العنف الأسري .. فقدان للأمان وأداة لتفكك المجتمع

نابلس - الحياة الجديدة- ولاء أبو بكر- "الساعة الآن السابعة صباحا، استيقظت لتغيير ملابسي للاستعداد للمدرسة وكالعادة صراخ يعلو زوايا منزلنا الصغير، الذي لا تنسى جدرانه المهترئة كل ما كان يلقى عليه من زجاج يكسر أو حتى لعبتي الصغيرة التي لم تسلم من تفريغ غضب والدي على بعضهما، كل من يراه في الخارج يعتقده مليئا بالحب والحنان، ولكن لا أحد يعلم أن منزلنا الصغير أصبح عنوانه العنف الأسري الذي يجدد مع كل صباح".. بهذه الكلمات المحزنة بدأ الفتى أحمد "16 عاما" يروي معاناته مع والديه حيث مشاكلهما الكثيرة التي لا تنتهي.
ويضيف: "ليش تزوجوا، على أي أساس قرروا يجبونا على الدنيا وهما مش متفقين، لمين أروح أشكي همي بعد اليوم".
ويتابع "مع كل يوم تكبر مشاكل أسرتي، أصبحت أكره الذهاب للمدرسة أو حتى مرافقة أصدقائي، أرغب دوما في الجلوس بمفردي للتفكير في أمر ما عله يكون حلا لمشاكلنا".
بحشرجة تملؤ صوته يقول أحمد: "لا أملك قوة لإبعاد أبي عن أمي، أقف عاجزا أمامها ولا أستطيع الدفاع عنها، فهو دائما القوي والمسيطر على العائلة".
زياد العرندي استاذ مساعد في الطب النفسي في جامعة النجاح الوطنية يقول: "أشكال العنف تكون جسمانية، أو لفظية، أو عاطفية، أو جنسية".
ويضيف: "كل تلك الأشكال تولد مشاعر عدائية تجاه الأب بالذات، عدا عن انحراف في سلوك الأبناء والاكتئاب والسرقة والقلق وتشتت الشخصية لدى الطفل، وعدم الانتظام الدراسي وممارسة العنف على زملائه في المدرسة والهروب منها أحيانا، والاعتداء على الحيوانات، فيصاب الطفل بالتوتر وانعدام الأمان وقلة الانتماء فيشعر بأنه وحيد في المجتمع، وقد يلجأ للمخدرات والكحول".
ويشير العرندي إلى ان ما يحدث في الآونة الأخيرة بسبب العنف هو "أن الطفل يعاني من أعراض جسمانية غير مفسرة كالمغص والصداع وقلة النوم والأكل، وعند البحث عن الأسباب العضوية لا نجد شيئا، إضافة إلى أن الطفل يعود لسلوكيات قديمة كالتبول اللاإرادي".
ويؤكد وجود عدة ضغوطات أدت إلى العنف في المجتمع منها السياسية والاجتماعية والاقتصادية وما ظهر حديثا وهي العولمة التي تلعب دورا كبيرا خاصة التلفاز وما يبثه من مشاهد عنفوانية.
وينوه العرندي إلى "أن الأطفال أذكياء ويراقبون وينقلون ما يحدث بين والديهم، لذلك أتمنى من الوالدين عند حدوث أي خلاف حلها على انفراد دون معرفة الأبناء لأنهم أمانة في أعناقنا ولنبني صورة حسنة أمامهم".
عروب جملة الأخصائية الاجتماعية في مركز تنمية موارد المجتمع التابع لبلدية نابلس تقول: "العنف الأسري من أخطر أنواع العنف لأنه يؤثر على أفراد الأسرة جميعا ويفقدهم الأمان، إذ أن كل فرد سيشكل عائلة في المستقبل، وبالتالي إذا كانت المؤسسة الأسرية مبنية على العنف، ستؤثر سلبا على بناء شخصية الفرد والمجتمع".
وتتابع: "كل ما يحدث في العائلة من عنف يؤثر سلبا على الأبناء، فيفقدهم جمالية الحياة، وتصبح نظرتهم لها سوداوية وغير مقبلين عليها، إذ ينجرفون لطريق الانحراف ومرافقة أصدقاء السوء، ومن المحتمل أن يصبح أحدهم مدمنا على المخدرات والكحول، ومنهم من يصاب باضطرابات نفسية وسلوكية ما يؤدي للاكتئاب واللجوء للعزلة".
وتؤكد جملة: "في حال وصلت العلاقة بين الأم والأب لمرحلة العنف الخطرة، فإننا نفضل الانفصال، لأنه في حال بقيا معا فإن هذا سيولد الإهمال للأبناء وستحدث مشاكل أكبر مما نتوقع، لأن الطفل الذي يعيش تحت وطأة العنف لن يكون قادرا على تقبل نفسه، فكيف سيتقبل الآخرين؟".
وترجح جملة أسباب العنف الذي نشاهده في المجتمع إلى البعد عن الإسلام الحقيقي وعن الأخلاق أيضا، منوهة إلى "ضرورة تنقية القلب من البغضاء والحقد والكراهية، لتنتشر المحبة والتسامح فيما بيننا".
وتنهي جملة حديثها بالقول: "نصيحتي دائما أن يكون هناك دفئ داخل الأسرة، من خلال التعبير عن العواطف والمشاعر أمام الأبناء ونخبرهم بحبنا لهم، ويكون هناك احترام بالحوار والحكمة في التعامل، بعيدا عن الصراخ".
سعاد حسن المرشدة الاجتماعية في جمعية الدفاع عن الأسرة تقول: "نستقبل الكثير من الحالات المعنفة سواء الأم أو الطفل، فنحاول دائما أن ننقل الطفل من بيئة معنفة لبيئة أكثر دفئا وأمان".
وتضيف "العنف لا يقتصر على الأبناء أو الأم فقط، بل هناك عنف ضد الرجل أيضا يتمثل بإهانته من زوجته أو أبنائه خاصة إذا كان يعاني من عجز جسدي، فمن الممكن أن يتلقى منهم الشتائم أو التقليل من شأنه وعدم احترامه، وبعض الأحيان قد يحجر عليه وتؤخذ أمواله إذا كان كبيرا في السن، فبعض الرجال يشتكون من نسائهم لإهمالهن شؤون المنزل أو الأطفال".
وتنوه سعاد إلى دور جمعية الدفاع عن الأسرة في الحد من ظاهرة العنف الأسري قائلة: "هناك عدة برامج نطرحها على الوالدين منها التوعوية والبرامج الوقائية لتثقيفهم حول احتياجات الأطفال وكيفية بناء أسرة سعيدة بعيدا عن العنف، ما يعكس إيجابا على المجتمع ويصبح سليما".
مواضيع ذات صلة
لم يبق من الصحفي السمودي إلا صوته!
محافظة القدس: إصابات واعتقالات واعتداءات متصاعدة في عدة مناطق
"مراسلون بلا حدود": تضييق إسرائيلي متواصل على حرية الصحافة منذ حرب غزة
المجلس الوطني: أوضاع العمال كارثية في ظل الحصار والعدوان
"الغذاء والدواء" السعودية تُكمل استعداداتها لخدمة ضيوف الرحمن في موسم الحج
أبو هولي يبحث مع ممثل المنسق الخاص للشؤون السياسية أوضاع اللاجئين وتحديات "الأونروا"
الاحتلال يقتحم حي الثوري جنوب القدس ويعتقل شابًا