عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 06 أيلول 2016

ولادة التفاصيل

أيهم السهلي

ذاهبا نحو التفاصيل الكثيرة.. نحو ضجري وانسكاب الآه المعنوية في كأس المساء البعيد، لئلا تصاب الكمنجات ببحة الكلام المعاد عن سأم المدينة واندياح شوارعها نحو سطوة الملل.. 
قبل سنوات، كان الليل مساحة واسعة للنظر في العتمة وإبداع خيالات كثيرة داخلها.. كالكتابة بحبر أسود على فراغها، والانتظار على سبيل المثال القادم بعد العتمة.. وأحيانا الاسترخاء لنسيم معتم.. 
الآن لم تعد العتمة مرتبطة سوى بانقطاع الكهرباء لساعات طويلة مع الحرّ الشديد وإيجاد حبات العرق مجالا للاسترخاء التام على جلدي حتى تتم ما عليها من إرهاقي.. 
العتمة لم يعد لها مكان في التأملات الرومانسية، ربما انقضى وقتها مع قنابل الحرب الكثيرة.. خاصة تلك التي قضت على الرومانسيين من الأصدقاء.. أولئك الذين جربوا أن يقولوا الحب باسم المخيم.. باسم إنسانية المخيم.. 
لا أجرب الندب، فقط أحاول وضع أموري في نصابها.. الحرب التي جعلتني أكبر خمس سنوات بسرعة القذيفة، جعلتني أنسى ما كان قبلها، وكأن كل ما كان، ذاكرة بعيدة لا تعنيني، ربما قرأتها في كتاب ما، أو سمعتها من شخص ما.. هذا أنا الذي عشت حربا واحدة، كيف من عاشوا حروبا عدة..  
لا أعرف إن كان الصواب هو البقاء في معمعة الحرب كي لا تكون الذاكرة مدفونة في مكان، ومولودة في مكان، وتولد مرات مرات ومرات.. ولا أعرف إن كان المولود الجديد قد دفنته الحرب في شارع أو حديقة أو عند سور المتحف في دمشق.. 
ثمة فراغات في النص أو الرسالة أعلاه، لكنني لست مسؤولا عنها، هي كما أشعر فراغات البحث عن إحساس كامل بالمكان، أو ربما هو الانتماء وضده اللانتماء.. سويا يفعلون فعلهم بإزكاء النار في النص المعاش ليتخلق الفراغ.. لست مسؤولا رغم أنني أكتب لنفسي في يوم ميلادي.. والحرب مسؤولة وليست مسؤولة سوى عن بعثها في الروح مرات ومرات.. من يبعثها، من أوقدها.. وهم أدرى بشررها، وأدرى بترابها.. وما نحن سوى حطبها وجمرها، ولاحقا رمادها..
مررت فوق كلمة الانتماء وانتبهت لانتمائين أصبت بهما دون علم أو قصد، بالولادة فقط.. أتيت بـ 5/8 في أحد مشافي دمشق، نظرت حولي، امرأة بالأبيض تحملني، وصراخي يجعل أجواء الغرفة غير مستحبة على الإطلاق، وأمي تنظر إلي وتعتقد أني أهم طفل في العالم، وأذكى وأجمل وأنجب وأبهى وووو طفل في العالم..  
هذه الولادة، كلفتني أن أكون دمشقيا من مخيم اليرموك، وفلسطينيا من مخيم اليرموك.. وهذه الـ من تكلفني كل يوم أحمال النارين في فلسطين وسوريا.. ومع كل صبح جديد تفاصيل جديدة، وكلمات جديدة واحتمالات عودة تتضاءل وتدخل في مواتها الطبيعي.. 
افتضحت تفاصيلي، كانت مطوية في غرفتي الصغيرة داخل المخيم الكبير، ومن نافذتها كنت أطل على العتمة.. كانت موجودة بدفتر أزرق ينتابه الحب والشوق، والوجع والانتظار، مثلي تماما، كان هذا الدفتر وثيقتي لكتابة العتمة.. 
افتضحت عتمتي، وافتضحت خوفي منها، ورهبة بردها، موحشة حين تصرّ على استلابي من غرفتي نحو خيالات الأفاعي والعقارب، كنت أبتعد أحيانا برسم قصة أخرى خالية من الرعب، أنجح أحيانا، أخفق أحيانا أخرى.. وهكذا إلى أن يأخذني النوم.. كنت صغيرا.. كبيرا.. كنت فقط أجرب النوم بلا كوابيس الصحو؛ بعد تعب لسنوات دون إخبار أحد، تمكنت من تأليف البطل لسكرات النوم، وبت بطل قصصي الغرائبية.. هكذا نجوت من الأفاعي، وظنت حينها بنات الجيران، أني متقمص حين سردت لهن بعض قصصي.. 
لم أفهم قصدهن، ولكنني كبرت، وأنا بانتمائين، وانتماء ثالث لمكان ربما كنت ولدت فيه في زمن ما لا أعرفه، وكان رأي بنات الجيران، أنني حين أكبر سأتذكر المكان وأهلي السابقين وسأذهب إليهم، لم أتذكر أي شيء حتى الآن، وإن تذكرت، أخشى أن الحرب قتلتهم وشردتهم، وقتلت المكان الذي سأتذكره.. 
نحو آخر أغنية في مساء اليوم، وهي ليست "دنيا الفنون" لعبد الوهاب التي أستمع إليها في لحظة الكتابة هذه، نحو آخر أغنية والمجاز يعتمر في دواخلي.. نحوها، فالشمس بعد قليل تغرب، وبعد قليل آخر ينتهي اليوم.. وأصير أكبر بيوم واحد، وبضع أحلام ومشاكسات..