عاجل

الرئيسية » اقتصاد » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 31 كانون الثاني 2017

التحطيب العشوائي... كارثة بيئية

حياة وسوق- نائل موسى وجمال عبد الحفيظ- لأبي إبراهيم بلوط الرجل الثمانيني من قرى غرب رام الله نصيب وافر من اسمه، يتمثل في عشقه لأشجار البلوط والخروب والقيقب والصنوبر التي زينت جبال وأودية المنطقة، وفي أساه على اختفائها بفعل مناشير حطابين قساة يرسلون خشبها إلى المواقد دون رحمة. 

 ويقول كنت صبيا ربما في العاشرة عندنا بدأت علاقتي مع هذه الأشجار البرية الجميلة، ارسلتني امي لإحضار قرون الخروب البنية الممتلئة، تعد لنا منها شرابا وحلوى مهلبية لذيذة "كنا نسميها خبيصة" وفي الشتاء كنت وأصدقائي نجلب جوز البلوط  الكبير نشوية على "الكانون" عوضا عن الكستناء التي لم نكن نعرفها ونتسلى باكواز الصنوبر كل ذلك غدا ذكرى.

 ومثل آلاف يقول بلوط، كانت هناك مئات الاشجار من هذه الاصناف لا ادري ان احدا غرسها او نمت في الطبيعة وحدها، وما اعرفه ان هذه الاشجار كانت ملكا للجميع يتمتعون بثمارها وظلها وجمالها وتحتها كنا نستمع بتغريد العندليب والحسون.

 وتابع بألم: كنا نسمي اشجار البلوط هذه "لولب" وكنا نطلق عليها اسماء مجلية وندعي كأطفال ملكيتها لنفسنا ونتشاجر اذا ما حاول احدهم تسلق او ايذاء شجرتك، وبقيت هذه الاشجار الباسقة تنمو وتكبر ونحن نتقدم في السن ونزيد الذكريات تحتها.

واضاف مؤخرا اهتدى  حطابون جدد  اليها،  وقاموا بقطعها من اسفل الساق الواحدة تلو الاخرى بمناشير يدوية كبيرة  تعمل بالديزل، فتجارة الحطب أضحت رائجة ومربحة مع انتشار مدافئ الحطب في ظل ارتفاع أسعار الكهرباء والغاز والسولار والكاز، والغريب ان احدا لا يحاسبهم فهذه الاشجار خارج المساحات والغابات المحمية.

تشكل المساحات والمناطق الخضراء في فلسطين وسائر الدول ثروة بيئية، واقتصادية ومصدر استقرار وأمن، لدورها الحيوي في تأمين حياة واستمرارية الناس، من خلال توفيرها الغذاء للسكان، ومواشيهم، والجمال في الطبيعة، والراحة في النفوس، لكن كثيرين لا يرون من ذلك كله غير انها مصدر اني للخشب  يحصلون عليه بوسائل بشعة تؤدي إلى اندثارها والقضاء على البيئة.

وفي الضفة الغربية يكاد يقتصر انتشار الغابات والاحراش  بشقيه التام والجزئي في مساحات تستحوذ 115 مستوطنة احتلالية على 80 ألف دونم منها، فيما تقع الباقي في المنطقة المصنفة "ج" ويخضعها الاحتلال لسيطرته التامة بحسب احدث ارقام وزارة الزراعة الفلسطينية.

وتشير الشواهد الى الغابات والاحراش التابعة لوزارة الزراعة تكاد تكون محمية ومؤمنة من التحطيب الجائر، الذي يستهدف اكثر الأراضي الخاصة والمساحات غير الزراعية  وتطال مناشيره وفؤوسه حتى الزيتون واللوزيات وغيرها من الأشجار المثمرة في العتمة خلسة.

انتشار مدافئ الحطب

 ويقول سائد احمد عبد الله انه قرر شراء مدفأة تعمل على الحطب اسوة باصدقائه وجيرانه نظرا  لارتفاع اسعار المحروقات من جانب كونها تشيع الدفء في البيت اكثر من سواها من وسائل التدفئة وتجلب المتعة والسرور حولها.

ويقول انه يشتري  قبل حلول الشتاء 2 طن من الحطب "القرامي" ويحتاج الى نحو طن ثالث كل موسم، حيث تحرق هذه المدفأة بين 5 و8 كغم في اليوم تبعا لوقت التشغيل.

 ويقول انه يشتري الطن الواحد بنحو 800 الى 1200 شيقل حسب النوعية حيث الزيتون هو الاعلى سعرا بينها، اضافة الى شراء خشب من المناجر للاشعال والمساعدة على الاشعال بسعر نحو 10 شواقل للكيس الواحد، فيما يباع  طن من قوالب الجفت لهذا الغرض بسعر يبدأ بـ 600 شيقل.

وتشير اعمدة الدخان والروائح المنبعثة من المداخل الى انتشار هذه النوع من وسائل التدفئة الذي بات متاحا للجميع مع اقدام اغلب ورش الحدادة على انتاج انواع جيدة بسعر يتراوح بين 500 و800 شيقل للواحدة مقارنة مع نظام "الفير بليس" الذي قد تصل تكلفته الى 30 الف شيقل ولا يقل عن 13 الفا.

 ولتوفير الوقود لهذه الوسيلة يلجأ المواطن إلى التحطيب غير الرحيم  في البرية وحتى من حقولهم سواء بقطع جزئي جائر او قطع الأشجار من أسفل ساقها، الأمر الذي يؤدي إلى موت الشجرة وتحوليها الى وقود لمواجهة البرد القارس.

مهنة تجارة رائجة

 ومع زيادة الاعتماد على الخشب في التدفئة وزيادة الطلب عليه تحول التحطيب الى مهنة وبيعه تجارة رائجة تفعل كل شيء للحصول كميات كافية تسد الطلب المتزايد ولا تخلو من الجشع واستغلال الناس والطبيعة.

زياد نواف ماضي صاحب مخبز حديث يقول نزولا عند رغبة الزبائن  أقمنا مخبزا يعمل على الحطب مخصص أكثر للطهو والمعجنات، الكثيرون يرون في هذه الطريقة عودة الى الأصل والايام الجميلة ايام الطابون وفرن الحطب.

 ويفضل ماضي حطب الزيتون رغم ارتفاع سعره وفي حال شح الزيتون لا بأس في البلوط واللوز والخوخ شاكيا من جشع واستغلال تجار الحطب خصوصا في فصل الشتاء حيث يزداد  الطلب.

ويقول انه يستهلك طنَّين من الخشب أسبوعيا مضافا اليها الجفت والخشب الصناعي بكلفة تصل الى 2000 شيقل، وهو مبلغ يقل بنحو 1000 شيقل على فاتورة الكهرباء عن نفس الفترة.

 مزارع وحطاب معا

المزارع ايمن نصر من قراوة بني زيد يملك مزرعة ومنشارا لقص الحطب، يقول ان الزراعة موسمية ولإعالة أسرته اتخذ من مهنة التحطيب مهنة قال انها توفر له في الايام الجيدة 3.

ويقول ان خشب الزيتون هو الأجود وهو المطلوب في السوق ويبع الطن منه بـ 850 شيقلا للنار ويصل الى 1100 لصناعة التحف فيما يباع طن البلوط بـ 600 شيقل واللوز بـ 500

 ويقر نصر بوقوع اعتداءات قطع على حقول المزارعين واستهداف أشجار الزيتون لكنه يقول انه مزارع قبل أي شيء ويقدر قيمة شجرة الزيتون وما تعنيه لصاحبها وللأرض.

تجار الجملة

 ريان ابراهيم تاجر ذو خبرة طويلة في هذا المجال ويعرف في سوق الحطب باسم ابو ابراهيم ويقول "خشب الزيتون هو الأفضل والأعلى سعرا الكل يتطلع اليه كونه ينتج لهبا أكثر ولمدة أطول ويباع الطن منه ابتداء من 1000 شيقل مقطع وجاهز للاستعمال".

وخشب الزيتون ايضا يحضر للتحف والهدايا بسعر اعلى واخر لاعمال الرسم والنحت  يتراوح سعر الطن منه حسب النوع بين 1000 و1500 شيقل.

 فيما نشتري الطن من خشب البلوط واللوزيات بـ 450 شيقلا ونبيعه بـ 700 شيقل.

ابو إبراهيم اقر بإقدام حطابين وأصحاب مناشير بالتعدي على حقول الزيتون وقطع أشجار لمواطنين في غيابهم رغم تحذيرات وزارة الزراعة.

وقال انه شخصيا ينفذ تعليمات الوزراة ويرفض شراء أخشاب لا يحمل بائعها الأوراق المطلوبة وشهادة ارسالية، وبالتالي ضمان ان هذه الأخشاب تم الحصول عليها او قطعها بطريقة قانونية وغير مخالفة.

التحطيب العشوائي: كارثة بيئية

ويرى مدير عام الغابات والمراعي في وزارة الزراعة المهندس حسام طليب، ان التحطيب الجائر والعشوائي وغير المشروع يمثل مشكلة خطيرة يطال أثرها القطاع الزراعي برمته والبيئة، تتهدد بتحويل المساحات الخضراء إلى أرض جرداء، والوزارة تعمل جهدها لمنعها وزيادة المساحات المزروعة بالغابات والخارج ضمن سياسة وخطط ثابته.

 وأوضح ان هناك 90 الف دونم مغطاة الان بالكامل بالغابات فقط 30 الفا منها تقع ضمن مناطق أ وب، والباقي مصنفة مناطق ج يسيطر الاحتلال عليها بالقوة ويمنعها من القيام بمسؤوليتنا حاليا.

واضاف فيما يتعلق بكامل المساحات ضمن سيادة السلطة الوطنية وزارة الزراعة تسيطر على الوضع تماما والاشجار محمية بنسبة 95% ولا يوجد هناك تحطيب او قطع او تعديات باستثناء ما تقرره الوزارة للضرورة ولمصلحة نماء وتطور هذه الغابات حيث نطرح عطاءات مثلا لقطع اشجار تعرضت لحرائق او تحطمت بفعل العوامل الجوية او لاغراض التخفيف والتقليم والتشذيب بعد ان نحدد الأشجار بدقة وتتم العملية بوجودنا واشرافنا الميداني المباشر.

واضاف "مشكلة التحطيب الجائر والعشوائي تقع اغلبها في مناطق ج وفي الأراضي الخاصة، ونحن نرسل طواقمنا الى الغابات والاحراج في مناطق ج رغم عرقلة الاحتلال، لمنع هذه الاعتداءات فهي ارضنا وهذه احدى ثرواتنا.

 وقال حتى في الاراضي الخاصة يتطلب قطع الاشجار حصول اصحابها على اذن خاص من الوزراة ونحن نراقب ونتابع وهناك 33 طوافا في الميدان يتجولون ويراقبون ويضبطون.

وقال طليب الوزارة تتشدد في قطع الاشحار وقطع زيتون رومية على سبيل المثال يتطلب موافقة من الرئيس محمود عباس.

وتابع "ليس ذلك وحسب نحن نضيف 2000 دونم من الغابات والاحراش في الاراضي الحكومية نزرعها سنويا على حساب الخزينة العامة وتبلغ نسبة النجاح فيها 85%، ولدينا لهذا الغرض 5 مشاتل تنتج غراس حرجية وزينة ومثمرة نزرع منها ضمن مشروع تخضير فلسطين ونوزع لغرض الزراعة على المؤسسات والمزارعين.

وأضاف "الى جانب الطوافين وجهود الوزارة الأخرى  تقوم سياستها على إشراك المجتمع المحلي من مجالس ومواطنين ومؤسسات وجعل هذه الغابات تعود بالمنفعة المباشرة على الناس والمجتمع ما يعزز لديهم الشعور والرغبة بحمايتها".

وقال لهذا الغرض نسمح لأبناء المنطقة بقطف ثمار هذه الغابات والانتفاع بالحطب الناتج عن التقليم والتحطم الطبيعي ونوظف أشخاصا من المجتمع القريب للقيام على حاميتها ونفتح المراعي متى تكون جاهزة لمواشيهم ولمسنا ثمرة هذه السياسة وهذا التعاون الذي باتت في ظله تفوق 95%.

 وقال نحن نحارب التحطيب غير القانوني بشتى الوسائل وعلاوة على المراقبة وضبط المخالفين والأخشاب والمركبات، نحن نفرض رسوما بقيم 10 شواقل عن كل طن من الحطب الفلسطيني ونفرض 5 شواقل فقط على الإسرائيلي لتشجيع جلبه من هناك، وربما البحث في إمكانية استيراد الحطب من الخارج. 

 وتابع "نقل حطب وبيعه يتطلب وجود إرسالية والحصول عليها مرتبط بمعرفة مصدر الخشب وطريقة الحصول عليه وهناك من احيلوا الى القضاء على خلفية القطع الجائر والاتجار غير المشروع بالحطب".

 سياسة وإجراءات يريد البلوطي ان يلمس غطاء الأرض نتائجها، وان يمد الله في عمره ليجلس  مجددا تحت بلوطة جديدة تجلب الهواء العليل وتغريد البلابل.