عاجل

الرئيسية » اقتصاد » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 22 كانون الثاني 2017

"الشتوي" .. تنزيلات وتصفيات تسبق أوانها

مواطنون تفاجأوا من حجم التنزيلات ومصداقية أغلبها في معظم محلات الملابس والاحذية

"تصوير: عصام الريماوي"

- تجار: التنزيلات لتعويض جزء من الخسارة بسبب بقاء البضاعة مكدسة على الرفوف

- مواطنون يشتكون: بعض المحلات التجارية تعلن عن تنزيلات وهمية وخادعة

- "حماية المستهلك": نبذل جهودا لسن قانون يجرم التضليل في إعلان التنزيلات

حياة وسوق

نائل موسى وجمال عبد الحفيظ

 

في سوق مدينة البيرة المكتظ عادة، كانت سامية دولة سعيد تحمل أربعة أزواج من الأحذية الشتوية الجيدة والأنيقة اشترتها لنفسها وأفراد أسرتها للتو بمبلغ 200 شيقل فقط، ضمن عروض أسعار خاصة، وهو ما زاد لديها الثقة والحماسة لتجرب حظها مجددا مع حملات تنزيلات على الملابس.

وتغص أسواق مدينتي رام الله والبيرة بإعلانات متنوعة عن عروض وحملات تخفيض تستهدف المستهلك تحت يافطة عريضة أبرزها الحرب على الغلاء، وحملة تحطيم الأسعار، فيما اختارت أخرى لغة الأرقام بإعلان أسعار منخفضة ونسب تصل في أحيان الى 70%.

ويقدر عدد  المحلات المتخصصة في بيع الملابس الجاهزة والأحذية في مدينتي رام الله والبيرة بأكثر من 500 متجر يتركز في البيرة منها نحو 300 محل ملابس و65 متجر أحذية، ما يخلق منافسة شديد تدفع التجار الى البحث عن كل وسيلة ممكنه لجذب المتسوقين.

ومثل هذه الحملات التي غالبا ما قابلها جمهور المستهلكين بكثير من الريبة والتشكيك في مصداقيتها سابقا، ولكن الجديد هذا الموسم أنها بدأت مبكرا في غير مواسمها المعتادة، من جانب وزيادة في الثقة اكثر في مضمونها.

تقول المواطنة دولة: زوجي يترك لي مهمة التسوق، ومنها كونت فكرة وعادات جيدة لم اكن اعرفها قبل الزواج، ومن واقع خبرتي دائما كنت اعلق على هذه العروض بالقول: إنها مجرد دعاية ووسيلة لاستدراج المستهلك، وزيادة الرغبة لديه لدفعه على الشراء لكن اعتقد ان الأمر مختلف هذا العام، وهذا لا ينفي وجود شواذ واحتيال في ظل عدم معرفة المستهلك بسعر البضاعة السابق ومدى جودتها ليتمكن من المقارنة.

وتابعت: اشتريت أربعة أزواج أحذية شتوية ملائمة وأنيقة واعتقد انها جيدة وتفي بالغرض بسعر 50 شيقلا للزوج، وهو أمر لم اتوقعه الان وموسم الشتاء والمطر في بدايته، فيما كنا نرى عروضا على الشتوي في الصيف، وانا ذاهبة لأكرر الأمر مع الملابس ربما أجد عروضا حقيقية تساعد في تخفيف العبء.

في شوارع المدينتين تحتل الاعلانات عن عروض شراء وتخفيض مساحة كبيرة من واجهات المحال التجارية، وعلى اليافطات وعبر وسائل الاعلام المختلفة، فيما لا يتردد تجار آخرون في توزيع إعلانات مطبوعة باليد الى جانب ما يفردون على حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، القاسم المشترك بينها تقديم عروض وتخفيضات بعضها حقيقية واخرى وسيلة استدراج.

البلديات المسؤولة عن تنظيم الشوارع تتفقد اللوحات وتحرر مخالفات وتطالب بازلة المخالف منها للأنظمة واللوائح، اما فحواها ومصداقيته فهو من اختصاص وزارة الاقتصاد الوطني ودائرة حاماية المستهلك فيها والتي يقول مديرها ابراهيم القاضي: ان عدد التجار المخالفين لبند وجوب اشهار الأسعار وهو حجر الزاوية للتحقق من جدية التزيلات سيكون مذهلا وصادما عند اعلانه.

وفي اطار هذه العروض تقدم متاجر ثياب نوم (بيجاما) للجنسين ومختلف الأعمار بـ 10 شواقل، وسروال جينيز أو قميص وحذاء بذات المبلغ، وقبعة مع غطاء شتوي للعنق بـ 2 شيقل، وكفوف لليد وجرابات للقدمين بشيقل واحد، على سبيل المثال علما ان اجرة تقصير سروال فقط برام الله يكلف بين 10 و20 شيقلا. 

وفي بعض المحلات التي اعلنت عن حملات مغرية وتخفيض كبير أو الحصول على قطعة إضافية لقاء نظيرتها المدفوع ثمنها المخفض، ليوم واحد أو لحين انتهاء المخزون اصطف متسوقون في طابور طويل خارجها للحصول على شيء.  

المواطنة نهال بكر من رام الله موظفة وأم لخمسة ابناء قالت: هذا العام نلمس وبحق تنزيلات حقيقة على الأسعار. وتابعت: في المعدل كنت اشتري ملابس لأطفالي بواقع لبسة لكل منهم بما لا يقل عن 900 شيقل، واليوم اشتريت الكمية نفسها بنحو 400 شيقل، هذا فرق كبير ودليل على تخفيض جدي وحقيقي.

وتابعت وكأنها غير مقتنعة تماما بجودة ما حصلت عليه لقاء ما دفعته من مال فقالت: أيا كانت البضاعة ومصدرها ومدى جودتها، أعلم انها ملابس من إنتاج الصين رغم نفي التاجر، ومع ذلك فهي رحمة لذوي الدخل المحدود، وتسد الحاجة ولو مؤقتاً، الوضع الاقتصادي الصعب يجعل المواطنين لا ينظرون الى جودة البضاعة بل الى أسعارها وما في الجيب.

ومثل كثير من المواطنين تنتظر أم نادر من بيت سوريك بفارغ الصبر التنزيلات الموسمية الشتوية والصيفية على الملابس والأحذية لتأمين حاجة افراد عائلتها منها بأسعار معقولة تناسب قدرتها الشرائية.

وتتدبر أم نادر أمر إعالة وتلبية احتياجات 9 أفراد بموازنة متواضعة، وفي نطاق مهمتها ترى ان التنزيلات فكرة ممتازة للمواطنين خاصة محدودي الدخل ومن لا يقدرون على شراء مسلتزمات أولادهم.

وقالت متذمرة بلغة لا تخلوا من اللوم وانتقاد وزارة الاقتصاد ودائرة حماية المستهلك فيها خصوصا،ان  بعض المحلات في رام الله تعلن عن تنزيلات وهمية وخادعة.

وتابعت: أواصل جولة على مختلف هذه المتاجر المعلنة عن تنزيلات وعروض للحصول على ما أريده وللأسف وجدت أسعارا بنفس البضاعة والجودة في محلات ثانية لا تقدم تنزيلات بنفس السعر وربما أقل.

والسؤال: عند الاعلان عن تنزيلات ويدعي صاحب المحل انها بضاعة تركية وماركة عالمية  وتكتشف انها مجرد كذبة، أليس هناك من يراقب ويحاسب على الالتزام بهذه العروض التي يدفع المواطن من جيبه ثمن الترويج لها إضافة الى ثمن البضاعة المرتفع أصلا؟

 

موزع يكشف المستور

فواز أبو صبيح له باع ودراية في تسويق وتجارة الملابس اذ عمل موزعا لأنواع كثيرة من الأصناف لتجار في رام الله والبيرة يقول: في العادة يفرض أغلب التجار هامش ربح  يتراوح بين 300 و400% على ما يبعيونه من ملابس وأحذية، اعرف هذا من مقارنة السعر الذي كنت بعته به لهم ومع ما يعرضونه به وعندما يخصمون مبلغا ضئيلا يقسمون انهم فقدوا هامش الربح.

وأضاف: عندما يعلن متجر عن تخفيض 50% فانه عمليا يتخلى عن جزء من الأرباح العالية لأجل تسويق ما زاد وكسد على رفوفه، وأنا استغرب جنوح البعض للخداع علما انهم عند منح خصومات حقيقة يبقى التاجر هو الرابح.

خليل موظف بمتجر أحذية "سلفر لاين شوز" منذ 9 سنوات له رأي آخر فيقول: أعلن صاحب المحل عرضا قوامه 50 شيقلا لكل زوج حذاء في المحل،  وهو سعر يكاد يكون نفس سعر الكلفة وربما أقل.

ويضيف: الركود كان طويلا واستمر على نحو ما منذ تشرين الأول، والبضاعة على الرفوف والمتاجر عليها دفعات وثمن بضاعة وشيكات ومصاريف ينبغي تسديدها حتى تستمر، والحل كان في تحريك السوق وزيادة المبيعات عبر تشجيع وجذب المستهلكين، والبيع بسعر الكلفة أو القبول ببعض الخسارة للاستمرار.. وانتظار مواسم أفضل من الاغلاق بكل الأحوال.

ورأى في مسألة البضاعة الصينية وورود حاويات كبيرة من الملابس والأحذية  ذات جودة متدنية أو تعاني من عيوب انتاج، حديث مبالغ فيه، لافتا الى رسوم تفرضها اسرائيل وضرائب ندفعها للسلطة الوطنية، وتكاليف استيراد وشحن وبيع تجعل حتى الصيني من اصناف قليلة الجودة اعلى من المعروض علاوة على أنه ليس بوسع كل التجار أو غالبيتهم استيراد هذه الاصناف تحديدا من الصين لأن الأمر يتطلب استيراد كميات كبيرة كشرط يعجز الكثيرين عنه.

نضال جميل عالية موظف منذ تسع سنوات في محلات (true blue) المتختصصة في ببيع فساتين العرائس والهندي والرسمي والأحذية والإكسسوارات، اوضح في مستهل حديثه انطلاقا من فهمه كتاجر لمعنى التزيلات الحقيقي وهو انتقاص ثمن السلعة الحقيقية لسبب ما.

واضاف: السر وراء هذه التنزيلات سعي التاجر لتعويض جرء من الخسارة الحقيقية للسلعة الكاسدة على الرف بنصف الثمن او اقل هذه خسارة كبرى لنا، نقدم عليها بسبب تراجع القدرة الشرائية لدى المواطنين، ومنافسة البضائع بغض النظر للجودة على اساس السعر. وقال: لدينا فساتين بـ 1000 شيقل او اكثر وبجودة عالية قمنا بتنزيل الاسعار الى 50% ومع هذا نبيع فقط بنحو 6000 شيقل في اليوم مقابل 4000 شيقل كنا نبيع في المعدل قبل التنزيلات.

وخلص عالية للقول: اوضاع هذا العام تختلف كليا عن الأعوام السابقة من حيث نشاط السوق، ونبحث عن اي وسيلة لتسويق البضاعة.

سماهر ماهر صاحبة محل لملابس الجينز (jena jeans) قالت: في الغالب نقدم تنزيلات كل عام، مع نهاية الموسم لنحضر ونقدم لزبائننا موديلات جديدة، ولكن هذا العام وبسبب ضعف حركة الشراء وتراجع اعداد المواطنين القادرين او الراغبين في الشراء بأسعار الموسم بانتظار التنزيلات دفعنا الى بدء التزيلات مبكرا وقبل موعدها المعتاد.

وتابعت: الشريحة الكبرى من المستهلكين موظفين، والكل مدين للبنوك لشراء بيت أو سيارة أو مستلزمات اخرى، وكثير مرهقون اكثر بالمقارنة بين السنوات الماضية. وقالت: رغم العروض الهائلة والمغرية جدا التي نقدمها يكاد الوضع يبقى على حاله، فمثلا نبيع 5 بجامات ستاتي او بناتي او ولادي نوعية جيدة بـ 100 شيقل، وقبل التنزيل الواحدة كانت تباع بـ 40 شيقلاً، و4 بنطلونات نوعية جيدة بـ 100 شيقل كانت قبل التنزيلات 40 شيقلا للواحد.

واضافت ماهر: نتطلع عبر هذه الخطوة فقط من اجل دفع فواتير وثمن البضاعة وأجرة المحل  مع تراجع البيع من 1500 شيقل في اليوم في المعدل عام 2015 الى ما بين  800 - 1000 شيقل العام الماضي فيما باع المتجر بما قيمته 400 شيقل خلال هذه الفترة من العام الجاري.

بلال الغزاوي موظف في متجر للاحذية (نيولوك للاحذية) قال: بالنسبة لنا في هذا المتجر لا نستطيع تقديم تنزيلات مثل باقي المحلات فنحن بالأصل نبيع بسعر منخفض يقل 70% عن نظيراتنا ونعاني في احيان من خسارة مع تراجع حجم المبيعات على نحو متواصل منذ عام 2014  ليصل معدل حجم المبيعات اليومي الى نحو 700 شيقل مقارنة مع 2500 في 2014.

جمال الدجاني صاحب محل ملابس جاهزة (خمس نجوم) يقول: التزيلات لدينا تنطلق من ايمان دائم بمبدأ المربح القليل والبيع الكثير، ولهذا نقدم تنزيلات على مدار السنة وبات لدينا زبائن دائمون وواثقون بخلاف المحملات التي قد تجلب زبائن في لحظة ما وتخلق شكوكا. واضاف: أغلب القطع في المحل تباع بين 10 و35 شيقلا على مدار العام.

ولجمال المطور (محلات الشبكة مول) رأي بالتنزيلات الموسمية، حيث قال ان محلاته تبيع كل ما لديها من ملابس رجالي – ستاتي – بناتي بأسعار  تتراوح بين  10 - 30 شيقلاً.

وتابع: رغم ذلك الوضع سيئ جداً، نريد تسديد ما علينا من التزامات وثمن بضاعة اغلبها برسم البيع فقط.

راسم عبد الحي صاحب محل (ازياء باسم) قال: ليس بالضرورة ان يكون السبب الاول للاعلان عن تنزيلات الوضع الاقتصادي، فهناك عوامل اخرى منها: التخلص من موديلات وألوان غير مرغوبة،ونمرة مكسرة وعدم وجود مناسبات في فصل الشتاء تدفع المستهلك لزيادة الشراء  مضطردا.

اليفاطات البارقة والإعلانات الجذابة في الخارج قد ينكشف زيف ما تخفيه بعضها في ثناياها، متى توجه المشتري الى الصندوق لدفع ثمن ما انتقاه.

تقول الطالبة في جامعة بيرزيت حرية ناصر: غالبا ما يقول لك البائع ان العرض لا يشمل هذا الصنف أو ان هناك شروطا من قبيل شراء قطعتين للتمتع به، وعندما اسأل عن الملابس المشمولة يشير بعضهم الى ركن صغير مع "كومة تسمى ثياب".

وأضافت: في هذه الحالة، حيث يعترك الخجل والتعرق دون ان تعرف انه بسبب تصرف التاجر من نفسك انت أمام خيارين أحلاهما مر، اما ان تدفع خاصة اذا كانت صديقتك الى جوارك، او تنسحب خائبا لا احد معك يحميك لا وزارة اقتصاد ولا حماية مستهلك.

 

قانون متساهل

ويعتبر قانون حماية المستهلك الساري عدم مصداقية الإعلانات الخاصة بالتصفيات أو التنزيلات، مجرد تضليل، لا يجرم مرتكبه ويكتفي بمطالبة المخالفين بإزالة الإعلان ووقف الحملة.

وبهذا الشأن، قال مدير الادارة العامة لحماية المستهلك في وزارة الاقتصاد الوطني إبراهيم القاضي: قد يفاجأ المستهلك بخدعة الاعلانات والعروض المعلنة وبما في ذلك اخفاء انها تقتصر على سلع محددة في المحل، علاوة على ان السلع المشمولة ذاتها غير معروف سعرها السابق، ليتحقق المواطن من صدقية التخفيض.

واضاف: ما يفرض رقابة على العروض والتصفيات وتعديل القانون الساري بهذا الشأن، لتجريم المضللين ايضا حيث يجرم الآن المخالفين فقط في حالة وقوع ضرر مادي على المواطنين جراء اعلان مضلل، وفي هذه الحالة تحول القضية إلى محكمة البداية التي تحدد العقوبة بحجم الضرر.

القاضي قال: استنادا إلى قانون حماية المستهلك نقوم بجولات تفتيشية، وهناك جهود تبذل لتعديل هذا القانون لتجريم صاحب الإعلان المضلل، ووضع نظام خاص لتنظيم العروض ومتابعتها وتحديد فترة زمنية لها، وأسبابها ومبرراتها، ومعلومات عن الكميات والأنواع التي يشملها العرض، ووضوح الإعلان.