الفلسطيني الذي لا يستحق الحياة: كيف اضعنا ما نريد
يونس عطاري

كنت أتمنى لو كنت مولودا لاب قبطي ليصير قبري هرم
تصير جثتي لغز
و اصير فرعون
نزلت من رحم امي لأب لاجئ في بلدٍ لم تكن لي
و كنتُ فاقد الهوية بلا تلعثم او جدلٍ حول هذا الامر
كان والدي الذي خرج مع جدي من قرية سمخ جنوب بحيرة طبريا كان يعي عذاب فقدان كل شيء الديار و الذاكرة و الأيام و الأملاك و الأمل و خطط المستقبل لشاب متعلم في قرية غير منسية كان فيها محطة للقطار و مدارس ابتدائية و إعدادية
كان ملتزما بإعادة الاعتبار للذات الفردية و الذات الجمعية
فحارب كفرد مارد صنوف العيش العذاب فأسس لذاته جمهورية صغيرة بنى لبناتها الاولى من الطين و التبن في مدينة لم يكن فيها مزرعة دواجن واحدة
و اشتد التزامه بإعادة الاعتبار الجمعي للشعب بان شجع و لم يعارض التزام و لديه البكر و الثاني و أخيه الأصغر بالالتحاق بصفوف الثورة الفلسطينية و لم يكتفي بذلك بل شجع اخرين و حماهم
حرب ايلول الاسود اقنعتني برد امي على سؤالي و انا في سن مبكرة: كيف و ليش طلعتوا من فلسطين؟ فقد هربنا و انا في عمر السابعة من بيتنا في حي الحسين تجاه البدو كما اشار لنا ابي الذي فرّ باتجاه اخر راكبا سيارته و لم يحمل معه احد منا هربنا كلنا الذين تجمعنا كل النساء و الاطفال من دار العطاري اربعة اسر لم تحمل معها اي شيء مهم او تافه لان ابي قال اذهبوا و اقطعوا النهر من ناحية نزلة السيل "اي نهر الزرقاء" و هناك قبيلة الشيخ .... اخبروه انكم اهل محمد علي العطاري ابو رياض و ان الشيخ سوف يحميكم و يهتم.
فهمت كيف يهرب العزل من الحرب ان كانت حرب اخوة او حرب من قبل عدو, عرفت و عشت و فهمت جواب امي: في المال و لا بالعيال. قلت لها يعني المال و البنون لا تعمل هنا انما البنون اولا فقالت المال اي الارض نستعيدها. و قالت بدها رجال.
صارت ملامح شخصيتي تتقوض عندما حدثت حرب الأخوة عام ١٩٧٠ في أيلول و السؤال كان: لماذا حدثت و لصالح من؟ مما زاد من حس الفقدان و حس الخوف من السؤال الى اين ؟ و من نحن؟ و من يحاربنا و لصالح من؟ في سن المراهقة قيل تتبلور الشخصة الفردية و كما يقال انها تتأسس على زمن الطفولة مما شكل عندي شخصية هادئة بالظاهر و عنيفة في الداخل كنوع من التورية تشكل بدون مهارات بل بسبب البيئة الأمنية التي رافقت حياة الفلسطيني في الاردن بعد حرب أيلول الأسود تلك البيئة التي كانت قامعة و عنيفة و بشدة تجاه اي حراك او مظهر جماعي و كانت متشددة جداً تجاه اي منطلقات جماعية لأي تشكيل او تعبير فلسطيني كانت تجبر الفلسطيني كفرد و جماعات على الانصياع في بوتقة إلغاء الهوية الوطنية مما جعل الفرد الفلسطيني في سجن كبير متحججين اصحاب و ابواق تلك الفترة ان الاردن و فلسطين بلد واحدة تكفي للجميع و اننا اهل متصاهرين و من كان يبحث او يقول عن الهوية الفلسطينية كان يقال عنه انعزالي لم يتم فهم او شرح الفرق بان نكون شعب واحد و ان ننسلخ عن جلدنا الفلسيني الذي لا يتعارض ابدا بان الاردن هو شقيق فلسطين الاقرب.
ان سمة الفقد و الخسارة تسم الفلسطيني بالعزلة حين يجد ابويه بلا موطن بلا جيران اصليين يستعذب الملهاة كهاوٍ مُرقط بالشيفرة المغنطيسية موجب سالب و سالب موجب هي سمة أهلية محلية تُعير القلب أُبهةً مازوخية منفعلة بانفلات الذات نحو الداخل تهرب نحو البحيرة في ساعة ضيق او أمل ضايع انه نمر تم ترويضه في قفص من بشر قساة لئام في حين اسرتي تتداول الفرح كمن يناول كرةً من يدٍ ليد في اشتعال النارنج الدمشقي في سقف العالم العالي شمالا في كندا استعيد فلسطينيا ضائع تواً في البحث عن هويته عن ذاته عن الصمت في قلبه و عن انسانيته الباقية في مهب الاغتراب و الغربة كأنه المشرد الأخير و الوحيد و كأن لا بشر تشرد كما تشرد هو و انه يعرف ان الاحتلال يزول بالمقاومة و انه يزول بأسباب أخرى لكن ما حصل له حقا مختلف لم يكن احتلال كان قلع و خلع و استبدال و نفي و تشريد و فقد هوية و فقد للمكان و الذاكرة ما حصا له مرعب لم يحدث الا للسكان الاصلين في العالم الجديد أي الأميركتين.
الفلسطيني, احاول هنا قول ان كل فلسطيني لا يقاوم و لا يقال الوجود الصهيوني المعروف بدولة اسرائيل هو فاقد الاهلية الانسانية اقصد فاقد حق العش و اقصد ان لا عيش دون كرامة شخصية او جمعية بالتالي مثلا اهلنا في فلسطين عليهم بقتال العدو بكل الاشكال و خاصة السلمية لان جل الشعب اعزل فمثلا كيف يعيش الفلسطيني يومه و هو يعيش تحت الاحتلال او يعيش تحت ظل دولة اقتلعته كيف لا يقوم يوميا و باقل تكلفة بصفع اي محتل مدني نعم صفعه او ضربه لكمة او رفسه كيف لا يرمي شرطتهم بالحجارة كل يوم و جنودهم ايضا و كيف اي مسلح فلسطيني لا يطلق النار على جنودهم حتى اخر طلقة
كيف لا يخرج الشعب في ال 48 و الضفة و غزة كل يوم مسيرات حتى يسمع العالم
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين