عاجل

الرئيسية » اقتصاد » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 20 تموز 2015

اسرائيل سائرة على درب اليونان

بقلم: ميراف ارلوزوروف

البرلمان الاوروبي هو مؤسسة محكمة وثقيلة ومملة الى حد ما. وهو ليس من انواع المؤسسات التي يولد فيها نجوم الروك، الذين يملأون اليوتيوب مع ملايين المشاهدات ويثيرون غيرة وحسد ظاهرة وليست مخفية من قبل اعضاء البرلمانات الاخرى. هذا ما حصل بالضبط الاسبوع الماضي في هذه المؤسسة العابسة، بعد خطاب جي فيرهوفستات (Guy Verhofstadt)، رئيس الوزراء البلجيكي السابق وهو اليوم السياسي الاكثر حديثا في اوروبا. يتحدث كثيرا، وتتسارع الصحف الاوروبية لتتويجه كنجم القارة الجديد، وكمن سيورث مستقبلا وزير المالية اليوناني المستقيل يانيس واروفكيس، كسياسي بارز في الازمة اليونانية.

كل ذلك حصل بفضل الخطاب الذي استمر لمدة 7 دقائق بالانجليزية الطليقة، والذي وبخ خلاله فيرهوفستات رئيس وزراء اليونان، اليكسيس تسفاريس، واتهمه بانه يسير بالدولة الى التدهور والى الانسحاب من مجموعة اليورو (بلعبة الكلمات grexit) دون سبب. وحذر فيرهوفستات ان "من سيدفع ثمن مغادرة مجموعة اليورو سيكون سكان اليونان البسطاء"، مع اتفاقه ان سكان اليونان قد دفعوا فعلا ثمنا ثقيلا جدا بسبب الازمة المحيطة بدولتهم – ولكن ليس الطبقة العليا في اليونان.

في خطاب "المرتبطين والموصولين" توسع فيرهوفستات في تفسير جميع العلل اليونانية، والتي على الرغم من الازمة الكبيرة الا انها لم تحظى لغاية الان بالحصول على اجابة من جانب حكومة اليونان. وركز على خمس مشاكل رئيسية.

الاولى – تعيينات سياسية تدمر الحكومة. وذكّر فيرهوفستات بالتعيينات التي تمت في هذه الفترة في وزارة المعارف اليونانية، حيث كان 12 من بين 13 هم اعضاء في حزب رئيس الحكومة تسفاريس "سيريزيا". اسلوب المقربين الذي ميز حكومة اليونان الفاسدة ما زال قائما، وحكومة تسفاريس تستخدمه من اجل إعادة رجالاتها الى داخل الحكومة. مشكلة اضافية وهي نقص الفعالية المروع للقطاع العام اليوناني، والذي يعمل فيه ما لا يقل عن 800 الف شخص.

المشكلة الثالثة التي اشار اليها هي غياب فعالية الجهاز المصرفي اليوناني. ومشكلة رابعة هي جمود سوق العمل اليوناني، والذي لا يسمح للشبان بالانخراط في المهام المطلوبة. واخيرا، هاجم فيرهوفستات مباشرة اسلوب راس مال السلطة اليوناني – الامتيازات التي يتمتع بها اقطاب الشحن والجيش والكنيسة، والجزر اليونانية وكذلك الاحزاب السياسية. واشار الى ان الاحزاب استمرت الاسبوع في تلقي الاموال من البنوك، وذلك على الرغم من ان البنوك اليونانية عالقة في وضع صعب جدا بسبب الضائقة في السيولة.

التصفيق الحار لخطاب "المرتبطين" لـ فيرهوفستات، والذي حظي بعد ذلك برقم قياسي بمشاهدة 7 مليون مشاهد وبلغات مختلفة على اليوتيوب، وعلموا ان فيرهوفستات نجح في اجتذاب القلوب لمشاكل اليونان. المقلق هو ان القائمة التي عرضها ظهرت ذات اختصاص اكثر من اي وقت مضى ليس فقط لليونان. استبدلوا اسم اسرائيل باسم اليونان، وسترون كيف ان القائمة تنطبق بنفس المستوى على مشاكل اسرائيل: تعيينات سياسية، قطاع عام غير فاعل، جهاز مصرفي يستدعي اصلاحات تنافسية، سوق عمل متحجر يخسر فيه الشباب لصالح كبار السن المقربين الدائمين، وايضا حقوق اكثر يتمتع بها المقربون من السلطة.

قد لا يكون لدينا هنا اقطاب شحن او كنيسة، ولكن بدلا منها يوجد لنا لجان عمال لا يجرؤ اي شخص الاقتراب منها، وبارونات مصارف وغاز – والذي كلنا امل اننا الآن في طريق معالجته – والحاخامية التي تحاول هذه الايام تطبيق قانون يحدد احتكارها للحلال، من خلال هدم احتمال الدخول في منافسة ولتخفيض غلاء المعيشة في اسرائيل.

المقلق اكثر ايضا في خطاب فيرهوفستات، هو في اول نقطتين تم التطرق اليها – تعيينات سياسية وغياب فعالية القطاع العام – اسرائيل ليست فقط لا تتقدم الى الامام، بل تتراجع الى الخلف. المقصود اجرائين يحدثان في ذات الوقت، وكلاهما تحت الرادار الجماهيري على الرغم من انها تشكل خطرا على مستقبل اسرائيل.

الاول هو البند في الاتفاقات الائتلافية، الذي حدد ان المدراء العامون ايضا ومساعديهم يكونون منذ اللحظة وظائف ثقة- اي، يتم تعيينهم من قبل الوزراء، وفقا لرغباتهم الشخصية. عمليا، الحديث يدور عن زيادة في عدد التعيينات السياسية بـ 850 وظيفة، جميعها من الوظائف الكبيرة والهامة جدا في الاداء الحكومي.

اذا كانت اليونان قد خطت الى حافة المجهول بسبب اسلوب التعيينات السياسية في حكومتها، فإن اسرائيل تسير حاليا بعينين مفتوحتين على نفس المسار بالضبط: تحويل الوظائف الحكومية الكبيرة جميعها الى تعيينات سياسية، والتي تتبدل وفقا لنفس الوزير المعيّن، حيث يكون التعيين مرتبطا بشكل كامل برغبة الوزراء. العمود الفقري المهني لسيبيل سيرفنت الاسرائيلي يتم فقدانه تماما.

ليس من الواضح من يكون الاب الروحي لهذا البند المتطرف في الاتفاقات الائتلافية. ووفقا لشهادة مقبولة كان هؤلاء هم المتدينون الذين طلبوا هذا البند. على اية حال، من الواضح ان حزب كولانو حزب وزير المالية، موشيه كحلون، الذي وصل الى السياسة بأيد نظيفة، صادق على تضمين هذا البند في الاتفاقات الائتلافية.

من الواضح ايضا ان هؤلاء هم وزراء الليكود الكبار الذين قفزوا على فرصة الانقضاض. الاشاعات تقول ان من هؤلاء الوزراء حاييم كاتس، الذي طرد الاسبوع الماضي اثنين من نواب المدراء العامين ومدير عام واحد من وزارة الرفاه، وياريف ليفين، الذي يدفعون حاليا بهذا البند بشكل قوي فوق البيروقراطية الحكومية. كاتس، الذي نفى مشاركته، الا ان ليفين اكد ذلك.

هكذا وتحت غطاء لامبالاة جماهيرية وسياسية، يتم تطبيق احد البنود الخطرة جدا على مستقبل اسرائيل. بند، وبدون ادنى شك، سيضع اسرائيل على مسار شبيه لما حصل في اليونان من حيث جودة الاداء الحكومي.

نفس اللامبالاة العامة والسياسية ترافقت مع اجراء ذو اشكالية، وهو المفاوضات مع الهستدروت فيما يتعلق بعمال كابلان. الهستدروت طالب بوقف تشغيل عمال كابلان في الحكومة، بإدعاء ان الحديث يدور عن صفقة استغلالية. هو صادقة، لكنه يتجاهل في مطلبه السبب لوجود عمال كابلان: الغياب المروع لفعالية القطاع العام، حيث لا تسمح له الاتفاقات العمالية السابقة والدائمة من ادارة هذا القطاع. وضعف الحكومة، التي لم تنجح في مواجهة الفيتو الهستدروتي على اي تغيير مطلوب في اتفاقات العمل، ما ادى الى هرب عمال كابلان كحل للمشكلة.

فبدلا من تعزيز اتفاقات العمل الحديثة التي تتيح قياس الاداء، وتوفير الحوافز للنجاحات، وتحجيم الاخفاقات، وزيادة الانتاجية، من اجل تحسين الخدمات والسماح بتقدم عمال مهنيون ممتازون واقالة العمال السيئيين، الحكومة استسلمت وانتقلت الى تشغيل عمال كابلان. بذلك فإن الظلم الحاصل من صفقة عمال كابلان هو اعراض المشكلة، وليس المشكلة نفسها.

فقط ان المشكلة نفسها – غياب الفاعلية والانتاجية الحكومية المنخفضة – لم تطرح  للنقاش في المفاوضات الحالية. الهستدروت طالب بإلغاء صفقة عمال كابلان دون ان يقترح حلولا للمشكلة التي اوجدت صفقة عمال كابلان. هذا هو مرة اخرى سلطة المقربين الذي يسيطر بالاكراه – هذه المرة المقربون هم عمال منظمون، اصحاب الحيازة، للقطاع العام، المهتمون بأنفسهم على حساب الجمهور، والذي لن يحظى ابدا بتلقي حكومة فاعلة عندما لا يرى العمال بأنفسهم شركاء في جهود فعالية الحكومة. وجهة نظر الهستدروت – نحن مهتمون فقط بأنفسنا، وبقوتنتا كتنظيم – وهي بالضبط وجهة النظر التي استمرت لسنوات وجعلت من حكومة اليونان حكومة مشلولة ومتحجرة، لا تنجح في تقدم دولتها.

لذا فإن، سلطة المقربين تسيطر في اسرائيل ايضا. السياسيون من جهة، ولجان العمال من جهة اخرى – وكل واحد منهم يهتم بمصالحه فقط، وفي طريقه يدمر فعالية ومهنية الحكومة الاسرائيلية. وبذلك سوف لن يكون اليوم الذي سنكون فيه اليونان ببعيد.

وزير السياحة، ياريف ليفين، اعطى إجابة: "انا ادعم الخطوة التي تمنع الركود في الاداء الحكومي، ومن اجل إعادة الوضع في الوظائف الكبيرة في الحكومة الى من يلتزمون بسياسات الوزير المسؤول. وذلك على الرغم من انه في الوضع الحالي يستمر نواب المدراء العامون في وظائفهم لعشرات السنين، بدون التعهد للدولة والحكومة – من خلال إدارتهم لسياسات مستقلة خاصة بهم – او اي سياسات بسيطة بسبب موقفهم المضمون. وهذه نصيحة توازن بين التطرف في غياب تغيير على المراتب العليا اليوم، والوضع المتطرف في الولايات المتحدة الذي يستقيل فيه جميع الموظفين مع استبدال الرئيس".     

--------

عن "ذي ماركر"