عاجل

الرئيسية » اقتصاد » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 23 كانون الثاني 2017

هل تعايشت السلطة مع تقلص المساعدات الدولية؟

حياة وسوق- ابراهيم ابو كامش - كشفت ميزانية العام المنصرم عن استمرار حالة التراجع في المساعدات المالية الدولية للسلطة الوطنية الفلسطينية، وهي ظاهرة بدأت منذ عدة سنوات، فيما ينقسم المراقبون في تحليل أسبابها بين من يعتقد انها ناجمة عن المنافسة الشديدة على المنح الدولية في ظل الصراعات والحروب الأهلية في المنطقة وما نجم عنها من مآس انسانية، وآخرون يرون أنها انعكاس لتسلل اليأس الى المانحين من أن أموالهم ستؤدي في نهاية المطاف الى قيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل في ضوء الحقائق التي يفرضها الاحتلال على الأرض.

ويتوقع ان تكون المساعدات الدولية كما تتوقع موازنة العام 2017 بحدود 600 مليون دولار، علما ان معدل قيمة هذه المساعدات ما بين الاعوام 2007- 2013، كان 1.1 مليار دولار. وبدا خلال السنوات الاخيرة ان هناك انتقالا تدريجيا في الاعتماد على الزيادة المتحققة في ايرادات المقاصة التي تجبيها اسرائيل نيابة عن السلطة، وعلى نمو الجباية المحلية بشكل ملحوظ، بدلا من المنح الخارجية. فهل تعايشت السلطة الفلسطينية مع الواقع الجديد؟

ويقول وزير المالية والتخطيط شكري بشارة: ان هناك توجيها للمساعدات الدولية تجاه دعم الأجندة الحكومية بالأخص دعم الموازنة والمشاريع التطويرية لتنسجم مع الخطة الاستراتيجية للحكومة، وحث المانحين على تعزيز التنسيق فيما بينهم لضمان عدم التقاطع والتضارب بين برامجهم المختلفة وبهدف الاستفادة القصوى من التمويل، اضافة الى الإسراع في عملية إصلاح موازنة البرامج والأداء وذلك من خلال التركيز، بكثافة، على عدد معين ومختار من الوزارات.

وأوضح أن أحد التطورات الأخرى على الوضع المالي، يتمثل في تسلم الإدارة الأميركية الجديدة لمهامها، وتأثير سياساتها على الساحة الدولية بشكل عام، والملف الفلسطيني بشكل خاص، بالتالي هناك تساؤلات عن المواقف التي يمكن أن تتخذها القيادة وتأثيراتها على الخريطة المالية.

وبدوره يقول مدير عام الموازنة د. فريد غنام: "من الواضح تماما ان هناك تدنيا مطردا للدعم الخارجي بالنسبة للموازنة سواء فيما يتعلق بالدول العربية والاسلامية والدول الاجنبية أيضا، وفي سنة 2013 كان الدعم الخارجي يمثل 10% من الناتج المحلي الاجمالي، لكنه يمثل حاليا 4,7% من الناتج المحلي الاجمالي في حين ان الدعم الخارجي كنسبة من الموازنة ايضا كان في سنة 2013 عبارة عن 32% وانخفض الآن الى 14% فقط".

وتابع: "كان متوسط الدعم الخارجي من سنة 2007 الى 2016 هو مليار و43 مليون دولار، وفي سنة 2008 كان كان اكبر دعم 1,763 مليار دولار انخفض هذا الدعم في 2016 الى 613 مليون دولار".

فيما يتوقع مدير البحوث في معهد ابحاث السياسات الاقتصادية "ماس" د. سمير عبد الله، ان المساعدات المالية الدولية للسلطة الوطنية ستبقى ضمن المستوى السنوات الثلاث الماضية، وتوقع ان يطرأ عليها تحسن طفيف، "كانعكاس لروح التضامن مع القضية الفلسطينية، فالقرارات التي اتخذت دوليا في مجلس الأمن وبمؤسسات الامم المتحدة الاخرى ومؤتمر باريس، قد يساعد في دعم شعبنا، وبالتالي زيادة المعونات بما في ذلك  تلك المخصصة للموازنة العامة". ويعتقد د. عبد الله ان الدول التي صوتت لصالح فلسطين في مجلس الامن من اجل حماية حل الدولتين تجد نفسها في حرج في حال امتنعت عن تمويل نفقات السلطة.

ويرى استاذ الاقتصاد في جامعة بيرزيت د. نصر عبد الكريم، ان مسألة ممارسة ضغوط اقتصادية ومالية محسومة، لانها تتعارض مع ما يبذل من جهد بحثا عن تسوية سياسية، في ظل ترسخ قناعة العالم بان ملف الشرق الاوسط، "الصراع الاسرائيلي الفلسطيني" يجب ان يحسم ويصل الى تسوية تاريخية لان هذا الجرح مفتوح ومصدر قلق وتوتر في المنطقة، ويبدو انه يستحوذ على اهتمام الشعوب العربية كلها، ولا يزال في الصدارة، ولذلك فان مؤتمر باريس وقرار مجلس الامن السابق، يشيران الى وجود ادراك متزايد يدفعنا للقول ليس الوقت مناسب لاتخاذ اجراءات عقابية بحق الفلسطينيين الان اثناء البحث عن تسوية.

ويرى وزير الاقتصاد الاسبق مازن سنقرط ان "المجتمع الدولي يدرك ان ما يقدمه من دعم مالي هدفه الاستقرار في المنطقة وليس التنمية، وبالتالي فإن المساعدات الدولية لن تتوقف".

ويتوقع سنقرط، ان يكون هناك سخاء من المانحين في الدعم لشعبنا والسلطة، على الرغم من التقنين المتدرج للدعم الذي شهدته السنوات الثلاث الاخيرة، لكنه يرى انه في 2017 بالتحديد "لن يكون هناك تغيير جوهري في الدعم الاقتصادي والمالي". وذلك على اثر قرار مجلس الامن الاخير ومؤتمر باريس فكلاهما يتحدثان عن مزيد من دعم شعبنا اقتصاديا وماليا، لكون هذا المسار يعد احد وسائل بث السيادة الفلسطينية على الارض وتمكين الشعب من العيش بكرامة وتخفيض البطالة وتعزيز قدرات السلطة في الأبعاد الاقتصادية والامنية والوظيفية وغيرها.

اما أمين سر المجلس التنسيقي لمؤسسات القطاع الخاص م. ابراهيم برهم فانه يتوقع استمرار الدعم الخارجي، لكنه اشار بوضوح الى وجود تناقص فيه، وقال: "علينا ان نرفع عالم المخاطرة فيه وعلينا الا نقبل بالانخفاض التدريجي للدعم حيث يجب ان تمارس القيادة والحكومة ضغط كبير على الدول المانحة لضمان استمرار دعم موازنة الحكومة والمشاريع التطويرية، لان نسبة البطالة عالية والاحتلال ما زال جاثما على ارضنا وهو اكبر معيق للتنمية، والحكومة لا تستطيع تخصيص حجم كبير من الموازنة للمشاريع التطويرية رغم التحسن في هذا الاداء، وبالتالي يجب الضغط على الدول المانحة للاستمرار بالدعم وتحسينه". 

اموال  المانحين لم تعد العامل الحاسم في الاستقرار المالي للسلطة

ويعتقد د. عبد الكريم ان الارتهان الاكبر اليوم انتقل من المانحين الى اسرائيل عبر المقاصة التي تمول نفقات السلطة بنسبة 75%، ولذلك لم تعد المساعدات العامل الحاسم في تقرير الاستقرار المالي والاستدامة المالية للسلطة، ولن نشهد تصدع في العملية الاقتصادية ولا تراجع في المساعدات اكثر مما هي عليه.

وواحد من الحقائق التي تكرست في آخر سنتين كما يراها د. عبد الكريم "بان السلطة يبدو لها التعايش مع انخفاض المساعدات وحتى مع غيابها، ففي السابق كانت المساعدات تغطي ما يقارب 40% من نفقات السلطة، تراجعت الى أقل من 14% ولذلك استطيع القول بان السلطة تكيفت مع ما يسمى بانخفاض المساعدات ويمكنها التعايش معها في حال غيابها، وبذلك نقلت السلطة نقلت الاعتمادية الاكبر في ايراداتها على المواطن، فلم يعد وزن المساعدات هو الحاسم اذ اصبحت الايرادات الذاتية هي الاساس في تمويل النفقات التي بات يمولها المواطن، وعليه فان قدرة المواطنين على استمراره في دفع الضرائب مهم".

ولا يختلف سنقرط مع د. عبد الكريم، حول تعزيز السلطة الوطنية قدراتها المالية داخليا من خلال الجباية المحلية والمقاصة ورفد خزينة الدولة، بالتزامن مع تقليل النفقات، وبالتالي فانه قال: "ما بين الادارة المالية للسلطة من ناحية وتخفيض الدعم الخارجي لن يقل عن ما هو موجود، بالاضافة الى الايراد الجديد من ترخيص شركة الاتصالات ما ادى الى ايراد مبلغ ليس بسيطا لخزينة الدولة وهو ما يدركه المانحون، لكن وفي كل الاحوال فان التخفيض سيبقى على ما هو عليه".

الصراعات في المنطقة ليست مبررا لتخفيض المساعدات

ولأن ما يقدم للفلسطينيين هو الفتات على حد وصف د. عبد الله، مما تبذله وتقدمه الدول الاخرى لأغراض غير ايجابية ضمن التدخل في الصراعات في المنطقة، ولذلك فانه لا يعتقد ان المبلغ المقدم من المانحين وهو 700 مليون دولار كحد ادنى سيختزل وتخفيضه عن الحد الادنى، ودون ذلك يعني تنكر لكل المبادئ والقيم بعدالة القضية الفلسطينية وباهمية دعم شعبنا.

بينما قال سنقرط: "صحيح ان لدى دول العالم اولوياتها في تقديم مساعداتها الانسانية للاجئي سورية واليمن والعراق وغيرها، ولكن ستبقى لفلسطين خصوصية لان اسرائيل جنبنا وسيبقى العالم ينظر لهذه المنطقة نظرة خاصة، لكننا نحن كفلسطينيين علينا ان نبقى نقحم العالم بامواله لكي تبقى فلسطين حاضرة من خلال سياساته الخارجية ممثلة في البرلمانات والمصادقة على الدعم المالي لفلسطين، لان المجتمع الدولي يبقى مسؤولا عن حل المعضلة السياسية للقضية الفلسطينية". 

ومع اقرار م. برهم، بتأثر الدعم جراء الصراعات الاقليمية الا انه شدد على ما تعانيه فلسطين من احتلال وليست دولة مستقلة، مع ضرورة تفهم توجه المانحين لمخاطر كبرى في العراق وليبيا وسورية واليمن، "لكن المشكلة في فلسطين انها ما زالت ترزح تحت نير الاحتلال وبالتالي من حقنا استمرار الدعم الى حين تمكيننا من السيطرة على مقومات اقتصادنا، لذلك تبقى الحكومة والشعب بحاجة دائمة لدعم المانحين".

استبعاد اتخاذ اجراءات عقابية ضد السلطة

ويستبعد د. عبد الكريم، اقدام دول العالم على معاقبة السلطة الوطنية ماليا او اقتصاديا وحشرها في الزاوية، وبالتالي "العالم بخلاف ترامب لن يتصرف الا كما تصرف في آخر سنتين بمعنى لن يقوم باجراءات عقابية ضد الفلسطينيين تحشرهم في الزاوية وتضيق عليهم اقتصاديا، ولذلك فان ترامب سيقبل بهذه الحقيقة حتى لو حاول التمرد عليها في البداية لاظهار ولائه لمن انتخبه ويفي بها لكنه سيتقبل هذه الحقيقة، وبالتالي لن يستطيع ترامب ان يتمرد على العالم، وربما يلجأ الى تقليل المساعدات الى السلطة او اجراء عقوبات ضدها، لكن يجب ان ندرك ان المساعدات الاميركية خرجت من المعادلة الاقتصادية الفلسطينية، لانها فقدت اهميتها لخزينة السلطة خلال السنتين الماضيتين، ولذلك لا اظن بان المساعدات الاميركية ستؤثر، ولن يقبل العالم ضغوطات اميركا الاقتصادية بعد اليوم".

ويتفق د. عبد الله مع د. عبد الكريم، حيث انه من الصعب التوقع من ادارة ترامب للضغط دوليا لوقف الدعم الدولي للسلطة، ويرى انه من المحتمل ان يعمل العكس تماما، "فهو يقيس الامور بطريقة رجل الاعمال واحتساب ما يمكنه ان يحقق له ربحا او خسارة، فليس لاحد عليه سلطة او كما يقولون "جميلة" تحمله على اتخاذ قرارات لمعاقبة الشعب الفلسطيني الذي هو ضحية لعدوان مستمر من اسرائيل وتنكر من قبل اميركا".

ولا يعتقد د. عبد الله، ان يتوقف الدعم الاميركي بالرغم من القليل الذي يقدمونه للاحتياجات الانسانية والتنمية، ولا يستبعد ان يستمر الدعم الاميركي وربما يزيد، بالرغم من ان ما يقدم اميركيا هو اقل من نصف المساعدات المالية المقررة وتقدر بحدود 200 مليون دولار من اجمالي الدعم البالغ حوالي 500 مليون دولار والذي تم توقيفه عن خزينة السلطة الوطنية.

اما في موضوع ترامب فان سنقرط، يرى في ترامب رجل اقتصاد ويتحدث مع اثرياء العالم بلغة الاقتصاد، لذلك فانه لا يعتقد "انه سيستخدم العصا والجزرة في موضوع الاقتصاد والاموال التي ستمنح لشعبنا، ولا يستطيع ان يفرض شروطه على اوروبا او بعض الدول الاخرى في هذا الموضوع". مستدركا "ان المساعدات الاميركية وان كانت توقفت لخزينة السلطة لكنها لم تتوقف لشعبنا ضمن برامج انسانية ودعم القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني ، فالاميركان ابدعوا في خلق مسارات اخرى في دعمهم لشعبنا".

وفي هذا الجانب اكد سنقرط "زيارة وفد فني من الوكالة الاميركية للتنمية للاراضي الفلسطينية مؤخرا والتقى بمجموعة كبيرة من المسؤولين وغيرهم وتحدثوا فيه عن برنامج مساعداتهم للثلاث سنوات القادمة واولويات هذه المساعدات".

اما م. برهم، فلم يعر المخاوف من اجراءات ترامب المحتملة ادنى اهمية او اهتمام، وقال: "ان ترامب لن يحكم العالم كله، ولن تمر الامور مرور الكرام ان بدأ باتخاذ بعض الاجراءات المتوقعة، فنحن في فلسطين نعيش ظروف صعبة نتيجة وجود احتلال وهي المشكلة الاكبر التي نعاني منها، وعليهم ان ارادوا توقيف دعمهم تخليصنا من الاحتلال ولا نريد بالمقابل اموالهم ودعمهم، ولكن طالما الاحتلال جاثم على اراضينا ومقدراتنا عليهم ان يلتزموا بكل تعهداتهم والتزاماتهم المالية والاقتصادية تجاه شعبنا وسلطته الوطنية".