"ضرائب حماس" تشعل الأسعار وترهق التجار
سلطة الأمر الواقع بغزة فرضت أصنافا مختلفة من الضرائب بعد انتهاء العصر الذهبي للانفاق

غزة –حياة وسوق- نادر القصير
بعد انتهاء العصر الذهبي لأنفاق التهريب أسفل الحدود الفلسطينية المصرية أقصى جنوب قطاع غزة، بدأت سلطة الأمر الواقع بفرض ضرائب بمسميات مختلفة حتى باتت المصدر الرئيس الذي تعتمد عليه حركة حماس لسد العجز المالي لديها وتأمين رواتب موظفيها في القطاع.
وترتب على هذا التوجه تراجع في الحركة التجارية، والحاق ضرر بالغ بالدورة الاقتصادية المتردية أصلا بفعل استمرار الحصار والانقسام، وارتفاع مستوى المعيشة الى ما يفوق قدرة فئات كبيرة من المجتمع الغزي، واستشراء الفقر والعوز لدى ذوي الدخل المحدود.
لكن وعلى الرغم من اعتراض التجار والمواطنين في غزة على هذه السياسة، مضت سلطة الأمر الواقع قدما في فرض توجهاتها، واجبار التجار على دفع أصناف شتى من الضرائب، والرسوم طالت معظم السلع الاستهلاكية والنشاطات الاقتصادية، بدءا من فرض رسوم على بائعي البسطات المنتشرة في شوارع غزة، مروراً بالملابس وكافة البضائع التي تدخل القطاع عبر معبر كرم أبو سالم، وانتهاءً بفرض الضرائب على المواشي والفواكه وعشرات السلع الأخرى.
ويوضح المحاسب القانوني عبد الحكيم أبو دغيم أن الضرائب في الأصل نوعان: أحدهما مباشرة وهو عبارة عن ضريبة الدخل، وغير مباشرة وهي ضريبة القيمة المضافة والجمارك "المكوس" بحيث يدفعها المواطن عن شراء السلعة أو الخدمة.
ويتابع: "ضريبة الدخل تحسب على صافي الربح السنوي للتاجر (المشتغل)، وغالبا ما تؤخذ بطريقة تقديرية بالتوافق، وفي الأصل فإنه من المفترض أن يدير التاجر حسابات نظامية، ويقدم ميزانية مع إقرار ضريبة الدخل لتوضيح صافي الربح".
ويعرب ابو دغيم عن أسفه لحالة غياب الثقة بين دائرة الضريبة والمكلف بدفعها أدى الى عدم الاعتراف بالميزانيات المقدمة والتقدير في حَسْب نسب ربحية يحددها مدير عام الضريبة بغزة ويحاول من خلالها رفع النسب الربحية لزيادة قيمة الإيرادات، وقد يكون هناك إجحاف في التقدير بحق التجار بقطاع غزة في كثير من الحالات.
اما فيما يخص الضريبة غير المباشرة وهي الجمارك والقيمة المضافة، فيعود أصلها الى قانون فرض على قطاع غزة بأمر من الحاكم العسكري الاحتلالي للمنطقة الجنوبية وشمال سيناء، وحمل رقم 535 بشأن المكوس والأموال وصدر في عام 1976، وكانت في البداية عبارة عن دفعات يجبيها الاحتلال مباشرة من التجار بإيصالات دفع مخصصة لهذا الشأن، مبينا أن كافة الأوامر العسكرية ألغيت في عهد السلطة الوطنية.
ومنذ عام 2007 بعد سيطرة حماس على قطاع غزة طرأ تغيرات على وضع الضريبة حيث ترك جميع الموظفين الأساسيين أماكن عملهم وتم تعيين موظفين جدد بخبرات متواضعة يعتبرون ان الضريبة عبارة عن جباية فقط وليس لتحقيق العدالة، ونوه المحاسب إلى أن الضريبة تقوم بتحصيل ما لها وأكثر ولا تقوم بدفع ما عليها وفقا للقوانين، وبدأت بالاعتماد على تحديد نسب إجمالي ربح عالية ويتم محاسبة المشتغلين بناء عليها.
وتابع: "في عهد الأنفاق شكلت لجان ضريبة، لجمع الضرائب مباشرة من تجار الأنفاق، في لحظة دخول البضائع وهذا يؤدي الى سوء تقدير جراء جمعها في الموقع ولا يتناسب مع المهنية"، حيث إن ضريبة القيمة المضافة لها أسس نص عليها القانون".
"ضريبة التكافل".. خاوات

ولاحقا بعد انتهاء العصر الذهبي للأنفاق لجأت مالية حماس ومؤسستها الضريبية إلى تعويض وسد أزماتها المالية إلى ابتكار أنواع ضرائب جديدة، وبدأت دوائرها الاقتصادية بفرض رسوم جديدة على البضائع المستوردة تارة تحت مسمى ضريبة التكافل وأخرى عبارة عن رسوم استيراد "تصريح استيراد"، مشيرا إلى أن تقدير نسبة الربح سلفا وعدم الاعتماد على السبل التي كان يتبعها المشتغل مع الضريبة سابقا بدفاتر مسك الحسابات، أدخل التجار في إشكالية مفادها أنه في حال لم يحقق الأرباح المرجوة أي زيادة عليها يضطر التاجر لتحميلها للمستهلك حتى ينجو من الخسارة .
وعلى سبيل التوضيح لا الحصر بين المحاسب أبو دغيم أن ضريبة الدخل قامت برفع نسبتها على طن الفواكه من 2 دولار إلى 30 دولارا، وبعد موجة اعتراضات التجار وامتناعهم عن الاستيراد تم تخفيضها إلى 5 دولارات للطن، وهذا الأمر ينسحب على قطاع المقاولات في غزة، حيث حدد مدير عام الضريبة القيمة المضافة وهو برتبة وكيل مساعد أمرا ادريا يقضي بتحويل كافة العقود الموقعة من الجهات المانحة بعد تاريخ 1 – 9 – 2015 إلى عقود معفاة من الضرائب كونها عقودا تنفذ بنسبة ضريبة صفر بالمئة، وهناك فرق بين المشاريع المعفاة والضريبة المضافة، فالضريبة المعفاة نسبة إضافة مقدارها صفر% حيث إن النوع الأول تخضع له المحاصيل الزراعية المنتجة محليا وللبضائع المصدرة، في حين أن النوع الثاني تم باتفاقات بين السلطة الوطنية والجهات القائمة على تمويل المشاريع في فلسطين حيث يصدر المشغل المرخص فاتورة ضريبية مقدارها صفر ويجوز له استرداد القيمة المضافة له على نفقات ومصاريف تلك المشاريع وهذا لب الإشكالية التي واجهها اتحاد المقاولين ووصلت إلى المحكمة مع إدارة الضريبة بغزة.
وفي تموز عام 2013 بدأت دائرة الضريبة بغزة باعتماد أسلوب هامش الربح، والذي يترك للضريبة الحق في تحديد نسبة هامش الربح، والتي عادة ما تزيد في مخرجاتها عن نسبة الهامش الأصلي للربح، ما دفع التجار أيضا لزيادة الأسعار، وفتح شهية بعضهم لرفع الأسعار بشكل خيالي في بعض السلع ومن دون قيود، وبالتالي اصبح المستهلك الضحية التي تدفع الثمن في النهاية. كما تم فرض ضرائب جديدة على الاستيراد أيض،ا داخليا فرضت ضرائب جديدة على المخابز التي أصبح مطلوب منها دفع (شيقل) واحد على كل شوال يتم استخدامه في المخبز.
الفاتورة الصفرية واتحاد المقاولين

من جانبه أوضح أسامة كحيل رئيس اتحاد المقاولين الفلسطينيين في غزة أن المقاولين حرموا من الارجاعات الضريبية واسترداد مبالغ تقدر بملايين (الشواقل) وبالتالي أعاقت الدورة المالية للشركات التي كانت تعتبرها تحصيل حاصل قانونيا سواء كخصميات من المستحقات الضريبية أو استردادها نقدا وبالتالي أعاقت أعمالهم وسببت خسائر فادحة للمقاولين.
وبين كحيل أن المقاولين عند وضعهم لمظاريف العطاءات يكون في حسابهم استرداد الفاتورة الصفرية التي يتم فرضها في المعابر، ولكن في الفترة الأخيرة تم رفع رسوم طن البلاستيك من 100 (شيقل) إلى 1000 (شيقل) ما يجعل المقاولين يدخلون بإشكاليات كبيرة في عملية تنفيذ المشاريع ويدخلون في سجال كبير بينهم وبين الجهات الممولة التي استلمت بالفعل المناقصات وأقرتها رست عليهم بشكل رسمي، فكلما تقدم عطاءات يفاجأ المقاولون بفرض ضرائب ورسوم جديدة مع الممولين سواء وكالة الغوث أو القطريين فلا ذنب لهم، فالعطاءات تشمل جميع أنواع الضرائب، وهذا يشكل مدخلا للتنصل من قبل الممولين على اعتبار أن الأسعار شاملة جميع الضرائب ولا علاقة لهم بذلك.
وانتقد كحيل إصرار ضريبة غزة على العمل بدفعة التي قيمتها ثمانية بالألف "0،008"، والتي يدفعها المقاولون على مشاريعهم في غزة ولا يتم دفعها بالضفة الغربية بعد الغائها، مؤكدا أن اتحاد المقاولين لاحق دائرة الضريبة قانونيا وهناك قضية في المحكمة بخصوص الارجاعات الضريبية، وما زالت القضية منظورة بالمحاكم حتى اللحظة، مشيرا إلى أن ما دفع الاتحاد لذلك هو التنصل الواضح من قبل الضريبة بدفع الارجاعات الضريبية للمقاولين وفقا للقانون.
وطالب كحيل بتوحيد المرجعيات الضريبية بين الضفة وقطاع غزة، خاصة أن هناك حكومة توافق ومالية واحدة ودائرة ضريبية واحدة، لافتا إلى أنه ليس من العدالة أن يدفع المقاول ضرائب في غزة لا يتم دفعها بالضفة، ويحرم من الارجاعات الضريبة للمشاريع الدولية فيما يتمتع المقاول بالضفة بهذه الخاصية القانونية.
وأوضح كحيل أن سوق العقارات في قطاع غزة يتعرض إلى انتكاسة بسبب الضرائب التي رفعت الأسعار والخسائر الكبيرة التي لحقت بالمقاولين، وكذلك في ظل وجود قوة شرائية ضعيفة لا تتمتع بدخول مالية تساعدها على الشراء بأسعار مرتفعة نسبيا وفقا لمستوى الدخل بقطاع غزة، فقطاع غزة بحاجة إلى معاملة خاصة تتلاءم ومستوى الدخل فيه مما يفتح المجال أمام المقاولين للمساهمة في تخفيف أعباء الحكومة بالسكن من ناحية وتعطي الفرصة للمواطنين أصحاب الدخل المحدود بشراء وحدات سكنية تتلاءم مع دخلهم المادي.
التجار يشتكون
ويشتكي العديد من التجار والمستوردين من الضرائب التي تفرض على البضائع وقيمة المضافة التي يتم تقديرها بالإضافة إلى هامش الربح و(ضريبة التكافل) التي فرضت رغم اعتراض كافة التجار عليها في ذلك الحين.
ويوضح تاجر الاعلاف إياد غبون أن "ضريبة التكافل!!!" تدفع على طن خمسين (شيقلا) ومنذ فرضها حتى اللحظة جلبت 4000 طن أي أن الضريبة التي تم دفعها حتى اللحظة 200 ألف (شيقل) فقط (ضريبة تكافل) خلال عام ونصف العام.
وأردف أن هناك تجارا يدخلون هذه الكميات في شهر واحد، بواقع ضريبة يزيد عن 2 مليون (شيقل) في العام، بالإضافة لضريبة الدخل وضريبة القيمة المضافة ورسوم وزارة الزراعة وقيمتها عشرة (شواقل) لكل طن.
وأوضح أن الطن بعد الرسوم الجديدة يصل للمزارع بسعر 2660 (شيقلا) بدلا من 2600 (شيقل)، وبالتالي المزارع يتحمل الفرق، ويخضع المزارع لسوق العرض والطلب، مشيرا إلى أن المزارعين يتحملون خسائر كبيرة وديونا وفقا للقوة الشرائية في الشارع، وبحجة إرضاء المواطن تطالب دوائر الاقتصاد الحمساوية بتخفيض السعر وتسمح أحيانا بدخول المثلجات من الدجاج وهذا أيضا يراكم خسائر على المزارع، وبالتالي على التاجر بما يخص تقليص الكميات المستوردة بالإضافة إلى عجز المزارعين عن السداد في الدفعات المالية المترتبة عليهم ما يتسبب في تجميد الدائرة المالية وأحيانا يصل الضرر إلى درجة الإفلاس التام.
خالد عثمان من كبار تجار الفاكهة بالقطاع يقول: "كان سابقا يفرض ضريبة مقطوعة قيمتها دولار واحد على طن الخضار، وعلى الفاكهة 3 دولار، وفجأة في مطلع العام الجاري تم رفعها من قبل دائرة الضريبة بغزة إلى 30 دولارا على كل طن دفعة واحدة، ما تسبب بموجة احتجاجات بدأناها باعتراضات أمام الدائرة وبعد وصولها للمحكمة ووقف الاستيراد وبعد مفاوضات طاحنة تم التوافق على وقف القضية في المحكمة، وتوصلنا إلى ما قيمته 5 دولارات على طن الفواكه، ويتم تحصيلها على كرم أبو سالم علما بأنها تفرض على التاجر في نهاية العام".
وأوضح انه يفرض دفع كامل قيمة الضريبة مع وصول البضائع إلى كرم أبو سالم، الأمر الذي تسبب في رفع قيمة العبء الضريبي وأرهق تجار الفاكهة وأدخلهم في أزمات سيولة، مع العلم أن قليلا منهم يدخل إسرائيل وبالتالي يلجأ عدد منهم لشراء بضائعه من الفاكهة عبر التلفون، وغالبا ما يقع التجار بإشكالية البضائع التي تصل معطوبة نتيجة عدم اطلاعهم عن كثب عند شرائها من المورد الإسرائيلي نتيجة عدم حصولهم على تصاريح، وعلى الرغم من ذلك الضريبة لا تراعي ذلك بالمطلق ويتم تحصيل الضرائب قبل دخول الفواكه عن معبر كرم أبو سالم، وهناك مشاكل كثيرة نتجت عن تعدد الضرائب على الفواكه.
توحيد اللوائح والقوانين والنظم
ويقول د. ماهر الطباع الخبير الاقتصادي: كقطاع خاص كان هناك تفاؤل مع تشكيل حكومة الوفاق أهم أولوياتها توحيد اللوائح والقوانين والنظم التي طرأ عليها اختلافات كثيرة وهناك قوانين صدرت من تشريعي غزة ( يشارك به نواب حماس فقط) وهناك اختلاف في القوانين والانقسام في الوزارات التي يقع على عاتقها اللوائح والأنظمة كان يفترض أن يكون هناك رؤية موحدة لتوحيدها، ولكن للأسف لم تطبقه على الأرض بالمطلق فالعديد من اللوائح تطبق في غزة ولا تطبق في الضفة والعكس وهذا ينسحب على الضرائب"، مشيرا على سبيل المثال لا الحصر أن ترخيص السيارات "الديزل" يبلغ 2000 (شيقل) في غزة، وفي الضفة 680 (شيقلا)، وهذا ينسحب على العديد من السلع التي تختلف ضرائبها وعلى الرغم من الجهود لتوحيد اللوائح إلا انه ما زال الوضع على ما هو عليه وهذا يمس التاجر والمواطن على حد سواء.
ودعا إلى توحيد المرجعيات الضريبية ووقفة حاسمة لتوحيد القوانين والتشريعات في الضفة وغزة فلا يعقل أن يكون هناك قانون للشركات بغزة يختلف عن الضفة، والمفروض في حكومة وفاق أن تكون اللوائح الضريبية وغيرها من القوانين موحدة.
ولفت إلى أن الضرائب زادت من إرهاق المواطنين، وأثرت على إضعاف الحركة التجارية نتيجة ارتفاع الأسعار لان أي رسوم أو ضرائب يتحملها المواطن بالنهاية.
الضرائب سد للنقص
ووفقا للكاتب الصحفي فتحي صبّاح، فإن إيران قدمت دعما ماليا وعسكريا مهما لحماس منذ مطلع عام 2006، يصل إلى 23 مليون دولار شهريا، لكن طهران، الداعم الأساسي للرئيس السوري بشار الأسد، خفضت من دعمها لحماس بشدة منذ مطلع 2012، حينما رفضت الحركة أن تأخذ جانبا في النزاع الدائر في سوريا.
ويقول صبّاح إن الحركة فقدت نحو 10 ملايين دولار شهريا، بعد عزل الرئيس المصري محمد مرسي عام 2013.
ويتحمل مواطنو غزة فاتورة سد النقص المتزايد في الموارد المالية لحماس، وبعد عزل مرسي عن الحكم، فقدت حماس مصدرا رئيسيا ثانيا للدخل، حيث دمرت قوات الأمن المصرية الأنفاق، التي قالت إن المسلحين يستخدمونها في تهريب الأسلحة إلى سيناء.
واعتادت حماس على تحصيل ملايين الدولارات، من الضرائب التي تفرضها على السلع التي يتم تهريبها عبر الأنفاق، لكن الزيادات الأخيرة في الضرائب كان لها تكلفة، ويقول صباح: "فقدت حماس قدرا مهما من شعبيتها، بعد فرض ضرائب جديدة لدفع رواتب موظفيها".
مواضيع ذات صلة
أعضاء مجلس إدارة سلطة النقد يؤدون اليمين القانونية أمام الرئيس
انخفاض أسعار النفط بأكثر من 7% واستقرار الذهب عالميا
الدولار يهبط مجددا عند أدنى مستوى منذ 1993: تراجع صرفه مقابل الشيقل إلى 2,92
محافظ سلطة النقد يشارك في الاجتماعات السنوية المشتركة للهيئات المالية العربية 2026
الذهب يبدأ بالارتفاع رغم توجهه لتسجيل خسارة أسبوعية
الإحصاء: ارتفاع معدلات البطالة في قطاع غزة والضفة خلال 2025
الإحصاء: الرقم القياسي لأسعار المنتج يسجل ارتفاعا حادا