صناعة القوارب تئن تحت وقع الحصار
حرفة بناء السفن في غزة تحتاج إلى الدعم لاستعادة عافيتها

غزة- حياة وسوق- عماد عبد الرحمن - تعتبر حرفة صناعة قوارب الصيد من أقدم الحرف التي عرفت على مر التاريخ، تلك الحرفة اشتهرت بها شواطئ فلسطين منذ القدم، وتوارثتها الأجيال وطورت عليها لتصبح على شكلها الحالي.
صناعة قوارب الصيد بأشكالها وأحجامها المختلفة وأغراضها التي صنعت من أجلها تلقى رواجا كبيرا في شتى بقاع الأرض، اما قطاع غزة فهي تواجه الاندثار كحال الكثير من الحرف والصناعات التي باتت تئن تحت وطأة الأوضاع السياسية والاقتصادية التي يمر بها القطاع.
يقول مصطفى نمر جربوع "أبو كايد" 57 عاما من سكان مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة أن حرفة صناعة القوارب ورثها عن والده من أيام "البلاد" عندما كان من سكان مدينة يافا، وكانت تلك الحرفة ذات قيمة كبيرة، بدأها والده فترة الأربعينيات بألواح "الزينكو" التي كان يستخدمها في صناعة القوارب الصغيرة بعد تدويرها لغرض الصيد، ومن ثم بدأ يطور صنعته باستخدام ألواح الخشب التي كان يحضرها من مناطق الأحراش ومن أشجار الكينيا.
ويضيف أبو كايد أنه بعد تهجير والده من مدينة يافا انتقل الى مدينة دير البلح على شاطئ البحر جنوب قطاع غزة ليستقر بعدها في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، وظل محافظا على حرفته التي برع فيها وبدأ بتطوير قواربه من مركب صغير يطلق عليه "السنبك" الى "اللنش" ثم "الشنشولة" ثم زورق "الج" ثم "الفولكة" وصولا "للمبطنات" وهي أسماء لأنواع قوارب تختلف باختلاف أحجامها وقوتها.
وأشار أبو كايد إلى أنه بدأ تعلم الحرفة من والده في السبعينيات بعد أن أكمل دراسته الثانوية ولم يستطع الذهاب للجامعة لضيق الحال، وكانت بدايته في صيانة القوارب حتى تعلم أسرار الحرفة وفنونها ، وكانت صيانة القوارب وصناعتها تتم في مواسم محددة فقط من السنة من شهر 3 الى شهر 7 موسم سمك "اللوكس " ومن شهر 10 الى أول شهر 11.
تطور الحرفة
واستطرد أبو كايد قائلا "في فترة الثمانينيات وبعد ظهور مادة "الفيبر غلاس" بدأنا نطور صناعة القوارب واستخدمنا "الفيبر" بدلا من الخشب، وتعلمنا كيفية عمل القوالب وصب مادة "الفيبر غلاس" فيها واستخدام العوازل والمواد اللازمة للصناعة"، الى أن بدأت الحرفة بالانتشار وتعلمها كثير من أبناء القطاع حتى أصبحت كل أسرة مكونة من 5 أفراد تستطيع صناعة قوارب صغيرة "حسكات "في بيته".
كيفية صناعة القوارب
وأوضح أبو كايد أن صناعة القوارب لها أصول لا بد أن تتبع حيث تتم في البداية صناعة قوالب من الحديد على شكل القوارب المراد تصنيعها بمقاييس محددة ويتم إعداد خرائط لهذه القوالب يتم اعتمادها من وزارة النقل والمواصلات للترخيص، ويكون لها تاريخ صنع، وتاريخ نهاية، ثم يتم تنظيف هذه القوالب جيدا ووضع الشاش العازل فيها ثم تصب مادة الفيبر السائل فيها، وبعد تجفيفها يتم فصل الفيبر عن القالب بضغط الهواء مكونا شكل القارب المراد بناؤه، بعدها يتم صب أكثر من وجه من مادة الفيبر حسب طول القارب وحجمه وقوة محركه، فمثلا قارب بطول 7 أمتار ونصف يحتاج الى 7 طبقات فيبر، وكلما كبر حجم القارب احتاج سمكا أكبر وطبقات أكثر من الفيبر.
وأكد أبو كايد أن مادة الفيبر تتميز عن الخشب في صناعة قوارب الصيد لأن القارب المصنوع من الخشب يتعرض للكسر بسرعة ويتسرب له الماء وعمره الافتراضي أقل، في حين أن مادة الفيبر عزلها أكبر وعمرها أطول وصيانتها أسهل، مشيرا الى أن تكلفة قارب بطول 7 أمتار ونصف تصل الى 16 ألف شيقل بينما تبلغ تكلفة قارب بطول 6 أمتار الى 10 آلاف شيقل، وهذه التكلفة تخضع لعدة عوامل أهمها توفر المواد الخام والكمية التي يحتاجها القارب.
الحرفة مهددة بالاندثار
وعن أكبر التحديات التي تهدد أصحاب حرفة صناعة القوارب أكد أبو كايد أن الحصار المفروض على القطاع منذ 10 سنوات ومنع دخول المواد الخام خاصة مادة "الفيبر" أدى الى توقف الكثير من أعمال صيانة وبناء القوارب وارتفعت كثيرا تكلفة بناء القوارب، وذلك لارتفاع سعر عبوة مادة "الفيبر" سعة 20 لترا إن وجدت من 200 شيقل الى 1500 شيقل، الأمر الذي أدى الى عزوف الصيادين عن بناء أية قوارب جديدة خاصة وأن ظروفهم الاقتصادية بالتوازي صعبة للغاية ووصلت تكلفة بناء قارب بطول 7 أمتار الى 40 ألف شيقل وقارب صغير الى 30 ألف شيقل أي الضعف تقريبا عما كانت عليه،.
واتهم أبو كايد القائمين على قطاع الثروة السمكية في قطاع غزة بالتقصير، وتهميش هذه الفئة من النجارين أصحاب الحرفة وعدم دعمهم وعائلاتهم بدلا من تطوير المهنة ودعمها من خلال المشاريع التي تنفذ دعما لهذا القطاع الحيوي، خاصة وأن جميع القوارب التي توجد في القطاع من صنع هذه الفئة من النجارين الذين تقلص عددهم الى 3 عائلات فقط، مشيرا الى أن عدد القوارب في القطاع حوالي 200 قارب 7 متر ونصف و900 قارب 6 متر ونصف المتر ، و70 قاربا من 14 الى 17 مترا و22 قاربا كبيرا "لنشات جر" من 17 الى 24 مترا.
أسماء القوارب
وأضاف أبو كايد أن تسمية الصيادين لقواربهم موروث ثقافي يرجع لأهمية ومكانة القارب عند صاحبه ويقوم الصياد بتسمية قاربه باسم أجمل بناته أو اسم أحد أبنائه تيمنا واعتزازا به، ومن أغرب أسماء القوارب المشهورة في القطاع " الدوكش " وهو اسم أطلق على أحد القوارب طوله 7 أمتار صنعه أبو كايد لأحد الصيادين، وأبدع في صناعته وبعدها قام بطلائه وتزيينه، وعرف هذا القارب بسرعته وقوة تحمله في البحر فأطلق عليه صاحبه لقب "الدوكش"، بعدها أصبح اسم يطلق على هذا النوع من القوارب التي يصنعها أبو كايد واشتهر كماركة مسجلة له.
واختتم أبو كايد حديثه بأن أكثر شيء يربط الصياد بقاربه دقة صناعته وسرعته وقدرته على تحمل أوزان كبيرة، والأهم من هذا أن يكون القارب "مرزوق" عندها يستحيل أن يستغني عنه صاحبه ويعتبره كأحد أبنائه.
مواضيع ذات صلة
الإحصاء: ارتفاع معدلات البطالة في قطاع غزة والضفة خلال 2025
الإحصاء: الرقم القياسي لأسعار المنتج يسجل ارتفاعا حادا
ارتفاع أسعار النفط مع تعثر إنهاء الحرب وإغلاق مضيق هرمز
الذهب ينخفض مع ارتفاع الدولار وزيادة مخاوف التضخم
الذهب يتجه لتسجيل خسارة أسبوعية
أسعار صرف العملات