"فوضى" التأمين المجاني!
100 ألف تأمين مجاني تقريبا للمتعطلين عن العمل صدرت منذ آذار 2015 وحتى نهاية 2016

حياة وسوق- نائل موسى- يشكل الأول من آذار القريب، هاجسا لرابح عامل البناء الذي دخل حديثا الحادية والخمسين من العمر، خشية فقدان تأمين صحي مجاني منح له بصفته متعطل عن العمل وبموجبه تلقى وأفراد أسرته قليلة العدد الخدمات الطبية على مدى سنوات.
فقد رابح الذي يسكن قرية قريبة من رام الله عمله في إسرائيل بعد إعادة احتلال الضفة إبان الانتفاضة الثانية، ومتى احتاجت زوجته لمبيت في المستشفى وجهه أصدقاء وزملاء نقابيون إلى تأمين المتعطلين.
وعن آلية الحصول على تأمينه الأول يقول رابح: توجهت الى مكتب خدمات، وحصلت على الطلب مقابل 10 شواقل، وأرشدوني هناك الى طريقة تعبئة البيانات، وتوجهت به الى النقابة وسط رام الله مرفقا بكتاب من المجلس القروي يشهد بأنني لا أعمل، وحصلت على البطاقة خلال وقت قصير.
ومذاك، وبفضل عمله المتقطع في الورش برام الله وفي أراضي الـ 48 دون تصريح عمل والفوضى العارمة في نظام التأمين نجح رابح في تجديد بطاقته سنويا دون عائق او عناء يذكر، وحصل على تأمين من بين ما مجموعه أكثر من 320 ألف وثيقة استصدرت تراكميا منذ بدء العمل بهذا النظام، بضمنها ما مجموعه 100 ألف صدرت تراكميا في العامين الأخيرين ما يشير الى ازدياد الحصول على هذه الخدمة وبوتيرة لا تتناسب ومؤشرات القوى العاملة والبطالة في الضفة الغربية عن نفس الفترة.
وتواجه القطاع الصحي الحكومي بكل مرافقه من مستشفيات وعيادات ومختبرات ومراكز وطوارئ اكتظاظا وطوابير انتظار مواعيد في بلد بات أغلب أبنائه مؤمنين صحيا بشكل أو بآخر.
وتعد رسوم الاشتراك في التأمين الصحي الحكومي المتاح الانضمام اليه رمزيا مقارنة مع مثيلاتها في الدول، حيث بوسع الشخص تأمين أسرته برسوم تبدأ بـ 50 شيقلا ولا تتعدى 80 شهريا، وشبه مجانية مقارنة مع رسوم شركات التأمين، والتأمين الخاص التي تفرض ما لا يقل عن 1200 شيقل سنويا عن كل فرد في الأسرة، ما جعل عدد المنتمين للتأمين الحكومي يتجاوز نسبة الـ 90% من مجموع المؤمنين صحيا في الضفة.
ويقدر مسؤولون ان التأمين الصحي المجاني يستنفد 40% من موازنة وزارة الصحة، في وقت تشير تقديرات متفائلة الى ان ثلث المؤمنين لا تنطبق عليهم شروط العاطلين عن العمل، حيث ان نسبة منهم تعمل، او لديهم مصادر دخل جيد بضمنهم أصحاب محال مجوهرات ومصالح تجارية وخدمية وعقارات؟
وقوبل قرار مجلس الوزراء بخصوص إعادة تحديث البيانات لمنح التأمين الصحي للعاطلين عن العمل عبر آليات جديدة بحملات استنكار من قبل نقابات ومنظمات أهلية وأحزاب اعتبرت القرار إلغاء للتأمين في حملة انخرطت فيها وسائل الإعلام.
فوضى عارمة
ويقر القائمون على التأمين الصحي الحكومي بوجود فوضى عارمة متى تعلق الأمر بالتأمين المجاني للعاطلين عن العمل، مكنت المقتدرين من الحصول على قدر حاجاتهم من الخدمة الصحة دون ان يدفعوا من طاقتهم وسلبوا بذلك حقوق المحتاجين فعلا.
ويقر الفرقاء في النقابات والغرف التجارية والمجالس القروية والبلدية بوقوع أخطاء سمحت بفتح ثغرات للاحتيال نجمت عن التساهل في منح شهادة عاطل عن العمل، وتنسيب مستحقين في وقت اعتمدت فيه مكاتب العمل على آليات منقوصة بالتحقق فقط عبر سجلات ضريبة الدخل وتصاريح العمل وملكية مصلح تجارية، فيما هناك العشرات من الأعمال ومصادر الدخل قائمة في مصالح اخرى خارج هذه الحقول.
بيع وثيقة رسمية
وترافق "فوضى" التأمين الصحي المجاني، منذ الخطوة الاولى للحصول عليه، اذ تقدم مكاتب خدمات على سحب النموذج المتاح على مواقع الوزارة وطبعه على ورقه وبيعه لمن يطلبه لقاء 10 شواقل وربما اكثر، رغم ان النموذج هو في الواقع ورقة رسمية مروسة باسم وزارة الصحة، ولا يجوز بيعها علاوة على انه ثبت بالملموس ان هذه الوثيقة يمكن تزويرها ومهرها بالأختام والتواقيع. وتتحدث جهات رسمية في التأمين الصحي عن كشف واثائق تأمين مجانية موزورة تم تزوير الأختام والتواقيع عليها.
التأمين المجاني بالأرقام
ويقول مدير عام التأمين الصحي في وزارة الصحة الدكتور باسم الريماوي ان ما مجموعة 99933 تأمينا مجانيا للعاطلين عن العمل صدرت منذ آذار 2015 وحتى نهاية عام 2016، والرقم يشمل تراكميا وثائق التأمين الجديدة والمجددة خلال عامين وليس عدد الحاصلين عليها، اذ يمكن ان يكون الشخص على التأمين وقام بتجديده.
ومقارنة مع الأرقام السابقة حيث استفاد من هذه الخدمة منذ بدء العمل بها قبل 10 سنوات، وحتى آذار 2015 نحو 225 ألفا تراكميا، ما يشير الى ان ظاهرة الحصول على تأمين عاطل عن العمل في ازدياد.
ويقول الريماوي ان هذا الازدياد غير متناسب مع احصاءات الجهاز المركزي للإحصاء بشأن البطالة والقوى العاملة، علاوة على ما يكتشف باستمرار من تحايل في الحصول عليها وحتى تزوير التأمين دفعنا الى التقدم بطلب الى مجلس الوزراء لاقرار آلية جديدة تمكن المستحق فعلا من الحصول عليها ووقف الهدر في المال العام.
وتظهر ضخامة عدد متلقي هذه الخدمة مجانا اكثر بوجود نحو 70 ألف مؤمن مجاني آخرين نصفها الحالات شديدة الفقر عن طريق وزارة التنمية الاجتماعية. والــ 25 ألفا الأخرى موزعة بين أسر شهداء نحو 6300 أسرة، وأسرى 4000 أسرة، ومناطق مهددة بالتهويد والترحيل 12500 أسرة من ضمنهم البلدة القديمة في الخليل المحاصرة بإجراءات الاحتلال، ومعاقين وذوي احتياجات خاصة.
ترتيبات جديدة
ويرى الريماوي ان جهات عدة استغلت قرار مجلس الوزراء الصادر في 27 كانون الأول الماضي بهذا الشأن، لشن حملة ظالمة ومغرضة على حكومة الوفاق الوطني، ارتكزت على ادعاء كاذب بان وزارة الصحة الغت التأمين الصحي المجاني للمتعطلين عن العمل رغم ان القرار يتعلق بالبند الاول من النظام وينص على اعادة تحديث بيانات المستفيد وترتبيها بما يضمن وصولها الى كافة مستحقيها.
واضاف: توجهنا الى مجلس الوزراء بطلب تأجيل العمل بهذا القرار خشية الاضرار بالمؤمنين حيث لم تكن لدينا على الفور آلية ناجزة للتحديث، التي تدخل حيز التنفيذ مطلع اذار المقبل.
واوضح الريماوي انه درس حال هذه الخدمة على نحو معمق ومفصل منذ البداية وصولا الى حصول الشخص عليها ما اظهر الخلل الذي يعتريها واستغلال كثيرين لها للحصول على خدمة لا يستحقونها بالمجان.
والآلية السابقة حسب الريماوي كانت تقوم على الحصول على النموذج وتعبئته وإرفاقه بشهادة من المجلس المحلي او الغرفة التجارية بان صاحب الشأن متعطل ومن ثم يرسل الى النقابة ومن هناك إلى مكتب العمل في منطقته الذي يفحص في ضريبة الدخل وتصاريح العمل عن مصدر دخل وعليه يتم تنسيب الطلب دائما عبر وزارة العمل الى وزارة الصحة، وهي آلية أظهرت عقمها وإمكانية التحايل عليها.
وتابع: هناك عمال ومقاولون في المستوطنات وداخل اسرائيل يعملون دون تصاريح وهناك ملاك واصحاب مصالح تجارية يستولون على حقوق ويستنزفون الخزينة وموزانة وزارة الصحة التي تنفق 40% منها على التأمين المجاني.
وأضاف الريماوي: استنادا على تعديل الفقرة الأولى من القرار السابق يتوجب على العاطلين عن العمل المستفيدين من هذا التأمين المراجعة بدءا من الأول من آذار لإجراء تحديث بياناتهم، مؤكدا ان احدا لن يحرم من هذه الخدمة اذا كان يستحقها.
الغرفة التجارية الصناعية
وحول حصول تجار على شهادة تخولهم الحصول على تأمين صحي مجاني بصفتهم عاطلين عن العمل قال ماجد حسن، مدير الشؤون الادارية والمالية بغرفة تجارة وصناعة رام الله والبيرة: ان دور الغرفة محدد في هذا الجانب فيما اذا كان هذا الشخص مسجل لدينا كتاجر او منتسب للغرفة ونحن نعطي شهادة بناء على سجلات الغرفة. واضاف: هناك مؤسسات اخرى يمكن الرجوع اليها للتأكد من بعض البيانات فيما يخصر التجار.
وقال حسن: نجزم اننا لم نعط تاجرا ورقة بأنه عاطل عن العمل للحصول على تأمين صحي مجاني، نحن نعطي شهادة تفيد بأنه ليس تاجرا وليس عاطلا عن العمل، ولكن يمكن ويجوز ان يكون هناك تجار غير مسجلين في الغرفة التجارية.
الاتحاد العام لنقابات العمال
عضو الأمانة العامة للاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين المهنية محمد العاروري، قال ان هناك مشاورات واتفاقات بين النقابات والجهات الرسمية جرت بهذا الشأن ضمنت إعادة ترتيب وتنظيم شروط الحصول على تأمين صحي مجاني للعمال المتعطلين عن العمل والمستحقين فعلا وجرى "الاتفاق على نظام لمعالجة الفوضى".
وأقر العاروري ان النقابات كانت تتسلم الطلب وتنسبه وترفعه الى وزارة العمل في حال احضار المستفيد شهادة تفيد بأنه عاطل عن العمل، دون تدقيق او تمحيص في صحة المعلومة.
وأضاف: ربما أرادت بعض النقابات عبر هذه الخدمة تنسيب وضم المتقدمين للاستفادة منها بقصد توسيع العضوية وتنظيم العمال في النقابات، ويجوز ان هذه النافذة استغلها البعض للحصول على خدمة ليست من حقهم، واليوم نحن نعمل كي يأخذ كل ذي حق حقه، بعيدا عن التهويل والادعاء ان التأمين يجري إلغاؤه وحرمان عشرات الآلاف من العلاج، في وقت تزداد فيه البطالة ويتسع الفقر.
ائتلاف الحقوق الاقتصادية والاجتماعية
"ائتلاف الحقوق الاقتصادية والاجتماعية"، (يضم 55 مؤسسة أهلية واتحاد نقابي)، قال "إن القرار الحكومي سيؤدي إلى انكشاف مئات الآلاف من العاطلين عن العمل وأسرهم وهو إمعان في سياسة الجباية على حساب الفقراء" حسب قوله.
واعتبر الائتلاف ان القرار "يعني تراجع الحكومة عن التأمينات الصحية المجانية للعاطلين عن العمل ومن تقل رواتبهم عن الحد الأدنى للأجور (1450 شيقلا)، وأن إجراءات التقشف الحكومية بما فيها الإنفاق على القطاع الصحي تأتي دوما على حساب الفقراء والفئات الاجتماعية الأضعف في الوقت الذي تعفى فيه الحكومة أكثر من 400 شركة ربحية من دفع الضرائب وهذا دليل على غياب سياسات حكومية إستراتيجية عادلة" حسب قوله.
وتساءل الائتلاف: "لماذا لم تعمل الحكومة خلال الفترة الماضية على تحديث بيانات العاطلين عن العمل، لمعالجة ادعاءات سوء الانتفاع من قبل غير ذي حق"؟!
هل كل من لا يعمل يستحق؟
يقر الفرقاء بان هناك كثيرين لا يعملون بأيديهم، لكنهم يحققون دخلا من أملاك ونشاطات وأعمال غير مسجلة في أي من الدوائر الرسمية اعلى بكثير من نظرائهم العاملين وبوسعهم المساهمة بالقيل لقاء خدمة كبيرة ومكلفة.
مدير عام التشغيل في وزارة العمل رامي مهداوي قال: التعطل عن العمل ليس صفة دائمة، وليس مرضا عضالا يلازم الإنسان طوال حياته، هذه حالة متغيرة، قد تكون متعطلا اليوم وتعمل غدا، لكن البعض يعتبر ان ما حصل عليه وحتى وان كان بطرق ملتوية أصبح حقا مكتسبا، وهذا ما لا يمكن القبول باستمراره.
واضاف: لا أحد تحدث عن الغاء هذه الخدمة، ولا أحد يريد أو يقبل بالاحجاف بحقوق وصحة هذه الفئة الضعيفة، ما جرى هو إعادة ترتيب عبر تحديث البيانات ليحظى هؤلاء وكل مستحق تحديدا بالرعاية الصحية اللائقة، والمحافظة على المال العام وتوظيفه في أوجه عادلة لا ان يستولي عليه تجار ومقاولون استغلوا الإجراءات السابقة لانتحال صفة متعطل.
وقال مهداوي ان النموذج الجديد يضمن ايصال الخدمة لمستحقيها، دون المساس بأي مستفيد يثبت من خلال تحديث البيانات وفق النموذج الجديد انه عاطل عن العمل حيث سيحصل على شهادة بذلك من وزارة العمل وتقوم وزارة الصحة باعتمادها وإصدار وثيقة التأمين.
وقال ان النوذج الجديدة يخضع للمسات الأخيرة الآن، وسيتم العمل به في الأول من آذار، وهو قابل للتحقق والتدقيق بان مقدم الطلب متعطل عن العمل فعلا، ولا يملك دخلا معقولا يتأتى من مصدر آخر غير العمل كأجير، مثلا من عقارات واراضي تدر دخلا وقابلة للتصرف بها او سيارات ومكاتب وارقام اجرة، او شاحنات او معدات ثقيلة، او مصالح تجارية او صناعية وغيرها قد تكون مؤجرة للغير او زراعية تدر دخلا.
وأضاف ان المستفيد يقدم معلومات ويشهد بأنها صحيحة تحت طائلة المساءلة القانونية وسيتم التحقق منها عبر جهات الاختصاص جميعا (دائرة ضريبة الاملاك، ضريبة الدخل، الحكم المحلي، النقل والمواصلات، الاقتصاد الوطني، الزراعة، وغيرها كل فيما يخصه).
لا تعطيل
وحول اثر هذه الآلية على تعطيل وتأخر طلبات المستفيدين، قال مهداوي: عملنا جهدنا لتلافي أي تأخير فهناك لجان مشكلة في كل المحافظات وستجتمع مرة كل أسبوعين لمراجعة الطلبات والبت فيها، وسترفع قراراتها فورا للبت فيها وإصدار التأمين.
العمال الفقراء
وقال مهداوي: اضافة الى التأمين المجاني للعاطلين عن العمل، عملت الوزارة ضمن الترتيبات الجديدة على مشكلة التأمين الصحي للعمال الفقراء وأصحاب الدخل المحدود، بابرام اتفاق مع الاتحاد العام لعمال فلسطين، والاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين اواخر كانون الثاني الماضي يمكن هذه الفئة من الحصول على تأمين صحي بروسم مخفضة وتسهيلات في التسديد.
ويحدد الاتفاق رسوم التأمين السنوية بـ 600 شيقل، بواقع 50 شيقلا عن الشهر الواحد، ويتسم تقسيط المبلغ لهم على أربع دفعات متساوية مرة كل 3 شهور بواقع 150 شيقلا، إضافة الى رسوم تسجيل بقيمة 60 شيقلا تدفع لمرة واحدة على ان تصدر بطاقات التأمين الصحي التي تشمل أفراد أسرة العمال الذين ينطبق عليهم قانون التأمين الساري من مديريات الصحة في المحافظات.
الحالات المريضة المستعجلة
وحول تدارك الترتيبات لأمر الحالات المريضة المستعجلة قد تطرأ للعامل او احد أفراد أسرته، قال مهداوي: في هذه الحالة سنعمل على تسريع حصوله على بطاقة تأمين لقاء تسيد القسط حسب الاتفاق آنف الذكر، وهو مبلغ بالكاد يكفي لدفع كشف طبي وهو أمر نعمل على ايجاد حل ناجع له عبر تسريع الإجراءات، وتوفير حلول لكل حادثة غير متوقعه للوصول الى تأمين يقوم على العدل، ويأخذ من الناس شيئا حسب قدرتهم، ويوفر لهم كل حاجاتهم الصحية.
ترتيبات اراد كثيرون عدم فهمها، وإجراءات ربما لا تروق لرابح الذي يحقق دخلا عن عمله المتقطع في إسرائيل بين 4800 و6000 شيقل شهريا الا اذا تمكن من تجديد بطاقة تأمينه المنتهية.
مواضيع ذات صلة
الإحصاء: ارتفاع معدلات البطالة في قطاع غزة والضفة خلال 2025
الإحصاء: الرقم القياسي لأسعار المنتج يسجل ارتفاعا حادا
ارتفاع أسعار النفط مع تعثر إنهاء الحرب وإغلاق مضيق هرمز
الذهب ينخفض مع ارتفاع الدولار وزيادة مخاوف التضخم
الذهب يتجه لتسجيل خسارة أسبوعية
أسعار صرف العملات