"السيلياك" يحاصر ضحاياه بالحمية.. والمنتجات خالية من السوق

استراحة الحياة- حنين خالد- "لاحظت والدتي أنني لا أستفيد من الطعام، وانني في حالة اسهال شديد ومستمر، أخذتني الى الجمعية الاميركية في لبنان وتم إجراء الفحوصات اللازمة فتبين أنني أعاني من مرض حساسية القمح المعروف باسمه العلمي "السيلياك"، هكذا تسرد عبير الهدار (35 عاما) قصة معاناتها بعد اكتشاف مرضها عندما كانت في السنة الأولى من عمرها كما روت لها والدتها قصتها مع المرض.
تقول الهدار وهي ترسم ابتسامة جميلة على وجهها، إنها كانت تذهب كل فترة الى الاردن لاحضار القمح التركي، وهو الغذاء الذي يتوجب عليها تناوله بسبب مرضها، يعجن القمح التركي بطريقة خاصة داخل المنزل ولا تستطيع ان تأكل أي من الخبز العادي أو ما يعد من مكوناته، وتوضح أن سعر الكيلو الواحد منه يصل إلى 30 شيقلا تقريبا.
لا يختلف حال عبير عن صديقتها فدوى أبو غوش (44 عاما)، فقد كانت تعيش حياة عادية، لكن يبدو أن صدمتها بوفاة زوجها، أثرت عليها بشكل ما لتتطور لديها حساسية القمح وتدخل في معاناة جديدة.
تقول عبير: "أشتهي الكثير من الأشياء، لكنني تأقلمت مع حياتي، فأنا حاليا أكثر وعيا بمرضي، وأي خلل في الحمية الغذائية قد يؤدي الى تدهور حالتي الصحية، وينتج عنه فقر الدم وحين ذاك سأحتاج الى تزويدي بوحدة دم".
تلتزم فدوى بالحمية، بعد تجربتها المريرة وعدم إدراكها خطورة المرض في بدايته، وتراجع وزنها ووصل لـ 40 كيلوغراما. تقول: "بعد تدهور وضعي تيقنت أنني يجب أن أنتبه وأنقذ نفسي لأعيش وأحمي ابنائي أيضا، ومنذ سنتين التزمت بالحمية وبالفحوصات الدورية وحاليا بدأت حياتي طبيعية وصحتي ممتازة بحمد الله".
تتابع فدوى: "أقوم كل فترة بإجراء التحليلات الطبية لأولادي خوفا من اصابتهم بالمرض، وعندما انجبت ابنتي طفلتها ارسلتها لإجراء االفحوصات ذاتها للتأكد من عدم إصابتها بحساسية القمح".
المعاناة دفعتهن لتأسيس جمعية "السيلياك"
تقول عبير إن معاناتها وفدوى دفعهما الى تأسيس جمعية للمصابين بمرض حمى القمح. وتضيف: "راودتني فكرة الجميعة عدة مرات، خاصة أن هناك ما يقارب 215 إصابة بفلسطين بهذا المرض، اضافة الى ان العديد من الأهالي لا يعرفون عن المرض أو لا يريدون الافصاح عن أن ابناءهم مصابون به، لذلك ارتأينا العمل على توعية المريض نفسه وتوعية الناس أيضا بأن المرض ليس وصمة عار يبعد الناس عنا، فهو غير معد، بل مشكلة صحية فقط، وإدراك ذلك يمنع تعرض المريض للحرج والانطواء على نفسه".
وبينت بعض الدراسات أن 4% من النساء المصابات بالسيلياك يعانين من اضطرابات في الدورة الشهرية والاجهاض المتكرر وتأخر الحمل أو العقم للنساء والرجال. كما تشير بعض الدراسات الى ان هناك نسبة من الأطباء لا يعرفون تفاصيل المرض .
واكد الدكتور عمر ابو عليان اختصاصي أمراض الجهاز الهضمي والمناظير، عضو الجمعية الفرنسية لمناظير الجهاز الهضمي وعضو جمعية السيلياك في فلسطين، أن المرض ينتج عنه تلف في نسيج الأمعاء الدقيقة المسؤولة عن امتصاص المواد الغذائية من الأمعاء ونقلها الى الدم حتّى يستفيد منها الجسم، كما يحدث التلف عندما يتعرض الجسم الى مادة الجلوتين الموجودة في القمح والشعير والشوفان.
وأوضح في حديث لـ "الحياة الجديدة" أن الجلوتين عبارة عن بروتين يوجد في القمح ومشتقاته، الانسان الطبيعي يهضمه ويقوم جسمه بامتصامه، لكن الجسم المصاب بالمرض ينتج اجساما مضادة ومواد اخرى تهيج الخلايا الليمفاوية لمهاجمة نسيج الأمعاء، ما يؤدي إلى التهاب مزمن يتزايد مع عدم الالتزام بالحمية.
وتابع: يؤدي استمرار الالتهاب الى حدوث سوء امتصاص تدريجي في البداية للحديد والفيتامينات والدهون، ينتج عنه فقدان للوزن والإسهال والإحساس بالانتفاخ بالبطن والقدمين وفقر الدم والفيتامينات الاخرى ما يؤثر على الجسم فيضعف المناعة وقد يؤثر على الخصوبة والدورة الشهرية لدى النساء المصابات. وأضاف أن المرض يصاحبه امراض مناعية اخرى كالتهابات الجلد والسكري وخلل في هرمون الغدة الدرقية، وبعض امراض الكبد وامراض القولون الالتهابية.
الكشف المبكر.. والكبار معرّضون للإصابة
وأوضح أبو عليان أن التشخيص يتم عادة في عمر مبكر، عندما يبدأ الطفل بتناول الخبز بعد ستة شهور من الولادة، "لكن المرض ليس حصريا على الأطفال فالكل معرض للإصابة خصوصا في عمر الشباب وحتى في الخمسينيات والستينيات".
وأكد أن معظم الحالات التي يتم تشخيصها بالعشرينيات والثلاثينيات لا تكون فيها الأعراض كاملة، ما يعني امكانية تطوّر المرض أو اقتصاره على فقر الدم أو تأخر الدورة الشهرية.
وقال: تشخيص المرض يحتاج إلى خضوع المريض لفحص الاجسام المضادة في الدم، يتبعه فحص تنظير للمعدة والاثني عشر، وأخذ عينات من اول الأمعاء لفحصها في المختبر وعندها يتم تشخيص المرض.
وتابع أبو عليان ان تشخيص المرض سهل جدا في معظم الحالات ولا يحتاج الى الذهاب الى الخارج فجميع أدوات التشخيص موجودة في فلسطين من أطباء وأخصائيين وفحوصات مخبرية ونسيجية.
وقال إن العلاج الوحيد هو تجنب الجلوتين من الغذاء، واتباع حمية غذائية تكون مدى الحياة، لا يجوز إيقافها أبدا حتى لو تحسّن المريض واختفت جميع الأعراض، حيث ان الحمية من دون جلوتين هي تحد نفسي وحياتي واجتماعي كبير لدى المرضى".
وأشار إلى أن التحدي الأكبر الذي يواجه الاطباء والمرضى هو توفير المنتجات الخالية من الجلوتين، وكذلك تعريف المنتجات الغذائية الصناعية الخالية من الجلوتين، "هذا يحتاج الى سن قوانين من وزارة الصحة، كما هو الحال في دول العالم، وكذلك الضغط على المصانع الوطنية لطرح منتجات خالية من الجلوتين، فجميع المنتجات الخالية من الجلوتين المتوافرة في السوق الفلسطينية هي منتجات غير وطنية وسعرها غال جدا مقارنة بدخل الفرد".
وقال طبيب الأسنان محمد سرحان، عضو جمعية مرض السيلياك في فلسطين: ان اعراض المرض لدى الكبار تختلف عن اعراضه لدى الأطفال، موضحا ان الكبار يشعرون بتقرح الفم وبثور في الجلد.
وأضاف في حديث لـ "الحياة الجديدة" أن كبار السن قد يفقدون مينا الأسنان، وغياب الدورة الشهرية، فيما يبدأ المصاب في مراحل متقدمة يعاني من فقر الدم وهشاشة العظام وآلام المفاصل.
وقال إن الأطفال غالبا ما يشعرون بالتوتر الدائم واضطرابات في النوم واسهال مزمن، ونقص في النمو وعدم الرغبة في تناول الطعام ما يؤدي الى وجود غازات وانتفاخ البطن.
الأطعمة المسموحة والممنوعة
وقالت أخصائية التغذية رشا شواورة ان على المريض الالتزام بتناول أنواع معينة من الأطعمة غير محتوية على الجلوتين منها اللحوم والبقوليات بكافة أنواعها (دجاج، اسماك، عدس، فاصولياء)، مع ضرورة الحذر من الأنواع المقلية بطحين القمح، والحليب ومشتقاته اضافة الى الأرز والبطاطا والذرة والفوشار وأيضا الزيوت النباتية وكافة أنواع الخضار والفواكه.
كما يمنع على المرضى تناول القمح والشعير وجميع منتجاتها من بسكويت ومخبوزات والمعكرونة والشعيرية اضافة الى السميد والكيك والكوكيز المصنوعة من طحين القمح والسمن البلدي المضاف له القمح.
وأكد عباس مسالمة المختص في الكيمياء الحيوية الطبية والبيولوجيا الجزيئية أن السيلياك مرض مناعي بالدرجة الأولى، وهناك كافة الخصائص والمعالم المرتبطة به لتسميته مرض، وبالتالي فهو ذو علاقة متينة بالجهاز المناعي.
وأوضح ان أعراض المرض تبدأ عندما يتهيأ الجهاز المناعي لمهاجمة بروتين البرولين، الذي من مشتقاته الجلوتين، حيث يتغير شكله في الأمعاء الدقيقة خلال عمليات الأيض.
وقال مسالمة في حديث لـ "الحياة الجديدة" ان نسبة الإصابة بالمرض عالميا تبلغ 1٪، وأن السبب الرئيسي للإصابة به غالبا ما يكون نتيجة وجود جين وراثي يحمله المريض، إلا أنه ليس شرطا ان تبدأ الفعالية الجينية لتلك الجين منذ ولادة الشخص، فربما ينتهي الإنسان من مرحلة النمو ويصل مراحل متقدمة من العمر وحينها تبدأ فعالية الجين ويبدأ المرض يظهر على صحة الانسان.
انزيمات تغيّر شكل البروتين وتستحث المناعة
وأوضح: "عندما تصل المادة الغذائية التي تحتوي على البروتين إلى الأمعاء الدقيقة، تبدأ الأنزيمات في تكسيرها، وتعمل على تغيير شكلها، ومنها الجلوتين الذي يتواجد في القمح، الأمر الذي يغيّر من شكله، وعملياً عندما يتغيّر شكل أحد البروتينات خلال عمليات الأيض، فإن ذلك يحرّك جهاز المناعة لمهاجمته.
وأضاف مسالمة أن جهاز المناعة يبدأ بمهاجمة البروتين في الأمعاء الدقيقة، ويبدأ معه الأثر على صحة المريض من خلال الالتهاب الناتج عن مهاجمة الانسجة، "وما يحدث عملياً بعد مهاجمة البروتين، سوء امتصاص العناصر الغذائية، وليس فقط الجلوتين، واذا ما استمر سوء الامتصاص يؤثر ذلك على بنية الجسم ويؤدي إلى أمراض أخرى كفقر الدم".
وتابع: التهاب الأمعاء الدقيقة وسوء امتصاص العناصر الغذائية يؤدي إلى حدوث اسهال شديد، وفقر الدم، وآلام في البطن ونفخة معوية مزعجة جداً للمريض، ومن المحتمل حدوث تقرحات في الفم، والأهم من ذلك تكون الأمعاء الدقيقة بيئة مهيأة لتكاثر البكتيريا". وأوضح أن بداية العلاج تبدأ من التشخيص المخبري والجيني وكذلك تشخيص لبعض الخلايا المناعية، وأن الحمية الغذائية تتربع على رأس هرم العلاج، مؤكداً أن الأبحاث الحديثة تقول إن هناك أساسا جينيا قويا جداً خلف المرض.
وتشير عبير إلى قرار شركة نسمات للأغذية بالأردن بتأمين الطحين الذي يتناوله المصابون بحساسية القمح الى الضفة الغربية بدلا من تكبدهم عناء السفر وتكاليفه إلى الاردن للحصول عليه. ويتوقع ان تقوم الشركة بفتح فرع لها في فلسطين يوفر جميع المنتجات الغذائية اللازمة للمصابين بالمرض. وتذكر عبير أن مختبر ميديكير يقوم باجراء فحوص الدم لأي مريض مصاب بـ"السيلياك" بتخفيض قيمته 20% بقرار من د. بشار الكرمي مالك المختبر. وتكلف الفحوصات التي يجب ان تجري كل شهر أو شهرين على الأكثر نحو 400 شيقل.
وتقول: توجهت لوزارة الصحة وتم عقد لقاء مع مدير الصحة د. سليمان الأحمد وطالبني بإعداد كتاب رسمي بالاحتياجات الخاصة لهؤلاء المرضى آملين الموافقة على مطالبنا.
وأوصت دراسة اعدتها أخصائية التغذية رشا شواورة، خلال دراسة الماجستير عن "العوامل المرتبطة بالالتزام بالحمية الخالية من الجلوتين بين مرضى السيلياك في الضفة الغربية عام 2015 " ببدء العمل من خلال القطاع الصناعي بتوفير منتجات غذائية خالية من الجلوتين ذات جودة عالية ونكهة جيدة وبأسعار مناسبة للمرضى وعائلاتهم، مع ملصق غذائي واضح.
كما اوصت من خلال دراستها القطاع الصحي بإنشاء قاعدة بيانات واضحة وعمل احصائيات دقيقة لحصر المرضى واعمارهم وتوزيعهم الجغرافي، والعمل على تدريب الأطباء ولفت انتباههم الى ضرورة التشخيص المبكر للمرض رغم تشابه أعراضه مع مشاكل صحية اخرى، والعمل على تدريب اخصائيي التغذية للتعامل بشكل كامل ودقيق مع الحمية الخالية من الغلوتين والتي تعتبر العلاج الوحيد للمرض.
ودعت شواورة المؤسسات المجتمعية الى عقد ورش توعوية للمرضى وأفراد المجتمع المختلفة لاعطائهم فكرة عن ماهية المرض وكيفية التعامل معه بشكل صحيح وانشاء مؤسسات ومراكز تعنى بالمرضى واحتياجاتهم.
مواضيع ذات صلة
لم يبق من الصحفي السمودي إلا صوته!
محافظة القدس: إصابات واعتقالات واعتداءات متصاعدة في عدة مناطق
"مراسلون بلا حدود": تضييق إسرائيلي متواصل على حرية الصحافة منذ حرب غزة
المجلس الوطني: أوضاع العمال كارثية في ظل الحصار والعدوان
"الغذاء والدواء" السعودية تُكمل استعداداتها لخدمة ضيوف الرحمن في موسم الحج
أبو هولي يبحث مع ممثل المنسق الخاص للشؤون السياسية أوضاع اللاجئين وتحديات "الأونروا"
الاحتلال يقتحم حي الثوري جنوب القدس ويعتقل شابًا