عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 01 نيسان 2017

المشطوب".. توابيت متحركة"

- إتلاف 4200 سيارة غير قانونية منذ بداية العام

- قرارات قضائية بفرض عقوبة الحبس وفرض غرامات

- مواطنون: ندعو الحكومة لتخفيض الجمارك على السيارات

الخليل- حياة وسوق- وسام الشويكي- منذ أن بدأت الشرطة بتشديد الحملات ضد السيارات غير القانونية، مع مطلع العام الجاري، اضطر المواطن (م.ش) الذي كان يقتني سيارة مشطوبة ضبطتها الشرطة، إلى شراء مركبة قانونية.

 (م.ش)، هو واحد من بين كثيرين يقتنون سيارات غير قانونية في الخليل، وتنتشر هذه الظاهر بكثافة في المنطقة الجنوبية بالمدينة التي تخضع للسيطرة الأمنية الإسرائيلية، وفي المناطق النائية البعيدة عن الشوارع الرئيسة للمدينة، فيما تشكل في العديد من القرى والبلدات، خاصة الخرب البعيدة، وسيلة أساسية في التنقل.

ويطالب المواطنون الجهات المسؤولة بإيجاد البدائل عن الاستغناء عن هذه المركبات التي يقرون بعدم قانونيتها.

أما الشرطة فتؤكد اضرارها الكبيرة وخطورة استخدامها؛ لما تشكله من تهديد لأمن المواطنين وحياتهم، ومخالفتها للقانون. 

يقول (م.ش) إنه نظرا لرخص سعرها لجأ الى شرائها دون أن يأخذ في الحسبان العواقب الوخيمة التي تتسبب بها، خاصة إذا وقع حادث سير. كان كل ما يهمه – حسب قوله- أن يجد وسيلة للوصول بها الى مكان عمله، وتخدمه في تلبية احتياجاته الأسرية، واستمر على هذه الحالة لعدة سنوات، لكنه اليوم وبعد أن خلصته الشرطة من هذه المركبة يحمد الله كثيرا على ذلك، ولاقتنائه سيارة قانونية.

وتتفاقم معاناة المواطنين جراء انتشار هذه المركبات وتزايدها، إلى الحد الذي وصلت أن تصبح لها معارض وأماكن للبيع، وتجار، تشبه في طريقة عرضها والترويج لها المركبات القانونية.

المواطن زيد الحداد، يصف في حديث لـ "حياة وسوق"، هذه المركبات بـ "القنابل الموقوتة والتوابيت المتحركة". وأضاف أن هذه المركبات "تؤرقنا على أطفالنا وأنفسنا، والكثير ممن يقودونها إما متهورون ومستهتورن، أو صغار لا يحملون رخصا تؤهلهم للقيادة، وفي الحالتين لا يلتزمون بالقوانين والأنظمة إلا ما ندر".

ودعا الحداد الجهات المسؤولة إلى التخلص من هذه المركبات والقضاء عليها من جذورها، وأن تتم مصادرتها من منابعها وأماكن تواجدها، حتى لا تبقى حملات مصادرتها مجرد حملة زمنية ثم تنتهي.

ويؤكد المواطن أبو منصور التميمي، كلام الحداد. ويضيف: السيارات المشطوبة وغير القانونية عموما تؤثر على حياتنا وتضعنا في جحيم لا يطاق، واصفا أنها تُكبد خسائر فادحة وبأقل الأثمان: "أصبح الدعس من دون ثمن؛ فلا ترخيص ولا تأمين"!.

مواطن آخر، عبر عن امتعاضه الشديد من الانتشار المتفاقم للمركبات غير القانونية، ويقول إنه يشاهد يوميا العشرات من هذه المركبات التي تسير على الطرقات دون حسيب أو رقيب، معتبرا أن الخاسر الوحيد نتيجة هذه المركبات هو المواطن نفسه، فالسائق الذي يقود السيارة متضرر منها سواء عند ارتكابه حادث سير أو دهس، وما يلحقه هو وأهله من مخاسر ومسؤولية نتيجة هذا الإهمال والتراخي واستسهال الحوادث، ناهيك عن المتضرر الحقيقي الذي لا ذنب له سوى أنه تعرض لحادث من مركبة غير قانونية!

ويذكر هذا المواطن، في سياق حديثه عن هذه الظاهرة التي باتت تؤرق المجتمع، أنه هو نفسه تعرض لموقف مع سيارة مشطوبة كادت ترمي به الى هاوية الطريق قبل عدة شهور. ويقول إنه في ساعة متأخرة من الليل، وأثناء توصيله عاملا لديه من بلدة بيت أولا غرب الخليل، وعند مدخل البلدة وعلى منعطف، تفاجأ بمركبة تقابله وتسير بسرعة جنونية كادت ترتطم بسيارته وتقذفها الى الأرض المجاورة التي لا يقل ارتفاعها عن الشارع حسب وصفه عن عشرة أمتار، وتفاجأ لاحقا أنها سيارة غير قانونية بداخلها شبان متهورون. وأضاف: "لولا تنبهي ويقظتي في القيادة لحلت بنا كارثة".

بيد أن هناك العديد من الحوادث، والحوادث المفجعة، سببتها هذه المركبات، من بينها حالات وفيات، وأخرى إصابات من بينها إعاقات مستديمة، ناهيك عن تنفيذ وارتكاب جرائم من خلالها. واغلب هذه السيارات تفتقر لعوامل السلامة والسير على الشوارع، ومنها لا يخضع للصيانة والرقابة الدورية المطلوبة عند الترخيص.

ولا يعفي المواطن موسى سليمان الأهالي من تحمل المسؤولية إزاء السماح لأبنائهم باقتناء سيارات مشطوبة، وعدم نهرهم وزجرهم على الطريقة التي تدفعهم الى تركها، كما يؤكد أن الشرطة والأجهزة المعنية وتشديد الحملات وتواصلها إزاء هذه المركبات، مسؤولة عنها أيضا بصورة أساسية، مدللا على ذلك بالقول إنه من دون رقابة وإجراءات رادعة وقاسية لا تتوقف هذه الظاهرة. 

لكن المواطن ابراهيم خالد، يدعو في المقابل، الحكومة الى تخفيض رسوم الضرائب والجمارك المفروضة على استيراد السيارات، والتراخيص؛ كي يتسنى لذوي الدخل المحدود شراء سيارات قانونية لهم. ويقول من وجهة نظره إن السبب الحقيقي لاتجاه الناس نحو السيارات المشطوبة هو الضائقة المالية وهروبا من الأسعار الباهظة خاصة للسيارة الحديثة. ويضيف أن كل عائلة أصبحت اليوم بحاجة إلى سيارة واحدة على الأقل.

ويوضح الناطق باسم الشرطة، المقدم لؤي ارزيقات، لـ "حياة وسوق" أن الشرطة أتلفت منذ بداية العام الحالي ما يزيد عن 4200 سيارة غير قانونية في مناطق متفرقة بالمحافظات، بما فيها محافظة الخليل التي تشكل النسبة الأعلى.

ويبيّن أن المركبات غير القانونية تتعدى في مفهومها بين المشطوبة والمسروقة وغير المرخصة لدى الدوائر الفلسطينية، وهي تنتشر في المحافظات منذ عشرات السنين.

وأوضح أن أبرز أسباب انتشارها بين المواطنين هو رخص ثمنها وعدم دفع التكاليف المالية الدورية عليها من تراخيص وتأمين وغيره، وقلة الوعي لدى المواطنين بخصوصها.

كما يشكل دخولها من إسرائيل الى مناطق الضفة، أحد أسباب انتشارها، حيث يلجأ الاحتلال الى جعل الضفة مكبا للسيارات الإسرائيلية المشطوبة، ويوفر عليه المال الكثير لا سيما في إجراءات الشطب.

وعن دور الشرطة إزاء ذلك، أكد ارزيقات أنها والأجهزة الأمنية تقوم باجراءات مستمرة للقضاء على هذه الظاهرة من خلال ضبطها وإتلافها وتحرير مخالفات بحق من يقودها. 

لكنها إجراءات يراها كثيرون أنها غير رادعة. وعن ذلك يرد المتحدث باسم الشرطة: في الآونة الأخيرة أصبح هناك تشدد من الشرطة والنيابة العامة والقضاء، ولدينا تعليمات بإحالة كل شخص يُضبط وهو يقود سيارة غير قانونية إلى النيابة التي بدورها توجه له الاتهامات ومن ثم تحويله للقضاء.

ولكن هل صدرت أحكام بحق مثل هؤلاء؟. أجاب المقدم ارزيقات: صدرت بالفعل العديد من القرارات القضائية؛ بالحبس لأشخاص ما بين شهرين إلى ثلاثة أشهر، وغرامات مالية ما بين مئة إلى 220 دينارا، وهناك تشدد من جهة القضاء لعدم استبدال أحكام الحبس لمبالغ مالية، الهدف من وراء ذلك ردع المخالفين.

وهل تدخل في هذا المفهوم المركبات غير المرخصة؟. يؤكد المقدم ارزيقات أنها ليست بمنأى عن مثل هذه الإجراءات، غير انه لا يتم إتلافها، بل تحرير مخالفات بحقها.

وفي الوقت الذي يخشى مواطنون أن تكون هذه الحملة مؤقتة لمدة زمنية، ينفي المقدم ارزيقات ذلك، ويؤكد أنها إجراءات شرطية أمنية متواصلة، وهي مستمرة ما دامت هناك سيارات غير قانونية.

ويتحمل المجتمع المحلي، مسؤوليات إزاء ظاهرة السيارات غير القانونية للحد منها. ويشير المقدم ارزيقات في هذا الصدد، إلى الدور الكبير والواضح له؛ فهناك مساهمة من قبل قطاع كبير من المواطنين بالتعاون مع الشرطة في هذا الجانب، وبات لديه الواعي الكامل حول خطورة هذه المركبات، مدللا على ذلك بإقدام أم في منطقة أريحا على جلب "جرافة" وإتلاف مركبة ابنها غير القانونية، الى جانب إصدار ميثاق شرف في مناطق مختلفة للتخلص من هذه المركبات غير القانونية.

بيد أن تمركز هذه المركبات داخل المناطق التي تصنف "ج"، الخاضعة للسيطرة الأمنية الاحتلالية، يجعلها أكثر انتشارا. وهذا يدلل بشكل أو بآخر على أن الاحتلال له ضلع في بقاء هذه الظاهرة لما لها من تداعيات اقتصادية واجتماعية وخيمة على المجتمع.

ويؤكد ارزيقات، أنه لم يعد خافيا أن أكثر المناطق انتشارا لهذه المركبات هي تلك الخاضعة لسيطرة الاحتلال، في مختلف مناطق ومحافظات الوطن، والمناطق التي لا تتواجد فيها الشرطة والأجهزة الأمنية، كضواحي القدس. 

ورغم ذلك فإن الشرطة تعمل بكامل جهدها من أجل التخلص من هذه الظاهرة من خلال التعاون مع المواطنين، وقد يكون هناك استدعاء للمواطنين في هذه المناطق، وأن قيادة الأجهزة الأمنية متشددة في هذا الجانب، وفق ما يؤكد ارزيقات.

وكشف المتحدث باسم الشرطة، أن من بين الإجراءات التي بدأتها الشرطة، رغم نقص الكوادر البشرية في أعدادها، وضمن خطة وضعتها منذ بداية العام الجاري (2017) للقضاء على السيارات غير القانونية في مختلف المحافظات، إلى جانب ضبط السيارات وإتلافها وتوقيف المخالفين ومحاكمتهم وتغريمهم، شن حملات دهم لـ "المشاطب" غير المرخصة أو تلك التي تجاوزت حدود الترخيص.

والمشاطب هي عبارة عن أماكن مرخصة يتم جلب السيارات غير القانونية اليها وتفكيكها بغية الانتفاع من قطعها.

ويلفت ارزيقات في هذا الصدد، إلى قيام الشرطة مؤخرا بدهم عدة مشاطب تجاوزت حدود ترخيصها، ومنها في بلدة ترقوميا غرب الخليل وقامت بإتلاف مئة مركبة غير قانونية في آن واحد داخل المشطب، إلى جانب جمع معلومات من كل المناطق حول من يمتلك هذه المركبات ومتابعتهم ومحاولة إحضارهم بكل الطرق والوسائل حتى يتم التخلص من هذه المركبات.

ولا يبدي المواطن (ش) اليوم، تأسفه ولا ندمه على مصادرة الشرطة لمركبته غير القانونية، ويقر أن استمرار استخدامه لها سيؤدي الى أضرار فادحة. ويقر أن عدم الوعي التام واللامبالاة وعدم امتلاكه المال الكافي كانت أسبابا رئيسة وراء اقتنائه "المشطوب".

ويبقى التساؤل المشروع: متى يتخلص المجتمع المحلي من هذه الظاهرة التي أقرت كل الأطراف والجهات بأنها باتت مقلقة ومؤرقة، وتصبح الشوارع خالية من "المشطوب"، في مقابل إيجاد بدائل أمام من تمنعهم ظروفهم من اقتناء مركبة قانونية؟!