على ضفاف الفلسفة تكتب مسنة في عقدها العشرين
رشا السرميطي
تتابع الكاتبة لوجين محمد شوشة مشوارها الأول الذي بدأته العام الماضي رافعة شعار- الأنا- لقرائها، بتجردها عن مثيلاتها، يوم كتبت: "على عاتقي"، وقالت بجرأة غير اعتيادية: سأكون مختلفة كما أريد. وها هي اليوم تصدر كتابها الثاني رغم صغر سنها ومحدودية تجربتها بالحياة، فهي لم تزل ابنة الثامنة عشر من عمرها المبشر بنبوءات زاهية. على مقاعد الدراسة حققت الكاتبة النجاح والتفوق وفي ميدان الأدب والثقافة تقول للقارئ وتحكي للجيل من أقرانها والمختلفين عنها تجربة غنية بمشاعر وأفكار " مريم" الشخصية الرئيسية التي كانت رمزًا في كتابها الجديد: "مسنة في عقدها العشرين" يذكر أنَّ الكتاب صدر عن المطبعة العربية الحديثة هذا العام 2017م ويقع في (127) صفحة من القطع المتوسط.
يبدأ الكتاب بأحاديث طفلة لم تكن عادية في التربية والنشأة، غريبة جاءت للحي والحب، تقع في شرك المختلف، وترفض نبذ الآخر، تتجاوز المرحلة وإن كان بالعنف فتفرض ذاتها الأنثى، تخرج من دائرة اللعب والطفولة، فتدخل إلى دائرة اللعب بالمشاعر، دوائر فكرية عديدة أدخلت القراء بها كاتبتنا، ربما هذه الدوائر التي تاهت بها قد أورثتها ما هي عليه الآن من ملامح مريم الحكيمة، التي قفزت عن مراحل سنوات عمرها ونضجت كثمرة عنب قبل الأوان، فكان مذاقها غريب جدًا على قارئة مثلي أنا.
كعادتها لوجين تطرح فكر الأنثى الجرئية وبذلك امتداد لتلك الشخصية التي تعرفنا عليها من خلال كتاب " على عاتقي" وبتصريح واضح في صفحة (9) تقول: " أنا مريم المختلفة"، تتعمق في مفهوم الآخر، وتذوب في كينونة نفسها عند المختلف، تتآلف حينًا وتتنافر حينًا آخر هكذا هي الأرواح وإن اختلف السكن في أجسادها. تمتد لمفهوم الارتباط وتصف الزوج بالمكمل لما نقص فيها، وهنا تؤكد بأنها مريم الأنثى الأخرى التي في كتابها الأول لم ترد زوجًا يهديها الحلوى والملابس فهي تبحث عن سند وبناء يقدم لها الكتب والمعرفة والتنوير العقلي، تريد شريكا لا مالكا ينهش ما لديها بل يستثمره.
تشد كاتبتنا القارئ لأول أيام حياتها الحقيقية في تجربة الاندماج مع الآخرين بمرحلة الروضة وهي أهم مراحل تكوين الشخصية، وتعرفنا على حازم الذي يعاب عليه في مجتمعنا الشرقي البكاء بفظاظة أنه رجل فقط. وتمتد غصون أفكارها لتفرع فلسفة " ضد البكاء" تقول: " أنا لم أبك بسبب الخوف وإنَّما بسبب الحب"، وما أصدق البكاء بسبب الحب..تخرج فجأة بالقارئ للطبيعة والكون الشاسع متمردة على كافة القيود، بذاكرة سمكة! تحذر من الكذب وتؤكد على أهمية التربية والتنشئة من الوالدين اللذان يسهمان في بناء شخصية قوية لأبنائهم أم شخصية هشة تهزها أبسط الحوادث والمواقف، لتتحول لتربوية واعية تعلم الآباء والأمهات كيف يكون الاعتناء بالأبناء على الصعيد النفسي والفكري والاجتماعي أيضًا.
تكتب لوجين بلغة طفولية لا تثقل على جيلها طلاسم الكلمات والمعاني، السرد بسيط سهل عميق محكم البناء والتصوير، تربطنا بقصة العصفور الذي ربته ورعته وأرغمها على تحريره فتخلت عنه لأنها تحبه، وكم يصعب التخلي عن الأشياء والأشخاص بسبب الحب! تدخل قارئها مرة أخرى بفلسفة العناق وأثره على بناء الداخل وترميم الإنسان فتطرح تجربة عناق والدتها لها بعد سفر العصفور، وعناق والدها عندما ماتت صديقتها، وفي كلا الحاتين تؤكد على ضرورة عناق الآباء للأبناء أستدل بذلك قولها:" أريد احتواء يضمد جرحي يناشد خلايا جسدي"، وهنا تؤكد على دور الآباء التربية والتوجيه والاحتواء والنقاش وغرس قيم الانسانية العظيمة والسامية التي دعمت شخصيتها وهذبت فكرها وعقلها لتتحول موطنا لقوتها.
تقرع أبواب فلسفة الاكتشاف التي تبدأ بالأسئلة، وتحكي لنا تجربتها مع ذاك الرجل المسن " العم سامي" وصداقتها المبدوءة وجدران غرفتها، ثم تأتي فقاعة سؤال: لماذا أكتب؟ ومنه تطل على نافذة التخيل والمنطق الفكري الذاتي، ومواطن القوة الشخصية الفردية، نحو ثقافة التغيير بحديها البناء والهدم. وتتابع عن الرسم والألوان وخرائط قراءة اللوحات الفنية " فلسفة العمق" والبحث عما وراء الأشياء المرئية، وصولاً للحب! ترجع لتحليل قصة العصفور المغادر رغم ولائها له، صورة الغروب وابتلاع البحر للشمس ليعيش كل منهما في نقيض الآخر، واكتشاف نقيض الفرد بالآخر، في مجاعة الحب التي تشخص به حالتنا وحالنا كبشر، وكأنها تشرع ممارسة الحب ومصادقة النفس بل التعرف على الذات ومصاحبتها تؤكد الحب موطن القوة لديها، إذ تعتبر الكتمان يزيد من التعلق ويمدُّ بالعذاب الذي لم نخلق لأجله.
في آخر البوح كتبت لوجين: " صفقتم للانكسار وصفقت للانتصار" وهنا ارتاحت الكاتبة بسرد مرحلة نمو مريم وبلوغها للثانوية، وكأنَّها كبرت وصارت حكيمة لتقيم ما جرى بالأمس، وهنا تسرعت الكاتبة بممارسة مريم لهذا الدور التي منذ أول الكتاب حتى آخره لم أرها سوى طفلة بريئة تتعرف إلى نفسها وتناقضاتها الأنثوية بين حلقات مرحلة واحدة ، أنهت مريم مشوارها بحكمة كونية فقالت:" إن الله لا يبعث إليك إلا ما تتمناه حقًا" حيث وجدت منارتها التي ساعدتها على تخطي الحوادث وعدم الغرق في بحر موجاتها المتصاعدة، فكانت الكتف الذي أسندت رأسها عليه، وطن انتمت إليه، وشعرت قربه بالأمان في قلب الألم، في البحث عن بر النجاة ذاتيًا وايجاد المنارة الحامية والموجهة في الطريق السليم لشاطئ آمن، من قصة الحب التي شاخت بروح فتاة عشرينية، وثقافة عدم الاستسلام بعد الخيبة وتدفق شلال الدموع، والاعتراف بالخسارة وبحقيقة ممارسة الحزن، هكذا كانت رحلة البحث عن المختلف وصعوبة العيش وحيدة بالتالي العودة لادراج التناقضات ثم احتلال الأسئلة: ماذا تريد مريم؟ ماذا تريد حقًا..
نستخلص من تلك الإضاءات لكاتبتنا الغضة عبارات أعجبت بها: إنهما لم ينجباني لأكون شخصا لا أنتمي لنفسي ولحبهما العميق.. منحاني الأمان، الاستقلالية، المساهمة والمساندة فلماذا أعود لأكون نسخة أخرى!"، " من غير الخطأ لن نستقيم"، " أشكر نقيضي العزيز"، " الضَّعف هو أصل القوة"، حول فلسفة " النقيض" تقول:" الأنصاف لاتشبع بل تزيد الروح الجائعة جوعا"، "الحب معركة تحتمل الفرح والحزن والسلام جزء من الحرب لكن الحرب ليست جزءا من السلام!"، "في عقل القلب نحيا وفي قلب العقل نموت!"، "ذاكرة القلب أقوى من ذاكرة العقل"، "ليس من السهل أن نخالف طبيعة البشر"، "الانسان ينتمي إلى باطنه"، "كنز مريم كان في داخلها"، "إشارات الكون لا تنتهي"، وغيرها.
في الختام؛ لجوجين شوشة- على ضفاف الفلسفة، تكتب مسنة في عقدها العشرين، وتقلب أوراق دفاتر الفكر لتعرف ذات مريم منذ الطفولة حتى مراهقتها وبلوغها العشرين من عمرها التي ربما تعتبر محطة هامة في حياة كل فتاة.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين