بعد 60 عامًا من المجزرة.. كفر قاسم لا تريد اعتذارًا من إسرائيل
تقرير: أوفير أديريت- هآرتس
الحياة الجديدة- ترجمة: أمل دويكات- المجزرة التي أدوت بحياة 48 من القرويين الأبرياء على يد "قوات حرس الحدود" الإسرائيلية عام 1956، لا تزال جرحًا نازفًا في حياة المجتمع العربي في إسرائيل. السكان الحاليون أطلقوا العروض السمعية البصرية لنقل رسالتهم: "تحملوا مسؤولية ما حدث هنا".
لم تُوجّه الدعوة لأي من المسؤولين الحكوميين في إسرائيل لحضور فعاليات الذكرى الـ60 للمجزرة، السبت، وقال عضو اللجنة المنظمة للفعاليات، جازي عيسى، "لا أدعو القاتل إلى بيتي".
جازي سُمّي على اسم أحد أقربائه الذي استشهد في مجزرة كفر قاسم، حينما اقتحمت "قوات حرس الحدود" التابعة لجيش الاحتلال القرية في 29/10/1956، وذلك في اليوم الأول من حرب السويس [العدوان الثلاثي على مصر].
استُشهد 48 من الرجال والنساء والأطفال بينهم امرأةٌ حامل، فيما تم احتساب جنينها الشهيد الـ49 في القرية. أُطلقت عليهم النيران حتى الموت حين عادوا مساءً من أعمالهم اليومية، ولم يكونوا على علم بأن القرية خضعت لفرض حظر التجول قبل بضع ساعات فقط، بسبب التوترات مع الأردن.
سُئل جازي عيسى عما إذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد دُعي إلى حضور فعاليات هذه الذكرى، فقال:"أنا لم أقل إن بيبي [نتنياهو] هو القاتل، لكنه يمثّل القَتَلة".
وأضاف:"في المجتمع العربي، عندما تُعقَد الصُّلحة [السلام بين الأعداء] فإنه لا يمكن للقاتل أن يدخل بيت الضحية إلا إذا قال: نعم، أنا فعلت ذلك، وهذا هو رأسي لك، تفعل به ما تشاء. لا بد أن يطلب الصفح والمغفرة أمام الجميع، وأن يدفع الثمن".
بعد ستين عامًا من المجزرة، لم تعد تنتظر قرية كفر قاسم الاعتذار من الحكومة، إلا أن سكانها يؤكّدون مقارنتها بالمحرقة النازية، ويطلقون المشاهد السمعية البصرية، التي تتضمن: الجثث، الدم، الجنود المتوحشون، لينقلوا رسالة مفادها: تحملوا مسؤولية ما حدث هنا.

خلال 60 عامًا، تعقّد موقف إسرائيل من المجزرة. خضع المتورطون في ارتكاب المجزرة لمحاكمة عسكرية، وحُكم على بعضهم في البداية بالسجن لمدة طويلة. وصاغ القاضي بنيامين هليفي عبارة "أمر غير قانوني بشكل صارخ" في نطق الحُكم.
لكن الحُكم بإدانة أطراف المجزرة قد تم تخفيفه من قِبَل رئيس الهيئة، وكانوا قد حصلوا على عفو من الرئيس وأُطلق سراحهم من السجن. أما أكبر المتورطين في المجزرة العقيد يساكر شادمي فحُكم عليه بغرامة رمزية قدرها (10 قروش) وذلك "لتجاوزه السلطة".
وشهد قائد كتيبة حرس الحدود، آنذاك، شموئيل مالينكي، أن شادمي قد أمره بفرض حظر التجول مع إطلاق النار. وعندما سُئل شادمي ما الذي حدث للسكان العائدين إلى قريتهم بعد فرض حظر التجول، أجاب "رحمة الله على أرواحهم"!.
كافة الوزراء والرؤساء الذين زاروا القرية على مدار هذه السنوات كانوا يستخدمون عبارات مثل "آسفون.. عار.. نعتذر". لكن الكنيست، في العام الماضي، أقرّ بالغالبية العظمى مشروع قانون يقضي بوجوب اعتراف إسرائيل، رسميًا، بمسؤوليتها عن حمّام الدم.

"نحن لسنا بحاجة إلى اعتذاركم، لقد توقفنا عن ممارسة هذه اللعبة" هذا ما قاله عضو الكنيست السابق (عن القائمة المشتركة) ورئيس مجلس كفر قاسم السابق، إبراهيم صرصور، خلال جولة في القرية التي زُيّنت بالرايات السوداء.
وقال صرصور "ليس لدي شك في كبار الشخصيات الذين زاروا المكان هنا، مثل الرئيس ريفلين الذي أعرب عن مشاعر صادقة، لكن أيًا منهم لم يكن يمتلك الشجاعة الكافية ليقف هنا ويقول: أعتذر لدولة إسرائيل، وأعلن مسؤوليتها الكاملة عن ما حدث في ذلك المساء الفظيع".
وقال صرصور، الذي وُلد بعد عامين ونصف العام على المجزرة،:"قُتل اثنا عشر فردًا من المقربين في عائلتي، اثنان منهم عادا في شاحنة من منطقة بيتاح تكفا بعد انتهاء عملهما، وقُتلا بدم بارد".
وأكّد لصحيفة هآرتس:"جاء الأمر بطرحهم أرضًا، وإطلاق الرصاص على رأس كل واحد منهم، ثم أُطلق الرصاص عليهم ثانيةً للتأكد من موتهم".
فعاليات إحياء الذكرى السنوية ستبدأ، السبت، بمسيرة من الميدان الرئيس وسط القرية إلى المقبرة. كما نشر منظمو الفعاليات منشورات باللغات العربية والإنجليزية والعبرية، واضعين معلومات عن المجزرة ضمن سلسلة مجازر وفظائع: دير ياسين 1948، يوم الأرض 1976، وأحداث تشرين الأول- أكتوبر 2000، واستشهاد عدد من سكان شفا عمرو عام 2005 وغيرها.
ويقول النص المنشور "ستون عامًا ولا يزال أهالي كفر قاسم ينتظرون تحقيق العدالة (...) الرايات السوداء لا تزال تحلّق فوق مئات من الأوامر غير القانونية بشكل سافر، والتي تنفذها القوات الإسرائيلية يوميًا تقريبًا".
ريم عمار (44 عامًا) فقدت جدتها لوالدها وتدعى خميسة عمار، كانت جدتها في عمر الـ50 حين قُتلت. وحفظت ريم عن والدها:"قالوا لي إن جدتي التي ربّت سبعة أبناء، كانت تجمع الأسرة كلها معًا، وكانت شخصيتها مستقلة وقوية".

ريم عمار تقف أمام صور شهداء مجزرة كفر قاسم
عن يوم المجزرة قالت ريم:"كانت جدتي قد حلت محل أحد أقاربي للتناوب على قطف الزيتون خارج القرية، وفي طريق عودتها كانت لا تزال تغني هي وصديقاتها في السيارة حينما شاهدن الجثث متناثرة.. لقد توسّلن وطلبن الرحمة، لكنهم قتلوهن رميًا بالرصاص في السيارة، وتساقط جسد كل واحدة منهن فوق جسد الأخرى، وأصبحن كومة جثث، ولم تنجُ منهن إلا واحدة فقط".
وأضافت ريم:"اعتراف إسرائيل بالمجزرة، بالنسبة لنا، هو اعترافها أيضًا بالظلم الذي ارتكبته منذ عام 1948 حتى اليوم". وأوضحت:" سيكون اعترافًا بجميع الصدمات التي سببتها إسرائيل لنا: 1948، 1956، 1967، 1976، والانتفاضة الثانية، وما يحدث في غزة اليوم. إنه النظام نفسه، والسياسة الحكومية نفسها عبر الأجيال".
يقول إبراهيم صرصور "قرر المنظمون هذا العام التشديد على المقارنة بين المجزرة وبين المحرقة النازية، اليهود لا يحبون هذا النوع من المقارنة، ولكن بن غوريون جلس مع قتلة الشعب اليهودي، ووقع معهم اتفاقية لا تزال ألمانيا بموجبها تدفع لإسرائيل حتى هذا اليوم"، في إشارة إلى اتفاقية دفع التعويضات الموقعة بين إسرائيل وألمانيا عام 1952. وأضاف:"في هذه الحالة نحن مثل اليهود في مواجهة ألمانيا".
واستدرك صرصور بالقول:"صحيح أن اليهود ليسوا نازيين، لكنهم قتلوا شعبي: المزارعون الفقراء، والنساء، وكبار السن، والأطفال. حان الوقت ليجلسوا معنا تمامًا مثلما جلس الألمان معهم، وأن يفعلوا لنا الأشياء نفسها التي طلبوا من الألمان فعلها".

جازي عيسى أحد منظمي فعاليات إحياء الذكرى الـ60 لمجزرة كفر قاسم
هناك وثيقة منذ عام 1957 احتوت على قوائم بالتعويضات التي منحتها الحكومة لذوي الشهداء والجرحى في المجزرة، وفقًا لتوصيات لجنة آنذاك: 5000 ليرة إسرائيلية لذوي كل شهيد، و300 ليرة لكل شخص جريح. وتقول الوثيقة إن "اللجنة اعتبرت ملف الحادثة (المجزرة) قد أُغلق بموجب هذه التعويضات".
ويقول المنشور الذي أعده منظمو فعاليات ذكرى المجزرة "إن بن غوريون كان يريد ضمان أن لا تتمكن عائلات الشهداء من رفع دعوات قضائية ضد الدولة عن الجريمة التي ارتكبتها بحق أبنائهم".
وأول مرة أجريت فيها المقارنة بين مجزرة كفر قاسم والمحرقة النازية كانت خلال المحاكمة العسكرية، آنذاك، حين سأل القاضي أحد الجنود المُدعى عليهم فيما إذا كان يبرر فعلته بأنها مثلما فعل الجنود الألمان باليهود خلال المحرقة. بعد 30 عامًا، تحديدًا عام 1986، قال شالوم عوفر، أحد الجنود الذين أدينوا بتنفيذ المجزرة، في مقابلة صحفية "كنا مثل الألمان، أوقفوا الشاحنات، وأخذوا اليهود، وأطلقوا النار عليهم. ما فعلناه هو نفسه، كنا نطيع الأوامر كما فعل الجندي الألماني خلال الحرب، حينما كان يُؤمر بذبح اليهود".
ويحتوي المنشور على صور لضحايا المحرقة النازية، أما العرض السمعي البصري فيتضمن رسومات ومنحوتات لجنود أطلقوا النار على مجموعة من النساء العربيات عند نقطة خالية، جنبًا إلى جنب مع بقع الدماء، والجثث، والأعلام السوداء، مع شعارات تقول "لن ننسى" و"لن نغفر".
مواضيع ذات صلة
الرئيس يستقبل أعضاء اللجنة التحضيرية للمؤتمر الثامن لحركة "فتح"
الاحتلال يصادق على إقامة مدرسة يهودية في الشيخ جراح بالقدس
رام الله: أهالي دير دبوان يشيعون جثمان الشهيد عودة إلى مثواه الأخير
سفارتنا لدى مصر توضح آلية العودة إلى قطاع غزة
تعديل على ساعات عمل معبر الكرامة يوم الثلاثاء المقبل
وفاة مواطن إثر انقلاب جرار زراعي جنوب نابلس
استشهاد طفل برصاص الاحتلال خلال اقتحام نابلس