عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 23 تشرين الأول 2016

عملية دهس أم حادث سير؟ رواية الناجية قرب كريات أربع

جدعون ليفي واليكس ليبيك

هارتس

ترجمة خلدون البرغوثي

كانا قريبين وأخوة في الرضاعة، والداته ووالدتها شقيقتان، ووالداهما أبناء عم، وهما في السابعة عشرة من العمر.. الآن صارا أخوة في الدم. فهو قتل وهي أصيبت بجروح خطيرة عندما ظن جنود الجيش أن ما يجري عملية دهس على مدخل مستوطنة كريات أربع. قبل شهر (23/9) كنا في مجلس عزاء فراس الخضور في بني نعيم قرب الخليل. التقينا موسى، الأب الفاقد، وعبد الله، والد الجريحة رغد الخضور التي كانت معه في المركبة.

كانت معتقلة وتتلقى العلاج في مستشفى "شعاري تسيدك" في القدس، ولم يسمح لوالديها بزيارتها. ولم يكونا على علم بوضعها وبحقيقة ما حدث. وقال والدها حينها إنه كان يظن أن ابنته حاولت تنفيذ عملية دهس مع فراس لأن جثة شقيقتها مجد التي قتلت خلال عملية دهس في الموقع ذاته قبل ثلاثة شهور لم تسلم للعائلة. وهذا أثّر فيها كثيرا. جثة مجد لم تسلم حتى الآن، والابتزاز الذي تمارس إسرائيل من خلال احتجاز الجثث متواصل. لكن رغد أطلق سراحها من مستشفى "شعاري تسيدك" دون تفسير، وتم نقلها إلى مستشفى الجمعية العربية للتأهيل في بيت جالا قرب بيت لحم، وهو مؤسسة طبية لها سمعتها الحسنة. رغد جليسة كرسي متحرك ومشلولة الرجلين بسبب شظيتي رصاص استقرتا قرب العمود الفقري ولم يتم استخراجهما بعد، وقد أصيبت بخمس رصاصات في بطنها وقد تعافت منها. تقول مجد ان شخصا بزي مدني اقترب منها واطلق عليها رصاصة وهي في السيارة وهذه هي الرصاصة التي اصابتها في ظهرها وتسببت بشللها ربما إلى الأبد.

في كافتيريا المستشفى ببيت جالا كانت أمها فاطمة ذات الـ37 عاما والوجه المبتسم، التي فقدت ابنة، فيما تعاني الثانية من جروح خطرة، كانت تنتظر انتهاء جلسة علاج طبيعي لرغد، وبناء على هذه العلاجات يمكن معرفة إن كانت ستقف على قدميها وتمشي. بعد إطلاق سراحها من مستشفى "شعاري تسيدك" طالب المستشفى العائلة بدفع تكلفة ثمن العلاج التأهيلي، لذلك اضطرت العائلة إلى نقلها الى المستشفى الحكومي في رام الله، هناك وبعد أيام قرروا نقلها إلى المستشفى التأهيلي هذا.

يمر معاقون بدرجة متفاوتة من الكافتيريا، بعضهم مشيا وبعضها على كراسي متحركة، ويتناول ذووهم الطعام معهم, والمكان مرتب. تصل رغد الينا على كرسيها المتحرك – شابة لطيفة، طويلة ورفيعة تظهر كأنها أكبر من سنها. عيناها بنيتان غامقتان، وطلاء أظافرها أسود، وتضع على رأسها منديلا أخضر. مضى 13 يوما على وجودها في المستشفى التأهيلي الذي قد تبقى فيها شهرا ونصف شهر أضافي.

تعاني من آلام شديدة، ورغم ذلك تبتسم كثيرا، في محاولة منها لإظهار أن كل شيء على ما يرام. "أنا أمها وأنا أعلم أنها تخفي مشاعرها الحقيقة"، قالت الأم فاطمة قبل وصول رغد وأضافت "أنا أعلم أن قلبها يبكي على ابن عمها الذي قُتل أمام عينيها".

تبتسم الأم أيضا، وعندما أسألها كيف تستطيعين الابتسام بعد كل ما مرت به الأسرة من فقدان الابنة مجد (التي تقول العائلة إن ما حدث معها كان حادثا أيضا)، تقول الأم: "هناك بيت شعر يقول "لا تحسبوا رقصي بينكم طربا.... فالطير يرقص مذبوحا من الألم".

يصل شابان عربيان من الرملة إلى الكافتيريا، أحدها يعمل رجل أمن في مستشفى "شعاري تسيدك" والثاني كان يعمل هناك. تعرف الإثنان على رغد في المستشفى، وصاروا أصدقاء، وعادة ما يأتيان لزيارتها في بيت جالا. بدت الفرحة على وجه رغد عند وصولهما. وعندما شاهدتنا (اي جدعون ليفي ومصوره اليكس ليبيك) تفاجأت وقالت يهود في المستشفى، وطالبت توضيحا عن هويتنا وماذا نفعل هنا، لكنها أبدت لطفها وكأنها كانت على علم مسبق بقدومنا.

تستذكر رغد ما حدث يوم الجمعة 16 ايلول الماضي، أفاقت الساعة العاشرة صباحا، فهو يوم عطلة من المدرسة، وعند الظهر اتصل بها ابن عمها فراس، وعرض عليها التجول في مركبة والده، لا نعلم إن كان حصل على موافقة والده على ذلك، ولا نعلم إن كان يحمل رخصة قيادة مركبة، لكنهما اعتادا على مثل هذه الجولة في السابق.

بعد وقت قصير وصل فراس في مركبة والده من نوع "ميتسوبيشي ماغنوم"وانطلقا، داخل بني نعيم لا يستطيع فراس القيادة بسرعة، فانطلق إلى شارع 60، حتى يستمتع بالسرعة العالية وليشعر ببعض الحرية كما يفعل الكثير من الشبان الفلسطينيين المحرومين من سبل التنفيس عن الضغوط.

تقول رغد أن فراس قاد المركبة بسرعة كبيرة جدا، ولم يتحدثا عن موضوع محدد، فقط استمتعا بالرحلة.

الفرامل تعطلت

تقول رغد إنها حاولت إقناع فراس تخفيف السرعة لكنه رفض. وعند اقترابهم من دوار بيت عينون، الذي يسميه الفلسطينيون "دوار الموت" بسبب كثرة حوادث القتل فيه، وقبل المنعطف باتجاه كريات اربع قرر فراس تخفيف السرعة حتى لا يلفت نظر الجنود والمستوطنين في محطة انتظار الحافلات. تضيف رغد "اكتشف فراس أن الفرامل تعطلت، فحاول رفع الفرامل اليدوية لكنها لم تجدِ نفعا، وشعرنا برعب شديد، التصقت بمقعدي وامسكت به بشدة من الخوف، وفقد فراس السيطرة على المركبة، امسك بالمقود وحاول إخراج المركبة عن مسارها فاصطدمت بالحاجز الفاصل واصطدم رأسانا بالزجاج الامامي الذي تحطم". تظهر لنا رغد آثار الجرح في جبهتها.

أطلقت علينا زخات من الرصاص. الجنود الذي يحرسون محطة انتظار الحافلات قرب محطة الوقود على مدخل المستوطنة أطلقوا النار أولا على فراس، رصاصة واحدة في رأسه والثانية في عنقه. وتضيف "رأيته ينهار وأدركت أنه مات"، بعد ذلك أطلقوا النار عليها، خمس رصاصات في البطن، ورصاصة مصيرية في الظهر أطلقها مدني بعد عشر دقائق من إصابتها برصاص الجنود، سقطت رغد بين المقاعد الأمامية، وكانت في وعيها عندما فتح الجنود الباب وسحبوها من المركبة. وضعوها على الطريق ومزقوا ملابسها، فحصها طبيب أو ممرض عسكري، وحملها الجنود على نقالة إلى سيارة إسعاف إسرائيلية وصلت إلى الموقع. فقدت الوعي قبل الوصول إلى "مستشفى شعاري تسيدك"، وعندما أفاقت وجدت نفسها مقيدة بالسرير تحت حراسة شرطيتين قامتا بواجبهما بشكل جيد. من حين لآخر كان يدخل رجل إلى الغرفة ويهددني قائلا "ستموتي". أجريت لها عمليتان جراحيتان، وتم التحقيق معها مرة واحدة في المستشفى لمدة قصيرة، وبعد 13 يوما انصرفت الحارستان دون أي تفسير، واطلق سراح رغد.

ردا على سؤال "هآرتس" إن كان سبب إطلاق سراح رغد هو زوال شبهة إن ما حدث كان عملية دهس، قال متحدث باسم الجيش إن ما حدث كان عملية دهس، "سائق مركبة خرج من مساره عن قصد ولذلك أصيب ثلاثة مدنيين. الجنود ردوا بإطلاق النار لإزالة التهديد، فقتل المخرب الذي كان يقود المركبة وأصيبت الراكبة المرافقة. وبعد العملية تبين وجود سكين في المركبة ورسالة في منزله تؤكد نيته تنفيذ العملية". وأضاف "خلال التحقيق مع الراكبة المرافقة، لم تظهر أدلة تربطها بالعملية ولذلك أطلق سراحها".

سألنا رغد عن خططها المستقبلية، وفجأة وللمرة الأولى طوال المقابلة اختفت الابتسامة عن وجهها وتساءلت بغضب "خطط؟! لا توجد لدي أية خطط، أنا قعيدة كرسي متحرك". بدا ألم كبير على وجهها، حاولت إخفاءه بسرعة.