يقتلون مرتين
بقلم: عميره هاس- هآرتس

بعد الفلسطينيين يوجد لاسرائيل ضحايا آخرون وهم القتلى اليهود الذين قتلهم النازيون. هم ضحايا القوادة وسوء الاستغلال والتجنيد القسري والابتزاز، وكل ذلك من اجل تبرير طرد الشعب الفلسطيني من وطنه. وبسبب أن الطرد لم ينجح كليا، يجب تبرير تركيزهم القسري في كانتونات منفصلة عن بعضها، والقصف المتواصل للمعسكر المغلق غزة، وقصف لبنان وقتل الآلاف، قتلانا لا يمكنهم الاعتراض. الناجون (الذين ما زالوا على قيد الحياة) والكثير من أقرباء القتلى يؤمنون بأن اسرائيل تحترم ذكرى موتاهم. والاغلبية الحاسمة تصمت على ما تفعله اسرائيل. أما والداي اللذان لم يسكتا فقد توفيا قبل 16 و20 سنة.
إن الاستغلال عنيف ومستمر للضحايا، الفلسطينيون ومؤيدوهم ينفون حدوث الكارثة أو يُقللون من عدد ضحايا النازية. وقد قال لي صديق فلسطيني ذات مرة: لأن اسرائيل كذبت كثيرا بخصوص النكبة وحياة الفلسطينيين في البلاد قبل كارثتهم، فإن الاستنتاج الطبيعي هو أنها اختلقت قتل الشعب اليهودي. كذبت واستغلت الكذب من اجل تبرير طرد الشعب الفلسطيني. أو على الأقل بالغت في الأمر. الفلسطينيون على يقين بأن مئة ألف قد قتلوا، وعلى الأكثر مليون شخص، وبالتأكيد ليس ستة ملايين، وهكذا يتم محو الضحايا اليهود.
بسبب اتجار اسرائيل بسيرة الشعب اليهودي، فان من يعارضون اسرائيل وسياستها، ايضا رجال يسار اسرائيليين وفي خارج البلاد، يميلون الى انكار العدد الكبير للقتل والقمع اثناء فترة الرايخ الثالث القصيرة، 12 سنة فقط، والتي سادت فيها أنماط قتل واحتلال وتفوق، ودول قومية، ومكاسب رأسمالية والدوافع غير العقلانية والايديولوجيات الطاهرة التي طورتها اوروبا على مدى مئات السنين من التوسع الرأسمالي.
عندها يتم توبيخ الضحايا بسبب نسيان ملايين ضحايا العبودية والكولونيالية، ويقولون إن الفلسطينيين ليسوا هم المسؤولين عن موتهم. هذا رد طبيعي على النجاح المشكوك فيه لاسرائيل في السيطرة على قتل الشعب اليهودي باعتباره الأمر الاكثر فظاعة في تاريخ البشرية. هذا طبيعي، لكنه ليس عادلا، لأن الرد المناسب على الاحابيل والخداع هو الاستمرار في رؤية جميع المستويات. إن من يعارضون اسرائيل يتنافسون على هرم الضحايا الذي انشأته. الكارثة الاولى التي قامت بها المانيا كانت ضد شعوب الههرو والناما في افريقيا، وستالين قام بقتل عدد لا يقل عن ذلك من شعوب الامبراطورية السوفييتية. ويجب علينا أن لا ننسى ليوفولد الثاني من بلجيكا والملايين العشرة الذين قتلهم في الكونغو، والعبيد الافارقة في أمريكا، والمثليين.
كل شيء صحيح وقبيح الى درجة اليأس، لكن كل ذلك لا يلغي حقيقة أن جميع يهود العالم كانوا هدفا لخطة قتل مدروسة ومفصلة. وجزء من هذا الهدف "تحقق" بطرق لا يمكن تخيلها.
إن هذه حقيقة تاريخية، وليست اقوال تطالب بالتضامن بأثر رجعي، أو الشفقة وتبرير النكبة. الرايخ الالماني الثالث وعمليات القتل التي قام بها هي جزء من الخلفية والسياق التاريخي من اجل اقامة دولة اسرائيل. ليس فقط سايكس بيكو ووعد بلفور والامبريالية الصهيونية. ففي السياق التاريخي يوجد ايضا رفض أمم العالم استيعاب اللاجئين اليهود في حدودها، حيث كان لا يزال بامكانهم الهرب.
صحيح أن الحركة الصهيونية، كحركة استيطان، استمدت الالهام من الكولونيالية الاوروبية، بما في ذلك الاستخفاف بالشعوب الأصلية غير البيض، نشأت قبل الرايخ الثالث. ولكن الى حين قتل الشعب اليهودي فان أقلية من اليهود اختاروها كحل لمشكلة اللاسامية والمطاردة في اوروبا. أو بالطريقة التي قدمت بها نفسها، حركة تحرر وطني. وكانت لهم حلول اخرى في الشتات الذي اختاروا البقاء فيه. رغم الصلة الدينية والتقليدية مع البلاد المقدسة: الهجرة، الانفصال، الحكم الذاتي الثقافي، النضال الاشتراكي والشيوعي.
هل كان باستطاعة اسرائيل أن تنشأ بدون اللاجئين اليهود بعد العام 1945، والذين لم يكن لهم مكان يلجأون اليه، هل كان يمكن لاسرائيل أن تقوم بدون تصويت الامم المتحدة وبدون الاموال الطائلة التي حصلت عليها من المانيا؟.
الصهاينة العقائديين والفلسطينيين العقائديين المناهضين للصهيونية يلتقون في نقطة واحدة وهي أنهم يعتقدون أن اسرائيل هي نتاج تلقائي للصهيونية، تجسيدا للايديولوجيا. فهؤلاء يقولون إن هذه مؤامرة وحشية، وأن السياسة الحالية هي استمرار مباشر للتطهير العرقي في العام 1948، الذي تم التخطيط له قبل ذلك بكثير. واولئك يعتقدون أن الصهيونية هي حركة محقة وعادلة وأن قتل الشعب اليهودي هو برهان آخر على عدالتها، لكن ليس سبب اقامة الدولة.
حسب رأيي لم يكن باستطاعة اسرائيل القيام بدون اعمال القتل النازية. عمتي سرافينا وزوجها وإبنها تم أخذهم من منزلهم في سراييفو، وقتلهم هناك. جدي يعقوب ميخائيل مات وحيدا في مخبأ في سراييفو. وجدتي رفقه ايتاس وخالتي روزا تم أخذهما من بيتهن في بلغراد. وقد اعتقدت دائما أنه تم قتلهما في اوشفيتس. وسمعت قبل بضع سنوات بأن النازيين قاموا بوضعهم في شاحنات مع وجود العادم في الداخل، حيث سافرت الشاحنات ذهابا وايابا قرب مطار بلغراد.
لقد تم قتلهما وقتل جميع اليهود لكونهم يهودا فقط، وليس من اجل قيام الدولة التي تثبت كل يوم أن ما قاله ويقوله المناهضون للصهيونية، صحيح.
مواضيع ذات صلة
مقتل رجل بجريمة إطلاق نار في عرابة البطوف داخل أراضي الـ48
مقتل رجلين في الناصرة وعكا
إسرائيل تعلن بدء هجوم على إيران وفرض حالة طوارئ شاملة
أولمرت: إسرائيل تدعم محاولة عنيفة وإجرامية للتطهير العرقي في الضفة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال