي هربوا منها وبين الدول التي يحلمون بها. البعض منهم يعيش في مخيمات لاجئين، وآخرون، مثل اللاجئون الفلسطينيون، وجدوا احياء صدفية. وفي الحالتين الحديث يدور عن حياة في حد أدنى بدون ضمانة وبدون أفق. "جيل كامل من الاولاد يضيع هنا"، قال اسامة من غزة. "في غزة توجد مدارس على الاقل، وعيادات، ومن المحتمل الحصول على عمل هناك (ارتزق فترة طويلة من سرقة سيارات الاسرائيليين)، أما هنا فلا توجد مدارس ولا رياض اطفال، الوالدان يحاولان تعليم اولادهما، لكن بدون وسائل مساعدة أو مكان هاديء. وأنت تسمع الصراخ طوال الوقت، وعلى الاغلب هؤلاء الاولاد سيصبحون مجرمين. وأقول لك بصدق، هذا هو الجيل الذي يجب على اوروبا أن تواجهه وأن تخاف منه. نحن الكبار نعرف كيفية التصرف وضبط النفس، لكن هؤلاء الاولاد الذين يعيشون بدون اطار ويرون آباءهم وهم خائفون ودون مصدر رزق، يتربون بطريقة غير مستقيمة".
مواضيع ذات صلة
مقتل رجل بجريمة إطلاق نار في عرابة البطوف داخل أراضي الـ48
مقتل رجلين في الناصرة وعكا
إسرائيل تعلن بدء هجوم على إيران وفرض حالة طوارئ شاملة
أولمرت: إسرائيل تدعم محاولة عنيفة وإجرامية للتطهير العرقي في الضفة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال