عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 11 شباط 2017

قوموا واخرجوا من بين شعبي

هآرتس – جدعون بيكر (بروفيسور في الجغرافيا)

في موعظة الاسبوع الأخير، قيل ان فرعون ملك مصر قال لموشيه وهارون "قوما واخرجا من بين شعبي، أنتما وبني اسرائيل ايضا". أدت هذه الدعوة الى انفصال بين اسرائيل عن مصر وبداية تشكلهم كشعب. "وآخذكم لي شعبا، واكون لكم ربا". يبدو أن في هذه الدعوة يكمن حل للنزاع على بلاد إسرائيل، والذي يتواصل منذ مئة سنة، ويشغل بال سكان البلاد واحيانا العالم له.

منذ بداية وجود الحركة الصهيونية ثار النقاش حول الملكية والسيادة على الأرض، التي كانت تسمى في عهد الحكم البريطاني "بلاد اسرائيل" على لسان اليهود، و"فلسطين" على لسان العرب. كل طرف رأى نفسه مرشحا لان يكون صاحب السيادة، بينما يكون الطرف الاخر تابعا لسيادته. وقد عرضت اقتراحات كثيرة لحل النزاع، من السيادة المشتركة وحتى تقسيم الأرض بين الحركتين القوميتين.

لقد طرحت فكرة التقسيم بتوصية لجنة رسمية بريطانية (لجنة بيل) منذ 1937، وبعد ذلك في قرار التقسيم للامم المتحدة في تشرين الثاني 1947. كلاهما، التوصية والقرار، قام على اساس المبدأ الذي يقول ان الأراضي المسكونة في اساسها باليهود تكون في الدولة اليهودية، والأراضي التي يسكن فيها العرب تكون في نطاق الدولة العربية. كما أن هذه الفكرة ثابتة في اساس الصيغة المعروفة كـ "دولتين للشعبين".

المشكلة المركزية في كل هذه المشاريع هي أنها جزئية، لانه في كل اقتراح تبقى بلدات وسكان احدى القوميتين في نطاق الدولة القومية الاخرى. في مشروع التقسيم للامم المتحدة في 1947، كان يفترض بنحو 300 ألف عربي في عشرات البلدات أن يبقوا في نطاق الدولة اليهودية، ونحو 20 بلدة يهودية (4 بلدات غوش عصيون، بلدات الجليل الغربي وغيرها) وفيها نحو 20 الف يهودي، كان يفترض أن يبقوا في الدولة العربية.

حرب الانبعاث ("النكبة" بالتعبير العربي) أدت الى تقسيم مختلف للبلاد. فما بقي في نطاق دولة اسرائيل نحو 150 الف عربي، ففي مناطق الضفة الغربية التي "احتلها" الأردنيون، وفي منطقة قطاع غزة، التي "احتلها" المصريون، لم تتبق حتى ولا بلدة يهودية واحدة ولا مقيم يهودي واحد.

هذا التقسيم استمر على مدى 19 سنة. حرب الايام الستة والاستيطان اليهودي المتفرع في مناطق "يهودا والسامرة" (وفي قطاع غزة حتى حل الاستيطان هناك في 2006) خلق واقعا مشابها لعهد الحكم البريطاني، تكون فيه بلدات يهودية وعربية في كل المجال، الذي تسيطر عليه عمليا دولة واحدة – إسرائيل.

على مدى العقود الأخيرة طرحت اقتراحات مختلفة على نمط "دولتين للشعبين" ولكنها كلها رفضت اساس بسبب حقيقة مركزية واحدة: كلها كررت فكرة التقسيم، دون خلق دولتين قوميتين واضحتين. كما أن محاولة اقتراح نقل "كتل الاستيطان" اليهودية الى نطاق دولة اسرائيل مقابل نقل اراض بحجم مشابه، مسكونة بالعرب او خالية من الناس، الى الدولة الفلسطينية، كانت ستبقي نحو 70 الف يهودي أو أكثر في عشرات البلدات، التي كانت حاجة لاخلائها ونقلها الى نطاق دولة اسرائيل، كي تنشأ دولة قومية عربية فلسطينية. ولكن، في دولة اسرائيل كان سيبقى سكان من نحو 1.5 مليون فلسطيني، معظمهم – ولا سيما المسلمين منهم – لا يقبلون جوهر الدولة اليهودية ورموزها، ولا يكون معظم الجمهور اليهودي مرتاحا من وجودهم في داخل الدولة القومية اليهودية.

وعليه، فلتقم دولتان قوميتان، دولة إسرائيل والدولة الفلسطينية، وتعلنان "قوموا واخرجوا من بين شعبي". بمعنى، نصف مليون يهودي يتواجدون في اراضي الدولة القومية الفلسطينية العتيدة، ينتقلون الى دولة اسرائيل – دولة القومية اليهودية، وكل الفلسطينيين الذين يعيشون في دولة إسرائيل اليوم، باستثناء الدروز، المسيحيين والشركس، ينتقلون الى نطاق الدولة الفلسطينية.

هذه الانتقالات تتم سواء بتبادل الأراضي – منطقة "المثلث" ووادي عارة (ناحل عيرون) تنتقل الى الدولة الفلسطينية بسكانها، مثل كتل الاستيطان المحاذية للخط الاخضر، التي تنتقل الى دولة اسرائيل. الاخرون ينتقلون – سخنين الى اريئيل، وعرابة الى عمانويل وهكذا دواليك. هؤلاء يحصلون على مناطق واراضي اولئك، او تعويض كامل عن ممتلكاتهم من الأرض، اذا لم يرغبوا في ذلك.

واضح ان مثل هذه الخطوة ستمس بالحياة الطبيعية لاكثر من مليون نسمة، ولكنها ستؤدي في نهاية المطاف الى تنفيذ قاعدة "دولتين للشعبين" بكامل معناها. في أرض بلاد اسرائيل الانتدابية تقوم دولتان، واحدة دولة الشعب اليهودي وفيها أقلية درزية مسيحية، والثانية دولة قومية فلسطينية، لا تكون فيها بلدات يهودية على الاطلاق.

فهل يمكن لاحد أن يأخذ بتحدي هذه الخطة، التي نفذت في الماضي في دول كثيرة؟ سيدعي المحتجون بانعدام الانسانية بل وبالعنصرية، العالمية أو المبطنة. ولكن من ينظرون الى بعيد، سيرون دولتين قوميتين، محاذيتين الواحدة الى الاخرى، وتقيمان حياة تعاون وسلام في ظل الحفاظ على الهوية القومية لكل واحدة منهم.