عاجل

الرئيسية » اقتصاد » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 18 أيلول 2016

عمال يقضون عطلة العيد تحت الأشجار بعيدا عن عائلاتهم

حياة وسوق- عاطف أبو الرب

المكان: بيوت فلسطينية على امتداد شمال الضفة الغربية

المناسبة: عيد الأضحى المبارك

الحضور: أقارب في زيارات لذوي الأرحام

الغياب: أصحاب البيوت ممن أجبرتهم الظروف على العمل والمبيت داخل اراضي الـ 48، أو في الجولان السوري المحتل

 سبب الغياب: البحث عن لقمة عيش تغنيهم  عن سؤال الناس

مشهد تكرر في أكثر من بيت، ما أن يدخل الزوار البيت حتى يبادر رب البيت، أو ربة البيت للاعتذار عن برود الاستقبال وغياب المستقبلين، بسبب وجودهم في داخل الخط الأخضر، يعملون هناك خلال عطلة العيد، رغم قداسة وأهمية هذه العطلة، التي ينتظرها المواطنون على مدار عام. من دون مقدمات يبدأ من يتواجد في البيت بالاعتذار وتقديم الأعذار عن الغياب.

النظر في وجه "أم حسان" وهي تعتذر عن غياب ابنها يوضح حجم المعاناة التي تعيشها، فقد افتقدت قبلة يطبعها الابن على كفها، ودعاء طالما رددته في صبيحة أيام العيد، أما هذا العيد فقد أفاقت وحدها، لا تدري وجهتها، لكنها حتما رفعت يديها للسماء تدعو الله أن يحفظ من غاب عنها رغما عنه.

قبل أن يسألها أحد من زوار يوم العيد عن أبنائها، بدأت الحديث عن الظروف التي دفعتهم للبقاء في الجولان، قالت والدموع تملأ عينيها: "شو بدنا نعمل، والله ما يِصَلوا هناك إلا بشق الأنفس، وعناء كبير، ومبالغ طائلة، فقد قرر حسان البقاء لانتهاء موسم التفاح، عسى أن يوفر بعض المال لسداد الديون التي تراكمت علينا خلال المرحلة الماضية". وأضافت: "كما تعرفون الزواج مكلف وأحمد على وجه زواج، بدو كثير، وقرر أن يعمل هذا الموسم لتوفير متطلبات العرس، بعدين هو شو بفرق العيد عن بقية الأيام؟".

أما "أبو محمد" فقد استقبل ضيوف العيد وحيدا، وكالعادة بدأ الضيوف بالاطمئنان على أوضاع الشباب، فحاول أن يبرر سبب غيابهم قائلا: "والله الشباب في الجولان، مثل ما تعرفوا هالأيام موسم التفاح، والشباب طلعوا قبل أسبوع، يعني قرروا يبقوا هناك حتى انتهاء الموسم".

وأضاف: "يعني في كل سنة يعملون بموسم التفاح شهرا، وبعد ذلك موسم الكرز، وباقي السنة من دون عمل".

وكغيره من الآباء حاول أن يقنع ضيوفه بأن حال أولاده كبقة أبناء قريته، وأشار إلى أن العشرات من الشباب يقضون فترة العيد في الجولان. وقال: "إنهم يقضون فترة العيد تحت الشجر، فأهالي الجولان لا يعملون فترة العيد، ومع ذلك فإن صعوبة الطرق، والظروف الأمنية تقضي ببقاء العمال في الجولان خلال هذه الفترة على أمل العودة للعمل بعد عطلة العيد".

"أم نشأت" استقبلت أبناء عمومتها بابتسامه عريضة، وبعبارات الترحاب، واعتذرت عن غياب أبو نشأت عن البيت، وقالت: "هذا العيد أبو نشأت توجه للجولان، ولأنه ممنوع أمني لا يمكنه العودة للبيت". وأضافت "رغم أن عمره قارب الخامسة والخمسين إلا أنه ممنوع أمنيا، هو ما حد سجن غيره، صارلو ثلاثين سنة طالع من السجن، وما زال ممنوع أمني". وقالت: "كلها أيام وبرجع، خليه يشتغل، فرصة يجمع مبلغ يساعد فيه الأولاد كلهم بدهم فلوس، والحياة نار". واختصرت حديثها وبدأت تسأل عن أحوال الزائرين وعائلاتهم.

هذه أوضاع عشرات، أو مئات العائلات التي يضطر أبناؤها البقاء داخل الخط الأخضر، أو في الجولان المحتل في المناسبات والأعياد، فتخلوا البيوت من طقوس العيد، ورغم شراء الحلوى وغيرها من احتياجات العيد يبقى أصحاب العيد بعيدين، يتركون فراغا لا يمكن إشغاله نهائيا.

أما ظروف أولئك العاملين فلا يمكن لأحد تصورها، ولا يمكن لأي وصفها إلا من عاش هذه الظروف. "أحمد" ممنوع أمني، وهو أب لعدة أطفال، اعتاد العمل في الجولان، وفي الشمال في مختلف المواسم الزراعية، يقول: "بعيدا عن المخاطر التي يمر بها العمال للوصول لمواقع العمل، فإن حياتهم اليومية بائسة بشكل غير عادي". واكتفى بالحديث عن ظروف المبيت قائلا: "ينتشر العمال في المزارع تحت الأشجار بعيدا عن المنازل لعدة أسباب، فمن جهة تجنبا لأي احتكاك مع المواطنين، خاصة من يحملون فكرة سيئة عن العمال، وهم في الغالب لا يرغبون بوجود عمال قريبا من بيوتهم، وهذه الفئة تسبب الإزعاج للعمال. أما السبب الثاني فهو محاولة البقاء بعيدا عن أعين شرطة الاحتلال التي تلاحق العمال، ولضمان الإفلات من قبضة شرطة الاحتلال يبقى بعض العمال يقظين طوال ساعات الليل". وأشار إلى أن المبيت تحت الأشجار يعني الحرمان من كل مقومات الحياة، فلا حمامات، ولا مياه صالحة للشرب، ولا أمن. وأضاف "كل هذا لتأمين بعض المال لتدبر أمر العائلات التي تعاني بفعل البطالة المنتشرة في صفوف المواطنين".

----------

ملاحظة: جميع هذه الروايات بلسان أصحابها، لكن الأسماء ليست حقيقية، وهناك عشرات الحالات المشابهة.