عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 30 كانون الأول 2016

أين الانسانية؟

هآرتس - جدعون ليفي

لو كانت اسرائيل دولة عدل ومساواة لكان وليد دقة تحرر من السجن قبل سنوات. ولو كانت اسرائيل دولة تحترم تعهداتها الدولية لكان قد تحرر قبل أكثر من سنتين، في الدفعة الرابعة. ولو كانت اسرائيل دولة انسانية لكانت منحت دقة الاجازات والسماح له باجراء المكالمات الهاتفية من السجن. ولو كانت اسرائيل تعرف كل ذلك لما كانت تحرض الى هذه الدرجة ضد عضو الكنيست باسل غطاس. ولو كان غطاس يقوم بتهريب الهواتف المحمولة لسجناء صهيون أو لسجناء الخلايا السرية اليهودية لكان تم اعتباره بطلا قوميا.

ولكن كل ذلك لم يحدث. وكل ذلك ما كان يمكن أن يحدث في اسرائيل 2016، التي تكره العرب. فوليد دقة معتقل منذ 31 سنة في ظروف غير انسانية. وضابط الكنيست يتوجه الى الشباك لاستيضاح "مدى خطورة" عضو الكنيست غطاس – رقم قياسي جديد في الاحتقار.

لقد حاول غطاس التخفيف من صعوبة ظروف السجناء الامنيين. وقد فعل ذلك بطريقة غير قانونية. ولو كانت اسرائيل تتعامل معهم بالشكل المناسب لما اضطر غطاس الى فعل هذه الخطوة الشجاعة والغبية واليائسة. ايلانا همرمان وزميلاتها ايضا، اللواتي يقمن بتهريب الاولاد الفلسطينيين الى شاطيء البحر، يخالفن القانون، واعمالهن هي اعمال بطولية. ولكن بالنسبة لجهاز التحريض الاسرائيلي – وهو تداخل قوى السياسيين مع وسائل الاعلام – فان ذلك يعتبر ارهاب. وقد قال يولي ادلشتاين، رئيس الكنيست، إن غطاس هو شخص ارهابي.

إن مصير وليد دقة أكثر استفزازا. ففي العام 1986 أدين بعضويته في خلية خطفت وقتلت الجندي موشيه تمام، وقد نفى ما نُسب اليه. ولو كان يهوديا قد قتل فلسطينيا لكان تحرر بعد بضع سنوات، وهذا أصلا اذا تمت محاكمته. ولو كان فلسطينيا من المناطق، لكان تحرر في صفقة من صفقات التبادل. ولو كان قاتلا جنائيا لكان قضى في السجن 18 – 24 سنة وتحرر منذ زمن. ولكن دقة ليس مخربا يهوديا وليس فلسطينيا من المناطق وليس قاتلا جنائيا، بل هو سجين أمني عربي اسرائيلي.

ليس هناك أحد تم التمييز ضده في السجن الاسرائيلي مثل وليد، اضافة الى 14 سجينا تم اعتقالهم قبل اتفاقات اوسلو. وهم لا يحصلون على تخفيض ثلث المدة ولا الاجازات ولا العفو ولا الهاتف ولا الصفقة ولا الخُلوة. 31 سنة. "لم يعد للهاتف قرص، ولا توجد لاطارات السيارات اطارات داخلية، نحن هنا قبل سقوط جدار برلين والزمن لدينا توقف في مكانه"، هذا ما كتبه دقة قبل 11 سنة،الذي توقف لديه الزمن منذ ذلك الحين.

في الاسبوع الذي كان من المفروض أن يطلق سراحه فيه في العام 2014، كنت في بيت عائلته في باقة الغربية: قاموا بشق طريق تقديرا له، والاولاد كتبوا "حرية" أمام بيته، وطبعت صورته وصورة أمه على مئات القمصان، واشتريت آلاف الشموع والمفرقعات والحلوى. وعندها قررت اسرائيل أن ذلك لا يناسبها. إن الزعزعة النفسية التي مرت عليهم لا يمكن وصفها. والآن تم اعتقال شقيقه أسعد بتهمة المشاركة في عملية التهريب الكبيرة. في نهاية الاسبوع الماضي اتصل معي أسعد وهو غاضب بسبب الاشتباه الخاطيء، حسب رأيه، بشقيقه الذي تم أخذه الى الزنزانة.

إن دقة واصدقاءه السجناء الامنيين هم بشر، بعضهم محاربو حرية وبعضهم سجناء سياسيين وبعضهم سجنوا بدون محاكمة، وجميعهم تمت معاقبتهم بشكل مبالغ فيه. ويصعب ذكر ذلك في ذروة حملة التحريض ضدهم.

لقد التقيت مع وليد مرة واحدة في السجن. وهو انسان لافت، لكن ذلك ليس ذا صلة. عائلته ايضا هي عائلة مميزة، ووالدته فريدة (88 سنة) تحلم بعناق إبنها قبل موتها. وهذا لن يحدث كما يبدو. فهي على أبواب الموت، ولم يسمحوا لدقة بالاتصال معها ووداعها. وشقيقه كرس حياته من اجل اطلاق سراحه.

ألا يستحق هؤلاء السجناء ما يستحقه كل قاتل في اسرائيل؟ هل ما فعله غطاس هو محاولة لتحطيم العزلة القبيحة التي تفرضها اسرائيل على هؤلاء السجناء؟ ألا يثير ذلك لدى الجمهور أي شيء من التفهم؟ أي شيء من الانسانية؟ أي شيء؟