قتلوا الابن على مدخل منزله واحتجزوا والدته في الداخل!
جدعون ليفي - هآرتس - ترجمة: خلدون البرغوثي

تجلس فوزية على سريرها، مغطاة بعدد من البطانيات بحثا عن بعض الدفء. وراءها على حائط تم لصق صورة ابنها. كانت تجلس فوزية في المكان ذاته يوم الثلاثاء 10/1/2017 ليلا حين اقتحهم جنود منزلها. أطلقوا النار عليه أمام عينيها وقتلوه، واحتجزوها في الغرفة ساعة مرت دقائقها ببطء، فيما كانت جثة ابنها ملقاة على الأرض حتى خرجوا من المنزل. تجلس فوزية في المكان ذاته، الأم الثكلى لتقضي أيام الحداد على موت ابنها محمد الصالحي الذي كان في الثانية والثلاثين من عمره عندما قتل. بقي لفوزية ابنة واحدة اسمها رنا وتعيش في نابلس. أنجبت فوزية عددا من الأطفال لكنهم ماتوا بسبب مرض وراثي، وبقي محمد ورنا فقط .
طريق اسمنتية ضيقة في مخيم اللاجئين الفارعة الواقع بين نابلس وطوباس، تقود إلى منزل الأسرة الصغير، الذي تحيط سقفه أعمدة لطابق ثان يبدو أنه لن يكتمل إلى الأبد. لا يوجد في المنزل جهاز لاقط "ستلايت". فوزية في السابعة والستين من عمرها، تعاني من عدة أمراض تلزمها الفراش معظم الوقت. وكان محمد هو الذي يتولى الاهتمام بها. كان يبيع الذرة على عربة قرب مدرسة في محيط المخيم، ويعيش في فقر مدقع، أما زوجها فتوفي قبل عام ونصف العام بمرض السرطان.
في ساعات ليل الثلاثاء المذكور نامت فوزية في سريرها، ومحمد على كنبة قريبة، وكان ينتظر الصباح، حيث سيذهب للقاء من كان يفترض أن تصبح زوجته، فقد زارت أمه أسرة الفتاة الموعودة وبقي فقط لقاء محمد بها لإعطاء الموافقة النهائية. وعد محمد أمه بأنه سيتزوج قريبا ونام.
مساء ذلك اليوم توجه محمد إلى البقالة القريبة واشترى له ولأمه "راس العبد"، وبذر البطيخ والشيبس، واشترى لأمه حلوى جوز الهند التي تحبها.
تقول فوزية انه اشترى الحلوى لها لتذكيرها بأيام طفولته حينما كانت تشتري هي له الحلوى نفسها. شجعها على أكلها، ثم ذهبا إلى النوم. لم تستطع والدته النوم فقد أحست ببعض التعب، فهي مصابة بمرض السكري وتعاني من ارتفاع ضغط الدم، فأعد محمد لها شايا من الأعشاب. كان محمد معتقلا لدى إسرائيل لمدة ثلاث سنوات وأفرج عنه عام 2007، ومنذ ذلك الوقت وهو يعيش معها.
قرأ محمد وأمه آيات من القرآن معا، فقد اعتادا على فعل ذلك قبل النوم، وحاول أن يهدئها مازحا "لا تقلقي، ستكونين بخير ولن تموتي قبل أن تحتفلي بزفافي".. تروي فوزية كل هذه القصص لنا بعيون دامعة.
بعد الساعة التاسعة ذهبا إلى الفراش، لكن النوم غاب عنها، وحوالي الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل سمعت صوت أقدام على سقف "الاسبست" في منزل جيرانها. بعد ذلك سمعت أصواتا في الممر الضيق المؤدي إلى منزلها، لم يكن الباب موصدا كالعادة، فلا يوجد ما يخشون عليه من السرقة.
استيقظ محمد، وظن أن لصوصا اقتحموا المنزل، قالت له أمه أن يبقى في فراشه، وتوجهت إلى الباب فرأت الجنود وكان بعضهم مقنّعا. جاء محمد ووقف وراءها، ففردت ذراعيها لتحميه، وسألت الجنود: "ماذا تريدون؟"، فقال لها محمد إن هؤلاء جنود إسرائيليون.
تقول فوزية إن يد أحد الجنود كانت ترتعد، وقام بإجبارها على الجلوس على كرسي بلاستيكي، وفي لحظة تطور جدال بين الجنود ومحمد، وصاح محمد فجأة "الله أكبر"، وهي جملة عادة ما كان يستخدمها في ظرف مشابه، ويبدو أنها كانت بالنسبة للجندي ما حدد مصير محمد. رأت فوزية ضوءا أحمر يلمع من بندقية الجندي وبدأ حينها إطلاق النار، رصاصة في قدمه، وصلية في بطنه، ورصاصة أخيرة في مؤخرة عنقه.
في البداية قيل إن محمدا أصيب بست رصاصات، لكن تقرير التشريح الجنائي الفلسطيني أشار إلى أن 11رصاصة أصابت ابنها. وسواء ست رصاصات أم 11، فقد سقط مضرجا بدمه في مدخل البيت قرب الباب، ولا تزال آثار بقع الدماء موجودة.
"تخيل بنفسك كيف سيكون شعورك لو يقوم جنود اقتحموا منزلك بقتل ابنك أمام عينيك، أي قانون يسمح للجنود بقتل ابنائنا داخل منازلنا؟"، سألتني فوزية هذا السؤال، فيما كانت رنا تبكي بصمت.
كانت رنا حينها في بيتها بنابلس، رن الهاتف فجرا، فلم ترد، ثم ظنت أن سوءا وقع لأمها، ردت على المكالمة فجاء صوت عمتها، "لقد قتلوا أخاك".
فوزية كانت تظن ان جنديا واحدا هو الذي أطلق النار، لكن الجيش ادعى بعد ذلك أن محمدا كان يحمل سكينا، "ونشر الجيش صورا لسكين".
الناطق باسم الجيش قال لـ"هآرتس" إن الفحص الأوليّ بين أنه "وخلال عملية لاعتقال مطلوبين في مخيم الفارعة للاجئين، ركض (مخرب) وهو يرفع سكينا ويصرخ (الله أكبر) باتجاه الجنود محاولا طعنهم، فقام الجنود بإجراءات الاعتقال المتبعة، أطلقوا بضع رصاصات باتجاهه. (المخرب) قتل في ساحة المنزل، ثم أعلن عن وفاته. وخلال العملية اطلقت النار والقيت العبوات باتجاه القوة" (حسب تعبيره).
يعصف الغضب برنا وأمها بسبب الادعاءات حول السكين، ويقلن إن السكين التي نشر الجيش صورتها لا يوجد مثلها في المنزل، والجدار الظاهر في صورة السكين ليس من جدران المنزل.
تصر فوزية على أن ابنها لم يهاجم الجنود: "كيف يقولون إنه هاجمهم، بل هم الذين جاؤوا وهاجمونا.. وعلى فرض انه كان يحمل سكينا في يده بعدما سمع أصواتا داخل منزله، فهل هذا يعطيهم الحق بقتله؟".
عندما كان فتى، عمل محمد في تل ابيب "وأنا أريد أن أسأل أم الجندي: هل تحبين أن يحدث ذلك لابنك، هل أنت فخورة بما فعل ابنك؟".
تقول فوزية إنها اقتربت من محمد عندما سقط على الأرض، وامسكت رأسه وحركته من جهة إلى أخرى، فأدركت أنه مات. اقترب جندي من محمد ونزع عنه بنطاله، وقام مسعف عسكري بفحصه وأكد وفاته. سألها جندي آخر: هل هذا زوجك؟ أجابت "هذا ابني" وبدأت بالصراخ عليهم وبشتمهم أن الله يُخرب بيوتهم، فأدخلوها في الغرفة وأغلقوا الباب.
وتضيف أن الجندي الذي قتل ابنها هددها إن لم تسكت بأنه سيقتلها أيضا. وبقيت محتجزة في الغرفة ربما ساعتين، فيما كان ابنها ملقى ميتا في الخارج ويحيط به الجنود.
الجنود اقتحموا المنزل لاعتقال أحد الجيران اسمه محمد جبران، واعتقلوا ثلاثة آخرين معه، وبعد أن قتلوا محمدا طلبوا هويته، أخذوها ولم يعيدوها حتى الآن. لم يكن الجنود يعلمون من الذي قتلوه، وبقوا حتى أنهوا مهمة الاعتقالات الليلية. بعد مغادرتهم نقلت جثة محمد بسيارة إسعاف فلسطينية، عندما بدأ نور النهار يتسلل إلى المخيم.
مواضيع ذات صلة
30 ألفا يؤدون صلاة الجمعة في المسجد الأقصى
الاحتلال يجبر 6 عائلات على هدم منازلها في سلوان بالقدس
وسط تشديدات الاحتلال.. 40 ألف مصلٍ يؤدون صلاة الجمعة في المسجد الأقصى المبارك
مئات المستعمرين يقتحمون الأقصى
40 ألف مصلٍ يؤدون صلاة الجمعة في الأقصى وسط إجراءات مشددة من الاحتلال
مستعمرون يقتحمون المسجد الأقصى