حوار في الزنزانة

خلدون البرغوثي
يستجمع الأسير قواه، أو ما بقي منها، يرفع جسده عن "البورش" متكئا على يدين راجفتين، حتى يتمكن من الجلوس، يرفع رأسه في الزنزانة المظلمة، فيرى ضوءا أبيض ونقاطا تلمع هنا وهناك، ويشعر بدوار شديد، ورغبة شديدة بالتقيؤ. يشعر أن خاصرتيه تعصران معدته دون نتيجة، فآخر وجبة دخلت جوفه كانت قبل 36 يوما. بعد دقائق تخف هذه الأعراض، يتلاشى الضوء الأبيض وراء ظلمة الزنزانة، يستقر مكانه ويرفع كم قميصه البني عن ذراعه فيرى جلدا أبيض يلتصق بعظمه. أصابعه ترتجف، أطرافه ترتجف، ويراوده شعور شديد بالخمول، لكن حالة الملل تدفعه لتغيير شيء من الروتين اليومي.
يسأل نفسه، أأقف؟ فتقول له: نعم.
يسألها: وهل أستطيع؟
فتقول: حاول!
يهمّ بالقيام، لكنه يتردد، فلا سند له في زنزانة العزل، يتكئ عليه إذا دارت به رأسه.
تستمر حالة التردد بين الجلوس والقيام، ويتواصل حديث النفس، بين نعم ولا.
يضع كفيه على جانبيه، يتكئ عليهما، ويهم بالقيام تخونه ركبتاه، فيرخي ذراعيه ويبقى جالسا.
يتجدد الحوار، وتقنعه نفسه بالقيام، يعيد الكرة، فيجد نفسه بين الجالس والمنتصب، يرخي ركبتيه ويجلس. يقول لنفسه، الوضع جيد، يبدو أنني سأتمكن من الوقوف. يريح ركبتيه قليلا. ثم يحزم أمره، يتكئ على يديه ويشد على ركبتيه، يرتفع رأسه شيئا فشيئا، تبدأ النقاط اللامعة بالظهور في ظلمة الزنزانة ويبدأ يشعر بثقل رأسه، لكنه يواصل القيام.
فجأة تختفي النقاط البيضاء، تتضح الرؤية، تعود القوة لذراعيه وركبتيه. تنتفض يداه إلى الأسفل، وتقبضان على طرف بنطاله البني قبل أن "يسحل".
نسي أن عشرين كيلوغراما من لحمه وشحمه كانت تملأ ملابس "الشاباص"، ذابت كالشمعة لتضي طريق معركة الحرية والكرامة.
جلس على "بورشه" ابتسم قليلا، ثم استلقى على ظهره، ونفسه تقول له "مستمرون.. مستمرون".
مواضيع ذات صلة
خوري يبحث مع الوكيل البطريركي للروم الأرثوذكس في بيت لحم التحضيرات لاستقبال عيد القيامة
اللواء السقا يفتتح مبنى مديرية الشرطة الجديد في محافظة طوباس
المجلس الوطني ينعى المناضل فريز مهداوي
الشيخ والصفدي يبحثان الأوضاع الإنسانية في غزة
"الخارجية" تنعى سفيرها فريز مهداوي
مستعمرون يعتدون على شاب والاحتلال يعتقل آخر شرق طوباس