عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 17 تشرين الأول 2016

"المرأة" الأجنبية وحضورها في الرواية الفلسطينية

يحيى يخلف نموذجا في رواية "راكب الريح"

ثورة حوامدة

لم تكن يافا مجرد مدينة لبنايات أثرية وشوارع مرصعة بتاريخ الأقوام التي داستها، ليست المنارة البحرية التي تجمع البحر حولها على استحياء، كما أنها ليست المنطقة الجغرافية التي كانت مركزا وطريقا مهما للحملات الاستعمارية، هي عالمٌ متخم بالجمال والطبيعة الساحرة، استقطبت كمركز حضاري قديم أجناس وجنسيات متعددة، باشاوات، ولاة، قناصل، وقادة جيش. إلا أن الجميلات/ النساء من بين الفئات التي فتحت فلسطين/عروس البحر "يافا" أبوابها لهن،  توافدن بشكل غير مبسوق، جمالهن الذي لا يقل جمالا عن شوارعها البديعة والمتقنة، لسبب اتضح أو لم يتضح بعد أتت بهن الظروف للعيش فيها، فانغمسن وكأنهن خلقن من رمال شاطئها.

الفن على اعتباره حلقة وصل

هكذا بدت يافا قبل النكبة بقرن وأكثر، مدينة الحب والمعمار والفن الشرقي والتعدد والتنوع . صورة اتضحت من خلال رواية "راكب الريح" الصادرة حديثا/2016م، للكاتب الفلسطيني يحيى يخلف.  بدقة نُسجت في تلك المدينة أحداث حراك فكري تنويري ثقافي، الرسم هو القاسم المشترك بين بطل الرواية"يوسف آغا" وفي لقب آخر "يوسف الصندلاوي/ اليافاوي"، وبين الأجانب القادمين من بلاد الغرب للتعرف على حضارة وتراث وفن الشرق، لوحاتٌ رسمت بشكل خاص للغرب القادمين للشام وفلسطين فقط، هذا بدا واضحا في أولى صفحات الرواية حين سرد الكاتب ما يخص اهتمام اليافاويين بالرسم وإقبال الأجانب/ الأوروبيين على هذا النوع من الفنون " كانت ثمة لوحاتٍ مخبأة لا تعرض إلا للخاصة، وهي اللوحات المحظور عرضها، لعشيقات وعشاق، ولنساء شبه عاريات يخلبن الألباب". لم يتمكن العامة أو المهتمون بالفنون أن يقتنوا مثل تلك اللوحات، ليس السبب فقط الثمن الباهظ، وإنما لأن البازركان لا يبيعها إلا للأجانب.

 

نساء وامتزاج واضح

على قدر واسع من الدقة والمزج، وبطريقة تتداخل فيها الصراعات الداخلية بين الشخصية النسائية الفلسطينية والشخصيات الأجنبية الوافدة إلى فلسطين، واللواتي لهنّ الباع والذراع والمشورة والجمال الآسر، استطاع الكاتب من خلال روايته الصادرة عن دار الشروق/رام الله، أن يظهر التفاوت والاختلاف بين المرأة العربية والمرأة الأجنبية. فثمة دور للثقافة المكتسبة والتي من خلالها يظهر الفرق واضحا بين من كان لهن الدور الأساسي، كصورة واضحة على قوة النساء ومهارتهن في السياسة والحب والعلاقات، وبين من كان لهن دورا باهتا لنموذج لا يحوي الكثير من الدهشة والطبائع الغريبة التي ترغب وتدفع في آن الرجال للاقتراب.

وفي الوقت الذي طغت فيه قضايا الهم السائد على الرواية الفلسطينية الحديثة، وتغيبت عنها المرأة غير الفلسطينية التي كانت على درجة عالية من الحضور اللافت في تركيبة المجتمع الداخلي، فقد تمكن الروائي/ يخلف من رصد المعالم الأساسية لعدة نماذج من النساء الأجنبيات، يتداخلن في بيئة شرقية تظهر الفروقات الفكرية والحياتية. صاحبات القصور ووصيفاتهن، والجواري ودسائسهن، والخادمات الوافدات اللواتي كن على قدر عال من الجمال والثقافة والمعرفة بالإتكيت، وعلى اطلاع بما أنتجته التحديثات الفرنسية الجديدة التي تجعل من القصور أكثر تنظيما وبهاءا، ومن الجيوش أكثر قوة ورصانة.

تهافت اتضح لقصص نساء قدمن من خارج يافا، وقدرتهن على سلب الرجال قلوبهم، ما تركن في حضورهن مللاً، ولا في غيابهن نسياناً. يُظهره الكاتب في صفحة 127 " في تلك الليلة داهمه حنين جارف للسيدة العطيموس،أخرجت الذاكرة ذهب الكلام الحميم الذي كان يدور في إيوان قصرها الصغير، وأخرجت الذاكرة من داخل السياق سيرة طفلة اختطفها القراصنة، انتزعت من كبد المأساة، وبيعت كرقيق للباشاوات، واندلقت من الذاكرة ألوان وريشة وخطوط ووجه يحفظه عن ظهر قلب. انثالت الذكريات، وتنقلت ما بين قصر السيدة إلى طفولة وشباب مبكر وقفز من أعالي السور إلى البحر وشاطىء يطل على منارة وسفن تمخر عباب الأمواج وأناس طيبين، وجواري القصر اللواتي يطللن من شرفات السرايا".

 

اختلاف يظهر التفاوت

لكل واحدة من تلك النساء اللواتي أقمن في يافا شخصية مختلفة، تجلى ذلك واتضح من خلال علاقات متشابكة جمعتهن مع البطل، نتج عنها امتزاج للأجناس وألفة ومحبة أحيانا وغيرة في أحايين.

الأم "بهنانة" كنموذج نسائي من أصل يافاوي، زوجة مطيعة لا يشغل بالها سوى زوجها وبيتها، أودعت ابنها " يوسف آغا" في مدرسة لتعلم الهندسة المعمارية في الشام، يمكن أن يكون هذا سببا مباشرا لتغيبه عن يافا عامين متتالين بناء على إلحاح والديه، لكن سببا آخر غير مباشر يتعلق بأفعال جنود الانكشارية وجو يافا المشحون بتخطيطاتهم للانقلاب على الوالي والسلطان. ميزها الكاتب عن غيرها من النساء بصفات الصبر والحكمة والوقار. أشارت بطريقة ما في الرواية/حديثها إلى أن الحب الذي تكنه في قلبها ليافا_فلسطين_، قد يدفعها لتضحي بحضور ابنها في يومها، حتى لا تكون يافا الجاني والجلاد في آن.

وكنموذج وافد ومختلف قليلا تأتي الجميلة "ماري" ابنة قنصل الدولة العثمانية في مدينة باردو في فرنسا، كانت العلاقة التي جمعتها مع بطل الرواية ترتكز على نقل ثقافة الشرق للغرب والعكس، فكان واضحا حديثه لها عن الزخارف والرسم والبازار، واللوحات الجميلة التي يرسمها والخط العربي الذي يتقنه، والمعمار وجماله في يافا. وهي بدورها راحت تقص عليه عن الحريات، أو ما افتقدته في يافا حين وصلت إليها، وتحديدا حرية النساء في لبس ما يردن، وحريتهن في استقبال الغرباء أو السهر معهم بكل حميمية وانفتاح، وكيف لهن أن يلبسن لباس البحر المكشوف المخصص للسباحة، على عكس نساء يافا اللواتي كن يلبسن القمصان الفضفاضة والسراويل. أوضح الكاتب/الراوي هذه الحياة المنفتحة والمتفتحة من خلال حديثه عن هذه العلاقة التي جمعت بينهما، "حدثته عن مجتمع باردو، وكيف تسهر وتستقبل الغرباء بكل الود ، وعن حرية النساء ومشاركتهن في الحياة العامة، وإباحة الاختلاط بين الذكور والإناث في المدارس والمسارح وحفلات الرقص" .

 

الحضور اللافت والمغاير نسائيا في الرواية كان لشخصية "العطيموس" الفتاة القادمة من الأناضول، صاحبة القصر الذي يجاور قصر الوالي في يافا، البعض قال إنها يهودية، ومنهم من قال بأنها مسيحية، والبعض قال إنها بوذية.  كان تحديد ديانتها أمرا صعبا، كما تحديد أصولها غير المعروفة، الشركسية أو التركية أو الإفريقية. هذه الاعتبارات لم تكن ذات أهمية أمام يوسف اليافاوي، فالأهم هو تلك العلاقة المركبة التي جمعتهما، أشبه بلوحه فسيفسائية متقنة، لم تدرج ضمن الحب أو الصداقة، ولا هي بالسطحية العابرة ليمر عنها مرور الكرام.

"العطيموس" وفي وقت قصير استطاعت أن تسلب بطل الرواية تفكيره، كانت جميلة وباذخة الهندام، تفوقت على نساء يافا في الجمال والأبّهة، وتصميمات الملابس والقلائد والشالات. وصف الكاتب/الراوي جمال الحضور الأول لها في ذاكرة البطل " أذهلته إطلالتها، لكنه سيطر على إحساسه الأرعن، وقابلها بتهذيب ورقة، وبيديها المخضبة أشارت له بالجلوس على المتكأ. جلست ولم تأبه برعشة لمحتها، لعلها اعتادت ذهول الرجال الذين يقابلونها لأول مرة" . وبناء على طلبها ولعدة لقاءات جمعتهم في القصر، طلبت "العطيموس" من البطل أن يرسمها في لوحة كبيرة، وبعد موافقته وتردده على منزلها لأيام، أتم رسم لوحة من أجمل لوحاته التي رسمها، والتي لم يطلب أجرا مقابلا لها سوى قُبلة محبة واحترام.

 لحسن حظها كانت هذه اللوحة هي الناجي الوحيد في ذلك القصر، مما خلفته الحملة النابليونية الهمجية التي عصفت بيافا وأطاحت بجمالها أرضا، طالت المنازل والحواري والبازارات والمحلات، وحشية طرق الإعدام والقتل أسدلت ثوبا متشحا بالوباء والسواد والمجازر والموت، هو اللون ذاته الذي طغى على يافا يوم رحيل العطيموس عنها وتركها مقفرة رمادية .

كانت "العطيموس" على اطلاع بشؤون الثقافة الفرنسية، جمعتها بالبطل عدة لقاءات أفصحت خلالها أنها من إحدى الجواري اللواتي تربين في قصور السلاطين، وبذكائها استطاعت أن تبعد نفسها عن كل ما يدور في بيئة القصور الماجنة، فهي لا ترى نفسها كمتعة سرير لأحدهم، لم تجد مكانا في أوروبا ولا العالم مكانا يضاهي جمال فلسطين/يافا فاستقرت بجانب البحر لجمال الإطلالة وهدوئها، مستغلة مكانتها عند الولاة والباشوات لتظفر بالعطايا والهبات والجواري. لكن هذا الحال سرعان ما تبدل مع رحيل البطل عن يافا إلى الشام بعد حرق البازار الخاص من جنود الجندرمة.

للشام ذائقة جنونية

رحلة البطل في الشام تركت في ذاكرته أيضا ما لا ينسى من صنوف النساء، امرأة دمشقية، لقبها "ذات السن الذهبية"، امرأة الإنس والجان معا، خلقت _على حد زعمها_ للغواية وللفتك بالرجال وإذلالهم، أغوت "البطل" للحاق بها إلى منزل يجاور المنزل الذي يقطنه. فكان نصيبه من ذلك اللقاء أن سُحب إلى  مركز شرطة ذلك الحي وحكم عليه بثلاثين جلدة بتهمة تسلله إلى منزل جيرانه منتصف الليل. كان سهلا عليه أن ينهي وجود هذه الشيطانة، إذ إن  قُبلة واحدة منه _من ذلك القرين الذي يسكنه وينشط في لحظات الحب والحرب_ حولتها إلى رماد، هي القُبلة التي عُرف بقوته من خلالها، فحين ينشط ذلك القرين في داخله، يتفجر منه قوة مضاعفة لا يسيطر عليها بشر ولا جان ولا سلاح.  بسبب هذا القرين ترك وشما على نحر جارية، وشاعت الأساطير حول تلك القُبلة النارية "صرخت صرخة مرعبة، احترق أسفل رقبتها عند نحرها بجمر شفتيه، كانت تلك هي تجربته الأولى، لم يدر ما الذي حصل، أي بركان هذا الذي يسكنه، وكيف تحول جسده إلى سفود نار" .

تفاصيل لامرأة هندية

في رحلة البطل "يوسف" التي بدأت من يافا إلى الشام وكانت نهايتها في أضنة (تركيا)، قبل أن يقرر العودة إلى يافا بعد أن سمع عن حملة نابليون بونابارت على فلسطين. هناك وعلى يد "باهر الهندي" المعلم والحكيم ، استطاع أن يعالجه لإخراج ذلك القرين الذي يسكنه، الذي كان يخلق منه انسانا خارقا أسطوريا، لم يكن الأمر سهلا عليه أن يُعَالَج بطريقة أشبه برياضة "اليوجا"، لكن القوة الداخلية التي بحث عنها بمساعدة حكيمة كانت أقوى من قرينه.

 "فيديا" بزيها الهندي الذي أضاف على شكلها جمالا مختلفا "كانت تلبس الساري بألوان زاهية ومزركشة ونقوش زخرفية، يلتف حول جسمها ويبرز خصرها، تبدو فيه ممشوقة القوام، كان وجهها متوردا، لعلها وضعت بعض مساحيق التطرية". لم تكن تقل جمالا عن نساء يافا والشام، لكنها كانت أكثرهن خجلا وحكمة ورصانة. عاشت الفترة الأطول من حياتها في منزل الشيخ الحكيم الذي عالج يوسف من قرينه، تتلمذت على يده وخاضت غمار نقاشات كثيرة في الحب والسلام وتقبل الآخر واحترام الأديان.

تبعت "فيديا" يوسف إلى يافا، تحمل بين يديها كتابا يعتبر في حد ذاته رابطا بين الكتب السماوية والأديان في العالم، يحوي رسالة محبة وسلام تنوي إيصالها إلى فرنسا وجنودها الذين حولوا يافا لمدينة الخراب، كانت تطمح من خلال هذا الكُتيّب أن يكفوا شرهم عن الخلق والناس. تركت يافا في نفس فيديا أثرا كأنها كانت منها وعادت إليها " كانت الأشياء في المدينة تبدو في تلك اللحظة أكثر جمالا وروعة، وحركة الناس تبدو مؤنسة وحميمة" .

 

..