عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 24 أيلول 2016

قطاع غزة.. قنبلة موقوتة

هآرتس – عمانويل سيفان

الانتفاضة التي اندلعت قبل 29 سنة في 9 كانون الاول 1987 نسيت تقريبا من شدة الزعزعة التي اعقبتها، وهذا مؤسف. لم يتم استخلاص العبر رغم أنه كان واضحا انها شكلت نقطة تحول في تاريخ الصراع الاسرائيلي الفلسطيني. "لقد وضعت حدا لعشرين سنة من الخداع الذاتي". والتي اعتبرت ان الهدوء النسبي في المناطق قد يستمر الى الأبد، كما تمت الاشارة بعد عدة اشهر من اندلاعها من قبل مراقب مجرب هو رئيس الاستخبارات السابق الجنرال احتياط شلومو غازيت (حسب وثيقة من شباط 1988 والتي وردت في كتابه "على مفترقات حاسمة"). وقد اشارت ايضا الى تحويل سكان المناطق وخصوصا الجيل الشاب الذي ترعرع تحت الاحتلال الاسرائيلي الى العنصر الفاعل في الصراع.

اربع سنوات من الانتفاضة بدأت بالمظاهرات في قطاع غزة بعد جنازة اربعة سكان من مخيم جباليا الذين قتلوا في حادثة طرق. السيارة العمومية التي سافر فيها الاربعة اصطدمت بشاحنة اسرائيلية قرب حاجز ايرز. وفي اعقاب الحادث انتشرت الشائعات في غزة وكأن التصادم كان عملية اسرائيلية انتقامية موجهة، في اعقاب قتل مواطن يهودي على يد فلسطيني قبل ذلك ببضعة ايام. كان قطاع غزة ايضا مركز اندلاع الغضب والعنف الجماعي، الامر الذي سمي باسم الانتفاضة.

كانت نقطة تحول، لكن التوقيت لم يكن ضروريا. يمكن أنه كان بالامكان تأخير العنف أو تقليصه لولا اللامبالاة الاسرائيلية تجاه الوضع في المناطق، وخصوصا في غزة. وهذا يستحق لقب "فشل" الذي ينضم الى قائمة الفشل الطويلة لحكومة اسرائيل من عشية يوم الغفران 1973 فصاعدا. 12 سنة بعد تلك الحرب تكرر الفشل الذي نبع من اللامبالاة والتعالي حول ما يحدث وراء الحدود وهذه المرة وراء الخط الاخضر.

وثيقة لافتة توضح الوضع الذي ساد هي تلخيص نقاش في طاقم التفكير حول الشرق الاوسط، الذي اقامه الجنرال احتياط ابراشا تمير، مدير عام مكتب رئيس الحكومة في ايام حكومة الوحدة الوطنية والذي وقف على رأسها في ذلك الحين شمعون بيريس. وقد اعطيت الوثيقة لوزير الخارجية اسحق شمير وعدد من الوزراء. وسوف اقتبس بعض المقاطع منها، سواء اقتباسا كاملا أو ملخصا. وما حدث مع الوثيقة والردود عليها هي شهادة لطريقة تعاطي الحكومة مع المناطق.

طاقم التفكير، جلسة 25/6/1985: "قطاع غزة" اقتصاد، ديمغرافيا وعملية السلام.

"ناقش الطاقم مشاركة ابراهام تمير وعمانويل تسيون، العقيد افرايم كام، رؤوبين داف، وغاب ممثل الموساد. وشارك ايضا العقيد يشعياهو ايرز، رئيس الادارة المدنية، ومستشاره للشؤون العربية دافيد حاخام وايضا العقيد شالوم هراري، مستشار منسق المناطق للشؤون العربية".

بدأت الوثيقة باعلان دراماتيكي: "قطاع غزة هو قنبلة موقوتة من الناحية الديمغرافية والاقتصادية ومن الناحية السياسية والامنية ايضا". وفي السياق: "أ- الديمغرافيا: منطقة القطاع تبلغ 360 كم مربع يعيش فيها 520 ألف شخص. الاكتظاظ السكاني هو 1391 شخصا لكل كيلومتر مربع وهذا من اقوى النسب في العالم (وللمقارنة: الاكتظاظ في الضفة الغربية يبلغ 130 شخصا لكم مربع. التكاثر الطبيعي هو 4500 للعام والوفاة 0.6. كل سنة يضاف حوالي 20 ألف طفل جديد. ميزان الهجرة ايجابي، أي أن الحركة هي باتجاه القطاع (توحيد عائلات، عودة عمال من الخليل بسبب الازمة الاقتصادية هناك). في ظل التزايد الحالي سيصل عدد سكان القطاع في سنة 2000، 900 ألف شخص مع ما يعنيه ذلك من مشاكل الاسكان والبنى التحتية والتعليم وغيرها. هذه المشاكل التي تتفاقم سنة بعد اخرى".

عدد سكان القطاع اليوم يبلغ اربعة اضعاف وهم يبلغون اكثر من مليونين.

"ب- الاقتصاد: القوة الاقتصادية في القطاع تقلصت، لذلك فان نصف قوة العمل (42 ألف) تعمل في اسرائيل. ومن بين العاملين في القطاع هناك 16 ألف عامل في المصانع الاسرائيلية (مثلا مصانع الملابس). إن التغيير في سوق العمل الاسرائيلية قد يحدث هنا صعوبات كبيرة (يجب التذكر أن اكثر من 20 ألف ممن يعملون في اسرائيل يعملون في البناء، وهذا قطاع حساس جدا تجاه التحولات الاقتصادية) ولا توجد لدى الادارة المدنية ميزانية لمعالجة البطالة. إن بنية العمل في قطاع غزة نفسه هي شديدة المحافظة (التشديد على الزراعة والتجارة) وحجم قوة العمل، سواء في اسرائيل أو القطاع هو 20 في المئة فقط من مجموع السكان. وهذه النسبة تعتبر اقل مما هي في دول العالم الثالث. والمشكلة الاكثر خطورة هي توفير اماكن عمل للمتعلمين الذين يزداد عددهم، خصوصا من بين اللاجئين الذين يهتمون بالتعليم العالي (7 آلاف ممن أنهوا المرحلة الثانوية و6 آلاف خريجي الجامعات في كل سنة). وبسبب غياب فرص العمل المحلية تتقلص فرص العمل في دول الخليج. اليوم هناك على الاقل 3 آلاف اكاديمي يعملون في المهن وهذا يخلق الامتعاض وعدم الاستقرار".

هنا تنتقل الوثيقة الى استعراض الاعمال الاسرائيلية القليلة لاعادة تأهيل اللاجئين (تقوم اسرائيل بتأهيل 4 آلاف شخص كل سنة، في الوقت الذي يبلغ فيه التكاثر الطبيعي 10 آلاف) الوثيقة تستعرض المبادرات القليلة للادارة المدنية وفشلها وعادة بسبب غياب الميزانيات. كانت هناك محاولة جدية لاستغلال ما يزيد عن حاجة البساتين من اجل اقامة مصنع للعصير المركز، لكنها لم تنجح بسبب معارضة اللوبي الزراعي الاسرائيلي. المصنع الكبير الوحيد هو مكان التغليف في حاجز ايرز الذي يعمل فيه 130 عاملا، وهو ايضا لم يحصل على تسمية منطقة تطوير أ. المياه هي مشكلة خطيرة. "القطاع يستهلك 110 مليون كوب ولكنه يوفر فقط 65 مليون".

الوثيقة تتحدث ايضا عن العلاقة بين غزة والضفة الغربية: "علاقة سكان قطاع غزة مع الضفة الغربية تزداد قوة منذ 1974 وأكثر من ذلك منذ 1977 خصوصا بمبادرة من الخارج بسبب الوعي المتزايد في (م.ت.ف) حول ضرورة منع الفصل بين المنطقتين المختلفتين كثيرا. أداة مهمة لفرض التعاون المتزايد كانت "لجنة التوجيه الوطني التي كانت فيها ثلاثة اماكن للقطاع. وهذا ساعد في التقرب وتنسيق المواقف (مثلا في موضوع مقاطعة الادارة المدنية). ومنذ حل لجنة التوجيه فان اللجنة المشتركة (من الاردن وم.ت.ف) تساعد في فرض التنسيق عن طريق ادخال الاموال الى القطاع، رغم أن ذلك يناقض مبدأ اقامتها. جميع المنظمات التي هي جزء من (م.ت.ف) لديها بنية فوق اقليمية وصحفها (التي تصدر في شرقي القدس) تسعى الى اعطاء مكان واسع لقطاع غزة. في مجالس الامناء لجامعات الضفة واتحادات الطلبة هناك تمثيل كبير لابناء القطاع وايضا في المؤتمرات الوطنية (السياسية والثقافية).

"الامر يأتي في الاساس من فوق وتساعده التطورات من الاسفل: حقيقة أن كثير من العمال الغزيين يسكنون طوال الاسبوع في المدن العربية في المثلث على طول الخط الاخضر، زيادة حالات الزواج وتزايد الغزيين في معاهد الضفة، لا سيما منذ أن اغلقت أمامهم بوابة التعليم في مصر (هؤلاء في الاساس مؤيدو التيار الديني في جامعة النجاح وبير زيت وجامعة الخليل وبيت لحم). لا يجب أن ننسى ايضا العلاقة الاقتصادية الديمغرافية القديمة بين الخليل وغزة، وعلاقة المؤسسة الدينية مع نظيرتها في شرقي القدس والخليل.

"ح. استخلاص: على مستوى الجمهور السياسي، التوجه هو ازال الفوارق والتعاون المتزايد. يبدو أن فكرة "غزة أولا" لها فرصة. وأي نقاش حول عملية السلام يجب أن يتطرق للضفة والقطاع في نفس الوقت".

الى هنا أهم ما جاء في الوثيقة التي كان من المفروض أن تكون بمثابة تحذير من اجل العمل لتحسين الوضع. اعتبر الطاقم أن محاولة نشرها شفويا ستساعد على نقل الرسالة. وفي نفس الوقت حاول العقيد ايرز وحاخام نشر الوثيقة في الاجهزة الامنية والعسكرية. وقال لي حاخام إنه يجد صعوبة في ايجاد أذن مستمعة. وقال لي إن "الجهاز" منشغل في النقاش حول مبادرة موشيه شاحل من اجل انشاء تحالف مع صدام حسين الغارق في وحل الحرب مع ايران. وايضا مبادرة اخرى لشاحل من اجل السيطرة على شركة الكهرباء في شرقي القدس.

عندها خطرت ببالي فكرة التوجه الى صديق طفولتي يعقوب تسور الذي كان في حينه وزيرا للهجرة. تشاورت معه واقترح علي التحدث مع وزيرين كنت اعرفهما، عيزر وايزمن وموتي غور. الاثنان قرآ الوثيقة لكن ردهما كان مؤدبا. لذلك اقترح تسور أن أتحدث مع سكرتير الحكومة، د. يوسي بيلين، وهو من مقربي بيريس، نظرا لأن تسور نفسه يعتبر من "معسكر رابين"، لذلك علاقته مع بيريس كانت ضعيفة.

بيلين استقبلني بعد توجهي اليه ببضعة ايام. كان يعرف عن الوثيقة. وقد اضفت بعض التفسيرات الشفوية. ابتسم بأدب وقال "انت تعرف بيقين عن قضية العلاقة المعقدة بين بيريس ورابين، وهل تتوقع أنه من اجل غزة سيدخل بيريس في مواجهة مع رابين؟ غزة تحت سيطرة رابين". "لكنه رئيس الحكومة"، قلت. "بربك، يجب أن تكون واقعيا"، قال بيلين وحثني على شرق القهوة التي تم تقديمها لي.

اضافة الى الادب الذي ميز المحادثة – مثل المحادثات مع وايزمن وغور – كان هناك خليط من اللامبالاة والتعالي وعدم الاهتمام. وكثرة الوثائق لم تغير ما ساد في 1973، الميدان تغير فقط. هل كنت أشعر أن هناك كارثة تقترب؟ بالتأكيد لا. كنت أفهم فقط بشكل يشبه التنبؤ مثلما في كتب جيمس جويس التي قرأتها في تلك الايام. التنبؤ بمعنى الغوص في عمق الاشياء. مصير مئات آلاف البشر الذين نسيطر عليهم مهم مثل قشرة الثوم، المهم ان يكون هدوء. واذا حدثت مشاكل فلا بأس، نحن سنواجه الامر. تحول المعراخ الى ليكود ب، يمكن، بل من الاجدر الحفاظ على المناطق بثمن معقول.