"العجز الكبير".. بشاعة الرأسمالية
يحاكي فيلم "The Big Short" أو العجز الكبير، إرهاصات وتداعيات الأزمة المالية العالمية التي بدأت في الولايات المتحدة الاميركية عام 2007، مستندًا في معالجته الاقتصادية إلى رؤية مايكل لويس الذي ألف كتابا عن حقيقة الازمة، ويظهر الفيلم كيفية استفادة بورصة وول ستريت من قلة معرفة الحكومة المركزية الاميركية والبنوك بحقيقة تعاملاتها، ما انعكس سلبًا على واقع الاقتصاد الاميركي والعالمي.
ويستعرض الفيلم الدرامي المالي الذي انتج في الولايات المتحدة الاميركية عام 2015، واخرجه آدم مكاوي، الآثار المدمرة التي خلفها المتهورون والمجازفون الاقتصاديون في اميركا، والتلاعب بالمنظومة الاقتصادية "الرأسمالية" والتحايل عليها دون شعور بالمسؤولية، انطلاقًا من فلسفة "الفردانية" المستمدة من التنافس الحر وسياسات السوق المفتوح، التي قد تمكن الافراد من الحصول على الثراء بطريقة سهلة، معتمدين على سياسة المجازفة.
ويحاور سيناريو الفيلم الذي حاز على أفضل جائزة اوسكار لأفضل كتابة لسيناريو مقتبس، دور السياسات المالية التي تبناها البنك المركزي والمتمثلة بسعيه لتنشيط الاقتصاد من خلال خفض معدلات الفائدة، بغرض تحفيز الاستثمار، مظهرًا إياها سياسة شكلية لا أكثر "فقاعة"، باعتبارها سياسة مالية تعود بأرباح مادية سريعة تكمن اشكالياتها في أن الاقتراض غير مرتبط بالادخار.
ورغم قلة اهتمام الجمهور العريض بالقضايا الاقتصادية، وقلة معرفته بخباياها وخفاياها، الا ان الفيلم ورغم صعوبة بعض المصطلحات الاقتصادية والنظرية التفسيرية والتحليلية المستخدمة، تمكن من أنسنة القضايا المالية والاقتصادية وقدمها للجمهور بطريقة تثير اهتمامه، بفعل الطابع الدرامي الفكاهي البسيط الذي انتهجه ابطال الفيلم ومنهم كريستيان بيل، وستيف كارل، وريان غوسيلنغ وبراد بيت، بالاضافة الى ما تمتعوا به من جاذبية كمشاهير عالميين، لإضفاء طابع شخصي لشرح المعضلة المالية ومحاولة التنبؤ بها قبيل وقعها، فيما شكلت تحديًا كبيرًا لدى الجماهير الاخرى لاعتبار اللغة اضافة للاعتبارت الاخرى المذكورة.
الفيلم كمادة اعلامية يصنف على أنه "اعلام اقتصادي"، ويحاول ان يترك انطباعا معرفيا لدى المتلقي بأهمية دور الاعلام كسلطة رابعة والاعلام الاقتصادي كسلطة خامسة في المجتمع الغربي، والتحدي الاعلامي لفهم السياسات الاقتصادية والمالية وآليات تفسيرها وتبسيطها ليفهمها الجمهور بإمكانياته المتفاوتة، مستندًا بذلك على الكم الهائل من الغضب الممزوج بالسخرية التي يبدبها ستيف كارل بدوره المتألق، ومحاولاته المستميتة لفهم ما يحدث والعواقب التي قد تترتب جراء ذلك، عبر سيناريو يستند على تبسيط الامور بطريقة تهكمية وهزلية احيانًا، مستخدمًا ألفاظًا مستقاة من لغة الشارع لجذب انتباه الجمهور لفهم مواضيع لم يكن ليفهمها لو لم تعرض بهذه الطريقة وهذا الاداء الذي يكون أقرب الى الواقع، كونه مستندًا بالاساس من قصة حقيقية واقعية هزت الاقتصاد العالمي.
القصة الواقعية "الفيلم" كمادة اعلامية يهم المتلقي لاعتبارات عدة، ابرزها ما تجلى من آثار على الاقتصاد العالمي وتسبب في تقليل فرص العمل والخسائر المالية، وما رافقها من تأثيرات يومية على حياة المواطنين، وكيفية ادارة ثروات الشعوب وسبل استغلاها واستثمارها، حيث عرض الفيلم حقيقة جشع الرأس مالية بطريقة قانونية منظمة بغض النظر عن اخلاقياتها.
أبدع النجوم الأربعة كريستيان بيل، وستيف كارل، وريان غوسيلنغ وبراد بيت في أداء ادوارهم باقتدار وتألق، في سيناريو جذاب ومتقن، مكن الفيلم من ان يكون مادة اعلامية وتثقيفية مهمة، فيما يتعلق بالاعلام الاقتصادي عالميا، فالكاريزما والحضور الانيق الذي تحلوا به في أدوارهم، ساهما في تميز الفيلم ونجاحه عالميًّا.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين