عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 11 آذار 2017

غزة.. برميل على وشك الانفجار

اسرائيل اليوم– نداف شرغاي

حساب الربح والخسارة الذي تجريه "حماس غزة" لنفسها، كي تقرر اذا ما، ولكن بالاساس متى، الخروج الى معركة أخرى ضد إسرائيل، هو أيضا "السبيل المرسوم" الذي تدرسه محافل التقدير في البلاد بسبع عيون، في محاولة لفهم نوايا العدو و "للدخول الى رأسه".
السؤال ماذا ستربح حماس وماذا ستخسر من مواجهة أخرى مع اسرائيل؟ هو– نظريا على الأقل– السؤال الاساس، الذي يفترض أن يساعد الاستخبارات في التقدير السليم لمستوى احتمالية معركة اخرى في الجنوب وبالاساس توقيتها.
عندما يصف رئيس شعبة الاستخبارات "أمان"، اللواء هيرتسي هليفي، أزمة اقتصادية شديدة في قطاع غزة، فهو يقصد عمليا القول ان ساعة الرمل تنفد؛ وأننا نقترب من اللحظة التي يكون فيها من شأن "حماس غزة" ان تقول لنفسها ان الوضع الاقتصادي في القطاع سيء جدا لدرجة أنه لم يعد لها ما تخسره.
غير أنه في المقابل، توجد معطيات معاكسة كفيلة بان تفيد بأنه لا يزال لحماس مع ذلك ما تخسره: الدول المانحة التي تعهدت بعد "الجرف الصامد" بان تحول الى غزة نحو 4 مليارات دولار، كي تعيد بناءها، حولت حتى الان نحو خُمس المبلغ فقط. بعضها تطلب من حماس أدلة وضمانات على أن هذه الاموال لن تستخدم الا لاعادة البناء المدني، وليس لتنمية ذاتية للسلاح او لبناء الخنادق والانفاق. واذا بادرت حماس الآن الى جولة اخرى، فهي تخاطر بفقدان الاحتمال، أو على الأقل التأجيل الكبير، بتلقي هذه الأموال.
وها هما متغيران معاكسان آخران، كل واحد منهما يمكنه أن يؤدي بحماس الى سلوك آخر: فجهاز الامن  فكر، قبل بضعة اشهر فقط، العودة للسماح للعمال من غزة بالعمل ونيل الرزق في إسرائيل والحصول هنا على أجر يومي يفوق ضعفي وثلاثة اضعاف الأجر الذي يكسبونه في غزة. وتحدث وزير الدفاع ليبرمان عن ذلك علانية. فمعدل البطالة في غزة بلغ منذ الآن 58 في المئة، وعدد حالات الانتحار هناك على هذه الخلفية ارتفع جدا في السنتين الاخيرتين.
اسرائيل، كما هو معروف، تنقل الى القطاع ايضا تموينا جاريا من الغذاء، المواد الاستهلاكية البيتية، الادوية، الوقود، بل وحتى قليلا من مواد البناء. والمواجهة الآن ستقطع لفترة غير معروفة التوريد الاسرائيلي وربما أيضا المصري الى غزة، وبالتأكيد ستؤجل لزمن غير معروف القرار الذي لا يزال يوجد على جدول الاعمال– السماح للعمال من غزة العودة للعمل في إسرائيل.
من الجهة الاخرى– تلتقي صورة  الواقع المحتملة هذه قيادة جديدة، ذات مزايا متطرفة، يقف على رأسها يحيى السنوار، من كبار الذراع العسكري لحماس سابقا. والى جانبه، في "المكتب السياسي" الجديد للمنظمة، يوجد الآن على الأقل خمسة أعضاء آخرين يتماثلون مع الذراع العسكري للمنظمة (كتائب عز الدين القسام) اثنان منهم محرران في صفقة شاليط قضيا فترات حبس في السجن الاسرائيلي. والتوجه الطبيعي لمركز القوة الجديد هذا في "المكتب السياسي" يميل الى التطرف والمواجهة.
إن أحد الاعتبارات التي من شأنها ان تدفع قيادة حماس الجديدة الى المواجهة هو مدى صلاحية الانفاق الهجومية المجتازة للحدود– نحو 15 في عددها حسب المنشورات الأخيرة– التي لا تزال في يد حماس بعد "الجرف الصامد". كلما مر الوقت وساد الهدوء، يمكن لاسرائيل أن تتقدم بارتياح وبلا عراقيل في المشروع الهندسي والتكنولوجي المضاد للانفاق في حدود القطاع.
من زاوية نظر حماس، فان هذه الانفاق، كأدوات هجومية ضد إسرائيل، تعيش على "زمن مستقطع"؛ وهي حقيقة من شأنها أن تشجع حماس على استخدامها قبل أن تجعلها إسرائيل غير قابلة للاستخدام قبل القتال، او تنجح في خلق آليات تجعل استخدامها صعبا.

للميدان قوانين خاصة به
"لاعبان" آخران، كل واحد منهما يمكنه أن يؤثر على حماس بشكل مختلف، هما وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان من جهة و"داعش" من جهة اخرى: بخلاف موشيه بوغي يعلون، سلفه في المنصب، فان وزير الدفاع الحالي حذر حماس من انه اذا فتحت معركة اخرى في غزة، فستحرص اسرائيل على الا تبقى في نهايتها لتحكم في القطاع.
أما انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة فيمنح اسرائيل ظاهرا حبلا أطول مما في الماضي، كي تحقق هدف اسقاط حكم حماس في غزة. وفي حماس واعون لذلك، ولكن للميدان توجد، غير مرة، قوانين خاصة به.
أحد "اللاعبين" الذين من شأنهم أن يفاقموا الوضع هو "داعش"، او في صورته الغزية– رجال المنظمات والجماعات السلفية، من مؤيدي تنظيم "الدولة الاسلامية" في غزة وفي سيناء. حالتان من اطلاق الكاتيوشا من سيناء الى الاراضي الاسرائيلية في شباط الماضي– واحدة الى ايلات واخرى الى النقب– هما من فعل هذه المنظمات، وكذا أيضا اطلاق الصواريخ باتجاه شاعر هنيغف.
ترى إسرائيل في حماس مسؤولة عن كل اطلاق للنار من القطاع، وقواعد اللعب المتشددة في عهد وزير الدفاع ليبرمان أدت الى رد ناري "غير متوازن" على نار الكاتيوشا من المنظمات السلفية، والى اصابات مباشرة اكثر لأهداف حماس على طول خط الجدار.
وصعد الرد الاسرائيلي الشديد لفظيا على الأقل التهديد الحماسي. فقد أعلن قادة المنظمة علنا بانهم لن يحتووا بعد اليوم "المعادلة الجديدة" لليبرمان، واذا ما قصفوا مرة اخرى– فسيردون بشدة. فهل التسلق على "شجرة عالية" كهذه ملزم حيال الجمهور الفلسطيني؟
من زاوية نظر متشائمة– ومحافل التقدير ملزمون بان يأخذوا في الحسبان الامكانية الاسوأ وعرضها امام اصحاب القرار– فان بعضا من العوامل التي جرت اسرائيل وحماس الى المواجهة في تموز 2014 موجودة هنا مرة اخرى، وانضمت اليها الان عوامل خطر اخرى.
ان ضائقة السكان في غزة، عشية الجرف الصامد، هي أحد الامثلة التي ذكرها تقرير المراقب الاسبوع الماضي، وليس صدفة أن رئيس "امان" هيرتسي هليفي يتحدث الآن بالذات عن ضائقة مشابهة.
إن الوضع الاقتصادي في غزة في حالة سيئة للغاية. فقبل سنتين توقعت الامم المتحدة بانه حتى العام 2020 لن تكون في غزة مياه ملائمة للشرب. فالخزانات الجوفية في غزة استنفدت نفسها في أعقاب النهل الزائد. ومنشأة التحلية الوحيدة لا تزود الا نحو 10 في المئة من استهلاك المياه في القطاع، واسعار المياه ترتفع. الاغنياء يدفعون مالا طائلا على المياه المحلاة، ولكن معظم الجمهور يستهلك مياها ذات درجة ملوحة أعلى لأهداف ليست الشرب، كالغسيل، النظافة والاغتسال.
كما ان توريد الكهرباء الى غزة يتعثر، رغم المساعدة الاسرائيلية والمصرية. فالبيوت في قطاع غزة لا تتلقى الكهرباء الا لسبع ساعات بالمتوسط في اليوم.
واذا لم يكن هذا بكاف– فالبطالة ايضا في القطاع تتصاعد وتقترب من 60 في المئة؛ نحو ثلث سكان القطاع لا يرتبطون بشبكة المجاري. وقنوات المجاري ضيقة ومفتوحة، وجور الامتصاص، ترفع مستوى الاصابة بالامراض النابعة من التلوث. وفي شواطئ السباحة في عسقلان يمكن غير مرة رؤية بواقي المجاري والمياه العادمة التي حملتها التيارات البحرية من شواطئ غزة شمالا. ويمكن كما أسلفنا ان يضاف الى ذلك التأخيرات والتجميدات لأموال "الدول المانحة"، ومواد البناء التي تنقل الى غزة بالتقنين، واذا بكم تتلقون مفجر آخرفي برميل البارود الذي يسمى غزة.

منطق مقلوب
كيف يؤثر كل هذا على حماس؟ صحيح أن المنطق يستوجب توجيه كل مساعدة وميزانيات اعادة البناء في صالح السكان، ولكن "منطق" "حماس غزة"، ليس بالضرورة المنطق السائد. فحماس تستثمر الكثير من الأموال ووسائل المساعدة في اعادة بناء قوتها العسكرية. من زاوية نظر المنظمة– ينبغي تنفيذ الواجب الديني لفكرة المقاومة، حتى لو لم يكن احتمال النصر في اطار هذه المقاومة، عاليا.
صحيح أن السنتين ونصف السنة الأخيرة كانت هي الأهدأ في العقد الأخير– 45 صاروخا فقط اطلقت من القطاع، ومنها 4 فقط سقطت في مناطق مأهولة. غير أن هذا الهدوء تستغله حماس كي تستعيد قسما على الأقل مما فقدته في الرصاص المصبوب.
أما الانفاق الهجومية، كما تعرفنا فقط، فلا تزال هنا. فالمواد الخام التي هي ضرورية لاعادة البناء المدني، وجهت لانتاج وسائل قتالية واعادة بناء شبكة الانفاق. فقد سيطرت حماس على المواد الخام هذه– من اسمنت، حديد وخشب– حتى قبل أن تصل الى اهدافها المدنية، وفي بعض الحالات صادرت أو اشترت هذه المواد من المواطنين.
في جنازة عصام عمر سعيد القطناني، ناشط حماس الذي قتل في انهيار نفق في الشجاعية، خطب خليل الحية، عضو المكتب السياسي لحماس، وقال ان نشطاء كتائب عز الدين القسام سيواصلون حفر الانفاق ليل نهار، لأن الانفاق هي "السلاح الافضل الذي سيهزم إسرائيل".
كان لدى حماس عشية حملة الجرف الصامد نحو 11 ألف صاروخ، معظمها لمسافات قصيرة والقليل منها لمسافات بعيدة (حتى 160 كيلو متر). في نهاية الحملة بقي لدى حماس نحو ثلث كمية الصواريخ، بعد أن اطلقت نحو 4 آلاف منها الى اسرائيل، وفقدت جزءا آخر في الهجمات الاسرائيلية.
ويقول خبراء "مركز معلومات الاستخبارات والارهاب" ان حماس تعطي الآن اهمية عالية لزيادة مخزون الصواريخ ومخزون قذائف الهاون لديها وتشدد على السلاح الصاروخي للمدى القصير. وبالتوازي، تدرب حماس قوات خاصة لنقل الحرب الى الأراضي الاسرائيلية على نحو مفاجئ سواء من خلال الانفاق الهجومية أم من خلال "الكوماندوز البحري"؛ التسلل لبلدات اسرائيلية لتنفيذ عمليات واختطاف اسرائيليين لغرض استخدامهم كـ "أوراق مساومة".
بعد الجرف الصامد، كثفت حماس ووسعت تواجدها على طول الحدود مع اسرائيل وبنت سلسلة من الاستحكامات المتقدمة على مسافة بضع مئات من الأمتار عن الجدار الأمني. والى جانب الاستحكامات بنيت ايضا أبراج رقابة، وبجوار الجدار الأمني شق طريق.
والى جانب ذلك تحاول حماس كل الوقت تطوير مسارات بديلة لغرض تهريب الوسائل القتالية، العتاد العسكري والمواد الخام. وقد تضررت التهريبات عبر شبه جزيرة سيناء بشدة بعد أن عمد المصريون الى سد هذه القناة، دمروا الأنفاق واغلقوا معبر رفح. والبديل الآن هو التهريبات من اسرائيل، في ظل استغلال معبر البضائع المدنية عبر المعابر وكذا استخدام المسار البحري، بين القطاع وبين سيناء، من خلال الصيادين المحليين.
كما أن التعاون بين فرع "داعش" في سيناء وكتائب عز الدين القسام يساعد حماس. ففي السنتين الاخيرتين، بينما تقاتل حماس ضد المنظمات السلفية في القطاع، ساعدت "داعش" سيناء في انتاج وسائل قتالية ومعالجة الجرحى، بينما داعش سيناء ساعد حماس في تهريب وسائل قتالية الى غزة يأتي بها من ليبيا ومن السودان.
حماس، حسب التقديرات في الجيش الاسرائيلي لم تستعد الوسائل والقدرات التي كانت في حوزتها قبل حملة "الجرف الصامد". ويقدر رجال "مركز معلومات الاستخبارات والارهاب" بالتالي فانه في المواجهة القادمة– ستحاول حماس قبل كل شيء ضرب كل البلدات والاهداف العسكرية المجاورة للحدود. فقدرتها للوصول الى مسافة أبعد تضررت وتقلصت بقدر كبير، وان لم تكن فقدتها تماما.
لكل هذا ينبغي أن يضاف كما اسلفنا التركيبة الجديدة لقيادة حماس. فقد انتخب للمكتب السياسي في القطاع 15 عضوا. وعلى رأس المكتب السياسي يقف كما هو معروف يحيى السنوار، من مؤسسي الذراع العسكري للمنظمة، الذي أنقذته صفقة شاليط من أربعة مؤبدات.
لقد كان السنوار مشاركا في تخطيط سلسلة من العمليات التي قتل فيها اسرائيليون، وكذا في قتل فلسطينيين كثيرين. نائبه، خليل الحية، كان أيضا عضوا في المكتب السياسي السابق لحماس. ابنه قتل في 2008 في جنوب القطاع حين حاول تنفيذ اطلاق صواريخ كاتيوشا على اسرائيل، وزوجته وثلاثة من ابنائه قتلوا بنار مدفعية الجيش الاسرائيلي اثناء الجرف الصامد.
وبخلاف السنوار، الذي يقل من التصريحات، فان الحية يدعو بين الحين والآخر الى تشديد الارهاب ضد اسرائيل، ومؤخرا دعا اسرائيل الى الاستعداد لضربة جدية. فقد هدد بان حماس "ستضرب من كل صوب، من الأرض، من داخل الأنفاق، من قلب البحر ومن السماء". وفي مناسبة اخرى اوضح الحية بان "حماس ستواصل العمل على اختطاف جنود اسرائيليين بهدف استبدالهم بسجناء فلسطينيين محبوسين في اسرائيل".
وبين الأعضاء الآخرين في المكتب السياسي الجديد لحماس يوجد محمود الزهار، الذي شغل منصب "وزير الخارجية" في حكومة حماس برئاسة اسماعيل هنية. ودعا الزهار في الماضي الى تحويل "الارهاب الشعبي" الى انتفاضة عسكرية؛ روحي مشتهى، محرر آخر من صفقة شاليط كان حكم سبعة مؤبدات على قتل عملاء مع اسرائيل؛ مروان عيسى، المسؤول السابق عن وحدة العمليات الخاصة في حماس؛ وسامح السراج، الذي كان هو أيضا في المكتب السياسي السابق لحماس ودعا "الى تأهيل جيل يحمل علم الاسلام ويحرر فلسطين من دنس الاحتلال".

"هذر زائد"
أبدى مراقب الدولة في تقريره الأخير ملاحظة على السلوك الحربي في الجرف الصامد إذ لم يعنَ بما يكفي "بتعطيل" سياسي للالغام التي زرعت في الطريق الى تلك الحرب. بعض من عناصر القنبلة الموقوتة في حينه تحوم الآن مرة اخرى في الفضاء، ويوجد غيرها. هذه المرة توجد عدة اقتراحات على جدول الاعمال، ولكنها لا تبدو ذات احتمال للتحقق في المستقبل القريب.
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مثلا يتحدث عن صيغة "التجريد مقابل الاعمار"، التي ترفضها حماس، فيما اقترح الوزير اسرائيل كاتس اقامة ميناء في غزة.
مصر، التي هي لاعبة اخرى تؤثر على ما يجري في القطاع، تبدي في الأشهر الأخيرة مراعاة أكبر بقليل وتتخذ بوادر طيبة تجاه حكم حماس في غزة. فقد خففت قليلا من شروط الاغلاق على القطاع وتسمح بعبور مزيد من البضائع الى هناك. والسؤال الى أين تتجه حماس وهل الربيع المقترب سيفاجئنا بجولة دموية اخرى؟ هو سؤال ليس له جواب واحد.
لقد تحدث الوزيران يوآف غالنت ونفتالي بينيت قبل بضعة اسابيع عن امكانية أن يقع في الربيع القريب تصعيد في الجنوب. ووصف وزير الدفاع افيغدور ليبرمان اقوالهما بانها "هذر زائد ليس له أي صلة بالواقع على الارض". مهما يكن من امر فللجنوب قوانينه ومنطقه. يخيل أن الحملات الخمس التي بادر اليها الجيش الاسرائيلي في القطاع في العقد الماضي اثبتت ذلك.