حروف الشاعرة المتألقة
كاظم الوحيد*

ما ان تقرأ حروف الشاعرة المتألقة * ساناز داودزاده فر* , الا وتستوقفك لغة الأيحاء العميقة في التعبير ولو رأينا كيف اختارت عنواناً لديوانها الأخير (أمشي على حروفٍ ميتة ) ستتضح صورة السير على من هو ميت فتلك وحدها تحتاج الى وقفة وتأمل الى ما ورد في خيالها.
وبين رحيل جدها ولقاءاتها مع الحبيب مسافة دخان ورماد وأكواب شاي ساخنه مرة تقترب الى روحها بدفء المشاعر , وتارة تسعى الى ازالة الحواجز بلغة العشاق لا بلغة التأشيرات وسمة الدخول الرسمية , فالحب لديها وطن وأرض وكرامة.
وبين تبخر عقارب ساعتها خارج المألوف يبرز حلمها وحديثها المكتظ بالضباب تلك هي ولادتها المليئة بالدموع متمنيه لرحيلها الموناليزي المبتسم المتوجه الى باريس والمغطى براحة الحب لتناشد الأرض ان تغني لاخطائها مخاطبة الكون بلغة العصافير الموجعة بالألم.
وفي محطة استبدال الحلم نام اليورانيوم المخصَّب في سريرها ليكون بديلاً للدفء الحالم فتفجر من سخوة المشاعر ليولد رسول يونان المخضب باعجاز الشعر مردداً جمل الخيال في صمت الكؤوس وخرير شلالات انفاس السيجار المصحوب بالسعال بدون جرعة او مهدأ حالمة بالمطر الذي ايقظ الهواجس لتتوهج الذكريات لتعيش بين اطلاقات الرصاص وبين السير على سطور الموت, فأختارت الموت على ورقٍ ابيض كالكفن.
وفي محطة البحث وجدتها تبحث عن رشفة دخان من سيجار العشق لتطير عبر نافذة الذكريات لتحلق فوق واحات طيفها الخضراء.
ثم رأيها عالمة آثار متخصصة بالهياكل العظمية واسرارها لتكتشف سر التناقض بين اوزان العظام المكسوه لحماً وبين الهياكل المتحجره.
لتجد نفسها انها لازلت هيكلاً عظمياً جاهزاً لعاشقها بشهادة طيور البطريق القطبية القاطنة في جزر معزولة تلتهما النيران واشجار لا تكاد ان تتنفس.
وما ان بلغت العشرين اذ رمت نفسها في جزيرة المنافي التي لا يصلها المطر ولا تسمع غير اصوات الغربان وقريع الطبول لتجد نفسها مطوقة بماء الصدأ معاتبه الليل بدون لون سواده الحالك لترسم في حلمها مسرحاً لغرفة نومها بسيجارها المعتاد ثم تنجاي طفلاً نائماً تحلم ان يكون لها السلام .
هكذا هو حبها السريالي المفعم بالخيال وما ان تتصاعد حمى العشق فيها الا وتناولت حبوبها المهدأة بين ان تنام او تستيقظ كي لا تفقد حلم مخيلتها .
وحين اتاها الموت لا ترغب بوجود غيرك لتقول له كلمتها الاخيره .
وفي فصل اخر تجد ان كلماتها تكاد ان تكون مثقوبة وحروفها ظلت طريقها ما ان تقف على نارها فتحترق وتصبح رماداً او ان تموت واقفة كما تولد وتموت الاشجار , وحتى في كبرياء ذهابها ان لم تستطع رسمت لوحة حصان لتقول لا يمكن لي ان اكبح جماحي ما دمت حية ولا اخاف ازيز الرصاص ما دام الموت هو لعبتي منذ طفولتي .
تلك هي عندما تريد .. تخيط على نفسها تاج عشقها لترسم على الارض بسطور افقية كبريائها متحدية كل الغربان .
وفي عالم الموتى تجدها لا تقرأ في سطور الموت الا صحيفة الغرف عبر الخنادق من نوافذ النوم .
وعندما تبحث عن استراحة لها تشرب فنجاة قهوتها برؤية تشبه عشقها لا تبالي بالوقت مهما تساقطت ساعته وربما تسعى ان تقدم له رشوةً كي لا تنقض سويعاته .. ثم سرعان ما تفكر ان تضع مسدسها جنبها محشواً بالرصاص ليكون ردها سريعاً لتحول لغة الحروف الى لغة البارود لتملأ سطورها الفارغة.
تلك هي الحالمة في ان تكون سمكة صغيرة تبحث عن حراشف دفئها حتى وان كان الماء عكراً فلها وجود تبحث عنه وربما ستجده ناقصاً من على قماش الرسم لتبكي سواد عينيها في فراشاة يديها .
وبين الرسم ومناجاة الشعر تجد ان شعرها يهرب منها ولن يأتيها الا بعد ان يعود العشق لها ليناديها قلمها الرصاص انه جاء اليها.. تحملها الغربان وهي تشعر ان قلبها كالحمام فكيف تتطابق الغربان مع رقة الحمائم تلك هي ابجديه التناقض في رسم لوحتها على علبة كبريت .. فلا تشعل سيجارك بالقرب منها فتنفجر وتموت.
وحتى الموت كان له سعر في حروفها يكاد ان يضاهي سعر الزيتون فلا وجود للسلام حينها.
ما بالك ايها العشق .. فأنشر ورقتك على حبل غرامها لتجدها عاشقة وحالمة تتراقص حروفها طرباً بثياب الورد تلك هي فلا تفارقها وهي تشعر انك كالظل لها.
واعلم انها لن تموت بل نام الموت في حضنها لانه شعر بالدفء ورغم كراهيتها لك لكنها لاتريد لك الموت بل تريد ان تراك سيجاراً تشتعل في لياليها لترى كيف تموت وتدفن.
منعزلة هي تماماً فلا تأتِ اليها وعليك ان تدرك ان صوت اجنحة الفراشات في داخلها ولد لها وحدها وتلك هي حياتها والحياة في قاموس حروفها كارثة كبرى ولا شيء اخر يمكن ان يكون بالنسبة لها كارثه.
شعرت بالشيخوخة مبكراً واحتاجت ان ان تقدم على التقاعد من الحب بعدما استقيظت من حلمها الذي رحل.
وبين اليوم والامس ظهرت ازهار شجرة التفاح لتلوح للحياة انها ستعيش ولا بد للحياة ان تعيش ايضا فدعت الموت والحياة ليسامرا في ضيافتها بفنجان شاي لتسمعهما أغنية ... ثم تسائلا من هو مطربها فكانت الاجابة عذراً ان اغتيل بصمت.
فلا تتذمرا فتلك الشوراع خالية يسودها الصمت.
عذراً لكِ ايتها المبدعة لم اكن ناقداً ادبياً لكن وجدت عزفاً جميلاً في حروف ديوانك فولدت بصمتي المتواضعة هذه ..
*مملكة السويد
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين