عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 03 تشرين الأول 2016

نتنياهو أعاد كتابة التاريخ بتأبينه لبيريس.. اوباما وكلينتون ذكراه بالحقائق

هآرتس - بقلم: براك ربيد

قبل بضع دقائق من بداية مراسيم جنازة رئيس الدولة السابق شمعون بيريس، حيث تجمع الملوك، الرؤساء ورؤساء الحكومات من أرجاء العالم في ساحة جبل هرتسل، التقى بنيامين نتنياهو مع أبو مازن. وقد كان ذلك لقاءً خاطفا. 50 ثانية فقط. تصافح بالأيدي وتبادل المجاملات وايضا الاحراج الكبير لدى القائدين اللذين وجدا صعوبة في النظر في عيون بعضهما البعض، الامر الذي لاحظه كل من شاهد هذا المشهد السريالي.

جميع السياسيين الاسرائيليين الذين ألقوا الخطابات في الجنازة تجاهلوا عباس تماما، وكان الأبرز من بينها تجاهل نتنياهو. كانت هذه وقاحة. ففي بداية خطابه الذي كان باللغة الانجليزية شدد نتنياهو على ذكر ضوء لوكسومبورغ، لكنه لم يجد مكانا لقول كلمة واحدة جيدة عن الرئيس الفلسطيني الذي أظهر الانسانية والجرأة وحضر الجنازة رغم الانتقادات الشديدة التي وجهت اليه من جميع اطياف الساحة السياسية الفلسطينية. جميع المتحدثين الاسرائيليين تجاهلوا تقريبا الارث المركزي لبيريس في الـ 25 سنة الاخيرة  - اتفاقات اوسلو. وكان الوحيد الذي ذكر ذلك هو عاموس عوز.

أول من تحدث في المراسيم كان رئيس الدولة رؤوبين ريفلين. فقد تحدث عن بيريس واليه. وكان أبرز ما في كلامه هو الاعتذار من بيريس بسبب التحريض الخطير ضده من قبل اليمين حين كانت العملية السلمية في ذروتها في منتصف التسعينيات. وفي كلمته تحدث ريفلين عن أنه رغم حب بيريس للتاريخ، إلا أنه "لم يغرق في الماضي ولم يتشبث بشعور الصدق الذاتي"، بل هو ركز على الفرص التي يحملها المستقبل. وبعد ذلك بفترة قصيرة عندما صعد بنيامين نتنياهو الى المنصة للتحدث، ألقى خطابا مليئا بالتمسك بالصدق الذاتي.

خلافا لريفلين، نتنياهو لم يعتذر عن أي شيء. لا عن المنصة في ميدان رابين، ولا عن الاهانات والهجوم الشخصي قبل انتخابات 1996 ولا عن التحرشات والاهانة الصغيرة التي تعرض لها بيريس على مدى سنوات الاخيرة كرئيس للدولة. وبدل ذلك حصلنا على كتابة للتاريخ وقصص كاذبة حول التقارب، الصداقة والحب اللانهائي بينهما. رئيس الولايات المتحدة السابق بيل كلينتون الذي استمع لم يكن في استطاعته الامتناع عن التطرق الى نتنياهو في خطابه وتذكيره بأن تلك الصداقة، اذا كانت موجودة أصلا، جاءت بعد حملة فظة وصعبة ضد بيريس. "شمعون هو الذي أبقى الباب مفتوحا"، قال كلينتون. وقال نتنياهو إنه هو وبيريس لم تتشوش الخلافات بينهما، لكن كل خطابه كان محاولة للتشويش على الخلاف الرئيس بينهما حول السلام مع الفلسطينيين – هذا الخلاف الذي ازداد في السنوات الاخيرة. ومثلما فعل في الماضي في خطاباته عن رابين تحدث عن المزيد والمزيد من الاقتباسات لبيريس من اجل تأكيد موقفه هو. فقد زعم أنه في أحد اللقاءات بينهما حدث جدل مع بيريس حول ما هو أكثر أهمية لاسرائيل، السلام أم الأمن. وقال نتنياهو إنه في ذلك الجدل زعم بيريس أن السلام سيوفر الأمن، أما هو فقد صمم على أن الأمن هو الذي سيؤدي الى السلام. "كان كلانا على حق"، لخص نتنياهو.

رغم اقوال نتنياهو الاورويلية (نسبة الى اورويل) عن الخلاف الاساسي الذي قسم المجتمع الاسرائيلي منذ خمسين سنة، منذ العام 1967، فانه لا يمكن أن يكون هو وبيريس على حق. في السنوات الثماني الاخيرة تحدث نتنياهو كثيرا عن السلام لكنه لم يفعل أي شيء. بيريس في حياته العامة لم يتحدث كثيرا عن الأمن، لكنه فعل في هذا الموضوع أكثر من أي اسرائيلي آخر منذ قيام الدولة.

الكاتب عاموس عوز الذي تحدث بعد ذلك ببضع دقائق، رفع القناع الذي حاول نتنياهو وضعه على وجهه ومزق ورق السلوفان الذي غطى الخطابات التي سبقته. فقد تحدث عوز عن السلام مع الفلسطينيين كموضوع اساسي في ارث بيريس دون أن يتشوش أو يحاول احداث البلبلة. السلام، وليس تطور الهاي تيك أو النظارات ثلاثية الابعاد، زعم عوز أن السلام ممكن، ضروري ولا يمكن الاستغناء عنه" وأنه لا مناص من تقسيم البلاد. وأضاف وهو يرمز لنتنياهو "الجميع يعرفون ذلك في أعماق قلوبهم"، قال عوز، "أين القادة الشجعان الذين يمكنهم مواصلة طريق بيريس؟".

وكان آخر المتحدثين في الجنازة هو رئيس الولايات المتحدة براك اوباما. ومثل عاموس عوز، اوباما ايضا ذكر رئيس حكومة اسرائيل بأن عباس والفلسطينيين موجودين. "وجود الرئيس الفلسطيني هنا هو تذكير بأن هناك عمل لم نستكمله بعد بخصوص السلام"، قال اوباما في بداية خطابه.

اوباما من جهته حسم النقاش بين نتنياهو وبيريس. فهو لم يفكر أنهما على حق. وفي خطابه مدح بيريس الذي فهم بأن اسرائيل ستكون آمنة فقط نتيجة اتفاقات سلام مع جيرانها. وقد قارن تلميحا الى انهاء احتلال الفلسطينيين الذي سعى اليه بيريس وبين انهاء عبودية السود في الولايات المتحدة. مثل كلينتون من قبل، اوباما ايضا رفض كل الذين من اليمين الذين اعتبروا بيريس غريب أو منقطع عن الواقع. "من محادثاتي مع بيريس عرفت أن سعيه الى السلام لم يكن ساذجا أبدا"، قال الرئيس الامريكي، "إن مسؤولية تحقيق السلام ملقاة على ورثته".

وقد وصف اوباما بيريس أن له مكانة في المجتمع الدولي وقارن بينه وبين رئيس جنوب افريقيا السابق الذي ناضل ضد نظام الفصل العنصري، نلسون مانديلا. وأكد كيف أن بيريس صمم على الحديث بشكل عميق، ولم يتأثر من استطلاعات الرأي، بل كان على قناعة بصدق طريقه وسعى الى تحقيق اهدافه. تلميح اوباما لنتنياهو كان واضحا، فهو على قناعة من أعماق قلبه منذ بضع سنوات أن الامر الوحيد الذي يمنع نتنياهو من اتخاذ القرارات هو بقاءه السياسي.

خطاب اوباما في جنازة بيريس كان بمعنى معين استمرارا للرسالة التي حاول ايصالها في خطابه الاخير في الامم المتحدة قبل اسبوع. فقد وصف اوباما نفسه هو وبيريس كتوأم بالنسبة لمواقفهما. وقد رأى بيريس العالم مثله كما يفترض أن يكون وحاول تغيير الواقع بناء على ذلك. ومثله فان بيريس في العقود الاخيرة على الأقل، كان شخصا تقدميا وليبراليا وامتنع عن بث الخوف وركز على الايمان بأن الغد سيكون أفضل.

اوباما صور بيريس في خطابه كجزء من اسرائيل التي تربى عليها. كجزء من اسرائيل كمجتمع نموذجي تعرف عليه من اصدقائه اليهود الليبراليين في شيكاغو. كجزء من صهيونية في قلبها العدالة والأمل والسلام. اوباما وكثيرين غيره في المعسكر الكبير الذي يمثله في الولايات المتحدة شعروا منذ وقت طويل أن اسرائيل هذه آخذة في التلاشي. وذهاب بيريس كان هو ايضا حدث رمزي فقط، الامر الذي قد يزيد من هذا الشعور لديهم.