عن الاحتلال والخاضعين له
هآرتس – شلومو أفينري

"الشعب لا يمكنه أن يكون محتلا في بلاده"، يكرر وزير التعليم نفتالي بينيت، في صيغة لها قوة بلاغية لا بأس بها. وهكذا فانه يواصل الجدال الذي بدأ في مطارحنا بعد حرب الايام الستة حين ثار السؤال كيف نسمي المناطق التي سيطرت عليها اسرائيل – فهل هذه مناطق "محررة" أم "محتلة". واللغة التي تستخدم، فضلا عن جانبها القانوني، تتعلق أيضا بمستويات تاريخية وأخلاقية عميقة ذات صلة بأساسات الصهيونية.
الموضوع هو ان مثل هذا العرض للأمر يتجاهل ما يفترض أن يكون في مركز النقاش السياسي والايديولوجي الجاري في اسرائيل منذ 1967 – إذ لا توجد هنا مسألة مناطق بل مسألة بشر. ومثلما في النزاعات القومية الاخرى (قبرص، كوسوفو، البوسنة) يمكن الجدال اذا كانت هذه مناطق محررة أم محتلة، ولكن في نهاية المطاف المنطقة - التي هي مجردة بلا وعي – لا يمكنها أن تكون حرة أو محتلة: فهذه مزايا يمكن أن تعزى لبني البشر، وليس للمجردات الصامتة. وحتى من اعتقد بان مناطق "يهودا والسامرة" تحررت في 1967، سيجدون صعوبة جمة في الادعاء باننا في حرب الايام الستة حررنا الفلسطينيين سكان المناطق. فبنو البشر ذوو الوعي وحدهم يمكنهم أن يكونوا أحرارا او محررين، ولا يهم كيف نصف مناطق "يهودا والسامرة " – محررة، محتلة او حتى مقدسة – واضح اننا لم نحرر في الحرب أي فلسطيني. حقيقة أن المناطق وسكانها كانوا قبل ذلك يوجدون تحت حكم اردني أو مصري، لا تزيد ولا تنقص في الامر من شيء.
توجد هنا مسألة اخلاقية، ملزمون مؤيدو بلاد اسرائيل الكاملة، ولا سيما جماعة البيت اليهودي، ممن يتشدقون بالاخلاق اليهودية، ان يقدموا عليها الجواب. فالرفض الفلسطيني المسؤول بقدر غير قليل عن انعدام المفاوضات والاتفاق بينهم وبين إسرائيل لا يمكنه أن يشكل ذريعة. صحيح أنه بالاساس بسبب المواقف الفلسطينية، يحتمل أن يكون الوضع الحالي، الذي نسيطر فيه حاليا على سكان محتلين لن يصل الى منتهاه قريبا: ولكن الادعاء بانه بسبب هذا يكون لنا حق في مواصلة السيطرة بلا نهاية على شعب آخر خلافا لارادته وتبرير ذلك بتلويات لفظية وبصياغات كهذه او تلك، معناه تجاهل الحقيقة البسيطة – مهما كانت المكانة القانونية او التاريخية للمناطق، فان سكانها الفلسطينيين يوجدون تحت احتلال اسرائيلي. كل محاولات نفي هذه الحقيقة الاساس تذكر بالوصف في كتاب جورج اورويل "1984"، والذي يدعي فيه الحكم بان العبودية هي حرية، الحرب هي سلام والجهل هو قوة.
حتى من يؤمن بوعد الهي لشعب إسرائيل لا يمكنه أن يفر من المسائل الاخلاقية، التي ينطوي عليها استمرار السيطرة على الفلسطينيين والتي نرى نتائجها كل يوم في الاحتكاك المحتم بينهم وبين جنود الجيش الاسرائيلي. يمكن أن نفهم واجب الواقع ويمكن حتى أن نقول انه في هذه اللحظة لا توجد في امكانيتنا ان نغيره في ضوء مواقف الطرف الاخر، ولكن التنكر للتآكل الاخلاقي الذي يتسبب به للمجتمع الاسرائيلي هو أمر غير ممكن. فمحاكمة أزاريا هي فقط طرف الجبل الجليدي للمعضلات الاخلاقية النابعة من حقيقة الاحتلال. كما أن التآكل في مكانة اسرائيل في الرأي العام الدولي واليهودي يرتبط بالاحتلال، ومن يتجاهل ذلك يدس رأسه في الرمال. وبالذات المتدينون، الذين يرون في دين اسرائيل دين رحمة ورأفة لا يحق لهم أن يتجاهلوا هذا التحدي الاخلاقي.
لكل هذا يمكن أن نضيف ايضا ملاحظة هامشية، لا ينبغي أن تفاجئ كل من يعرف المصادر التوراتية على تعقيداتها. فبينيت يكثر من التطرق لكتب التوراة، غير أنه يخيل احيانا أنه يرى فيها كوشان عقارات اساسا. يتبين أنه لشدة المفارقة، ثمة في كتب التوراة العديد من الذكر الصريح على أن ابناء اسرائيل احتلوا البلاد.
وهاكم بعض النماذج:
عندما ينهي يهوشع عملية توزيع مناطق البلاد بين القبائل قيل: "تجمع كل طائفة أبناء اسرائيل ويضربوا هناك خيمة والبلاد احتلت امامهم".
في أمر أصدره الملك داود لوزراء اسرائيل (الصيغة لا تظهر في اسفار شموئيل أو الملوك ولكنها تظهر في كتب التاريخ) يطلب منهم ان يساعدوا ابنه شلومو ويضيف: "فاسم الرب معكم وترك لكم المحيط إذ أعطى لسكان البلاد واحتلت البلاد قبل الرب وقبل شعبه."
وللغة التي تسبق أقوال يهوشع الواردة أعلاه اضطر ايضا موشيه الذي يلخص الاتفاق مع ابناء روبين، غاد ونصف قبيلة مينشه، بان يكون نصيبهم عبر نهر الاردن شرقا، ولكنهم يلتزمون بالارتباط بكل القبائل الاخرى لاحتلال (نعم، احتلال!) البلاد من غربي نهر الاردن: "ويقول موشيه لهم: اذا عبر ابناء غاد وابناء روبين معكم نهر الاردن للحرب قبل الرب واحتلت البلاد قبلكم".
باختصار: يتبين من نصوص كتب التوراة ان سيدنا موشيه، يهوشع من نون والملك داود (ومن يدري، لعل الرب تبارك اسمه بنفسه ايضا) لم يجدوا صعوبة في التعاطي مع احتلال البلاد، فلعله ينبغي لوزير التعليم من حزب البيت اليهودي أن يسير في أعقابهم.
كل هذا لا يستنفد الحاجة الى نقاش سياسي واخلاقي في مسألة السيطرة الاسرائيلية على السكان الفلسطينيين في المناطق، ولكن يجدر الكف عن التعاطي مع هذه السيطرة بمفاهيم الحقوق العقارية، وبدلا من ذلك ان يوضع في مركزها مسألة موقفنا كيهود – متدينين وعلمانيين على حد سواء من بني البشر الذين يتواجدون فيها. لا يدور الحديث عن السيطرة على اشياء، بل على بني بشر، وهذه الحقيقة هي الملزمة بان تقرر موقفنا من مستقبل المناطق وسكانها. نحن ملزمون بان نذكر وزير التعليم في دولة اليهود بان ملايين الفلسطينيين في المناطق هم ايضا خلقوا على صورة الرب.
مواضيع ذات صلة
مقتل رجلين في الناصرة وعكا
إسرائيل تعلن بدء هجوم على إيران وفرض حالة طوارئ شاملة
أولمرت: إسرائيل تدعم محاولة عنيفة وإجرامية للتطهير العرقي في الضفة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال
وزير جيش الاحتلال يقرر منع زيارة ممثلي الصليب الأحمر للمعتقلين