عاجل

الرئيسية » اقتصاد » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 24 تموز 2015

تسيبراس يتخلى عن هويته الراديكالية!

الحياة الجديدة - ترجمة أمل دويكات - عشيّة انتخابه في كانون الثاني/ يناير، تحدث رئيس الوزراء اليوناني أليكسيس تسيبراس بفخر كيف أن حزبه اليساري "سيريزا" قد رفض عقلية "الأحزاب المؤسِّسة" ووفّر مساحة لتعددية الآراء بين أعضاء الحزب.

ولكن في الأسبوع الماضي، أطاح السيد تسيبراس بأعضاء حكومته الذين تحدوه بالتصويت ضد حزمة إجراءات التقشف، والتي كان دائنو اليونان طالبوا بها كثمن للدخول في مفاوضات خطة إنقاذ جديدة.

وبعث تسيبراس برسالة واضحة إلى أعضاء حزبه، الذين صوتوا ضد التقشف وهددوا بالتصويت ضد مشروع القانون الذي أقر الأربعاء، مفادها أنه قد يدعو لانتخابات جديدة ويستبدل هؤلاء بنواب آخرين موالين له.

إذا كان السيد تسيبراس قد بدا قائداً راديكالياً شاباً يتسم بالمثالية خلال الستة شهور الماضية، ومكرّساً نفسه لإسقاط سياسات التقشف المفروضة على اليونان، فإنه قد خرج من المواجهة مع الدائنين نحو شيء آخر مختلف تماماً: سياسي براغماتي، حكيم، ذو شعبية، مع رصيد من النجاح في اتخاذ التدابير ذاتها التي جاء إلى السلطة من أجل القضاء عليها.

القائد الشاب ذو الأربعين عاماً، ربما لا يزال يرفض ارتداء ربطة العنق، لكنه بخلاف ذلك سيقطع شوطاً طويلاً مع الاتجاه السائد.

في هذه العملية، تحدّى تسيبراس ما بدا أنه جهود أوروبا للإطاحة به، حتى أنه رضخ للكثير مما جاء في أجندة الدائنين التي فرضت عليه. والسؤال الآن هو ما إذا كان باستطاعته خلق مركز ثقل جديد في السياسة اليونانية.

بمجرد التركيز ليس على إنهاء التقشف ولكن بتنفيذه بطريقة تدريجية فإن هذا يعيد شيئاً من الشعور بالإنصاف والأمل في دولة كادت تفقدهما. وإذا انطلق تسيبراس بخطة التقشف فإن هذا سيعد تحولاً سياسياً ملحوظاً في تاريخه وتاريخ البلاد.

بعض أنصار سيريزا يشعرون بالصدمة من تسيبراس "الجديد"، الذي أصبح ملماً بمعظم تفاصيل خطة الإنقاذ التي يفاوض حولها، والذي يقول بهذه المناسبة إن الصفقة محتمل أن تشمل بعض الإصلاحات التي تحتاجها اليونان حاجة ماسّة.

في الآونة الأخيرة، قال السيد تسيبراس عبر شاشة التلفاز إن هناك بعض الإصلاحات التي يجب أن تتم سواء مع مطالب الدائنين أو دونها، ومنها التغييرات على المعاشات التقاعدية "لا أعتقد أن تلك السياسة سياسة تقدمية حين تحيل شخص في سن 45 أو 50 عاماً إلى التقاعد."

الصحفي آريس تشاتزيستيفانو وهو صحفي يساري يعمل في مجال الوثائقيات شاهد اللقاء المتلفز لرئيس الوزراء مدة ساعة من الزمن، استخلص أن الرجل "قد انتفخ وجهه من قلة النوم، ويبدو ضائعاً شبابه" ويضيف تشاتزيستيفانو أن "هذا ما يمكن قوله على وجه التأكيد، لقد فقدنا صورة هذا الرجل المقرونة بصورة تشي غيفارا."

ولكن يرى البعض أن السيد تسيبراس بدا كما تحتاج الدولة ]اليونان[ تماماً، ذلك السياسي الذي سيكون قادراً على بناء دائرة أوسع حالياً. وسيجذب عدداً أكبر من ناخبي تيار الوسط الذين يسعون جاهدين للبقاء في منطقة اليورو، لكن المرضى من أحزاب البلاد السياسية القديمة فشلوا في منع  وقوع عبء سياسات التقشف على الفقراء وأصحاب الدخول المحدودة.

وقال جورج بليوس وهو خبير في الإعلام بالجامعة الوطنية في أثينا إن "تسيبراس أظهر ميزة مدهشة كسياسي" مضيفاً "لقد أظهر أنه قادر على التحدث بلغة الإصلاح، ولغة العدالة الاجتماعية، وهذه المعادلة سوف تحوله إلى زعيم مهم جداً في اليونان ... والرابح من كل هذا هو تسيبراس نفسه."

حتى الآن، يكافح السيد تسيبراس لمنع حدوث انكسار جماعي في حزبه - ذلك الحزب الذي يضم كل شيء بدءاً من أولئك الذين يغازلون اليسارية التروتسكية إلى ممثلي يسار الوسط السابقين- ولكي يخبرهم أنه بحاجة لوقوفهم معه.

يقول المحللون السياسيون إن حزب سيريزا لطالما كان متسامحاً مع معارضيه، وأن هذه اللحظة أصبحت قاسية على تسيبراس، وهو الذي كان يحتاج كسب صداقة أكثر معارضيه انتقاداً.

ولكن خطر تفكك حزب سيريزا لا يزال حقيقة قائمة، في ظل استعداد تسيبراس للتفاوض مع دائني بلاده حول تفاصيل خطة الإنقاذ الثالثة لبلاده في غضون خمس سنوات، وحول مطالبه لتخفيف عبء الديون على اليونان.

 المنشقون من يسار الحزب بمن فيهم يانيس فاروفاكيس لم يظهروا أي تراجع عن معارضتهم للإجراءات التي فرضها الدائنون والتي رفضها الشعب قبل أيام من قبول السيد تسيبراس بها.

 وقال مصدر مقرب من رئيس الحكومة إن تسيبراس قرر تأجيل التصويت على اثنتين من القضايا الخلافية - ضرائب جديدة على المزارعين، ومزيد من التغييرات في نظام التقاعد- لتجنب خوض معركة خارجة عن السيطرة داخل سيريزا، ولكن هذه الإجراءات أيضا لا بد أن تمرر في نهاية المطاف إذا أراد السيد تسيبراس تأمين حزمة الإنقاذ التي تقدر ب86 مليار يورو (95 مليار دولار أميركي).

لو أن حجم التمرد الذي يواجهه السيد تسيبراس في حزبه قد حدث في بلد آخر لكان هذا إيذاناً بسقوط حكومته. لكن ما حدث في اليونان كان مختلفاً فقد ضمنت المعارضة تمرير مقترحه الأسبوع الماضي، وهذا ما حدث الأربعاء أيضا. وعلى الرغم من الانتقادات المتوقعة التي يوجهها المعارضون لتسيبراس إلا أنهم لا يسعون لأي خطوة من شأنها إسقاط الحكومة.

المعارضة لا تريد انتخابات جديدة تحديداً وذلك خوفاً من فقدان المزيد من القاعدة الشعبية، وعلى ما يبدو أن السيد تسيبراس شخص يقف بثبات في الفضاء السياسي اليوناني من دون منافس في الأفق.

وتشير استطلاعات الرأي أنه وبعد قدومه من بلجيكا إثر اتفاق ينتهك كل ما وعد به شعبه في حملته الانتخابية، لا يزال تسيبراس بطلاً في نظر كثير من اليونانيين، لأنه يخوض هذه المعركة، ويأخذ على عاتقه مسؤولية كل ما يمكن القيام به لمنع خروج اليونان من منطقة اليورو.

وقد ضرب تسيبراس على وتر المشاعر الشعبية منذ مفاوضات صفقة الإنقاذ في الشهر الجاري، قائلاً إنه يريد المحافظة على حماية مصالح الناس العاديين ضد الأثرياء والأقوياء.

وأشار أيضا إلى احتمال تخفيف عبء الدين اليوناني، وكذا الحصول على برامج المساعدات الاقتصادية القصيرة المدى لخلق فرص عمل، وهذا مما قد يخفف وطأة تدابير التقشف الجديدة.

وتحدث كثير من اليونانين عن السيد تسيبراس كما لو أنهم يعرفونه مبدين قلقهم على صحته مؤخراً.

 لدى رئيس الوزراء خيارات كثيرة للبقاء في السلطة: يمكنه البقاء بحكومة أقلية، ويمكنه تشكيل حكومة وحدة وطنية مع شخصيات من المعارضة، رغم أن محللين سياسيين يرجحون ضعف إمكانية ذهابه لهذا الخيار. ويقول المحللون إنه لا يريد شراكات من شأنها ضم أحزاب يراها تمثل أقلية في البلاد.  

وعن احتمال إجراء انتخابات جديدة يقول نيك مالكوتزيس من موقع "ماكروبوليس" المتخصص في التحليل السياسي إنه من المرجح عقد انتخابات جديدة عاجلة ربما في أيلول - سبتمبر، وسوف تكون لصالح السيد تسيبراس لأن تأثيرات مطالب الدائنين لم يتم الشعور بها حتى الآن، ولأن الوعود بتخفيف عبء الديون ستكون ماثلة الأثر.

ويضيف مالكوتزيس "في الوقت حاضر، هناك كثيرون في حزب السيد تسيبراس صوتوا ضد مطالب الدائنين، ولكن لا يزالون راغبين في استمراره رئيساً للوزراء دون الدعوة لانتخابات جديدة... يقولون إنه حتى لو حاربوا تدابير التقشف ومطالب الدائنين، فإن تسيبراس لا يزال يحظى بدعمهم."

 في حين يعتقد مسؤولون مقربون منه أن استراتيجيته هذه غير قابلة للتطبيق، وهذا ما قاله نيكوس باباس رئيس طاقم تسيبراس، إذ إن التصويت ضد الإجراءات يتعارض مع المسار المشترك في الحزب، وهو ما يعتقد باباس أنه واضح للجميع.

عن "نيويورك تايمز"