استمرار الوضع الراهن سيؤدي بنا للدولة الواحدة ثنائية القومية بين النهر والبحر
العالم موشيه هلبرطال بروفيسور الفلسفة في جامعتي العبرية ونيويورك لـ "يديعوت"

- نتنياهو لا يواصل طريق هرتسل.
- دولة ثنائية القومية والبحث عن العدو الداخلي تعارضان بشكل كبير الموقف الكلاسيكي للصهيونية.
- لا تستطيع الدولة أن تكون دولة اليهود ودولة يهودية في نفس الوقت.
- الديمقراطية الاسرائيلية تحت التهديد بسبب الهجوم على استقلالية الجهاز القضائي ووسائل الاعلام والعرب في اسرائيل.
ناحوم برنياع - برج وزارة الدفاع في الكرياه يشبه الروبوت. فهو له قدمين، واحدة تابعة للجيش الاسرائيلي والاخرى لوزارة الدفاع. وليس له رأس. جسر يصل بين مكتب رئيس الاركان في الطابق 14 ومكتب وزير الدفاع. في الطابق 14 في برج وزارة الدفاع. اثناء المعركة بين باراك واشكناوي تم اغلاق ابواب الجسر، لا أحد يدخل ولا أحد يخرج، ولا أحد يمر ذهابا أو إيابا.
يجب تحويل هذا الجسر الى نصب تذكاري. توجد في البلاد مئات النصب لتخليد ذكرى الحروب الناجحة أكثر والناجحة أقل. والدرس الذي يعلمنا إياه الجسر في الطابق 14 لا يقل أهمية عنها. ولو كان الامر متروكا لي لقمت بوضع لافتة على كل جزء من اجزاء الجسر مكتوب عليها "هذا الجسر لن يغلق أبدا بأمر عسكري". ولكنت فتحت الابواب على مصراعيها ورميت المفاتيح.
الجسر في الطابق 14 مفتوح الآن. في جهة منه يجلس رئيس اركان مجرب ويثق بنفسه وهو يحظى بتقدير الجيش الاسرائيلي والجيوش الاجنبية والجمهور في اسرائيل، وفي الجهة الاخرى يجلس مواطنا ألقيت عليه مهمة وزير الدفاع، مباشرة من المعارضة. وهو ملزم بأخذ مكانه – من ناحية أن يكون ينتمي للجهاز القوي والاكثر تأييدا في المجتمع الاسرائيلي، ومن الناحية الاخرى أن يثبت لناخبيه بأن هناك علاقة بين ما قاله عندما كان متحررا من المسؤولية وبين افعاله اليوم. أن يذوب وأن يبرز، وأن يكون ايضا قاسما مشتركا ومنتقدا، السير برجل في الداخل ورجل اخرى في الخارج.
في الوزارات الحكومية الاخرى يجلس الضباط لمقابلة مع الوزير الجديد، وفي القيادة الامنية العسكرية فان المقابلة متبادلة. يجب أن يحظى الوزير بثقة ضباط هيئة الاركان العامة، واذا لم تكن ثقة باحترام. واذا لم يكن احترام فان هذا الجسر لن يساعد.
افيغدور ليبرمان هو وزير للدفاع منذ ثلاثة اشهر، وهو يواجه هذا التحدي يوميا. ونفس التحدي يواجهه رئيس الاركان غادي آيزنكوت. وسواء سلبا أو ايجابا، كان يعلون جزء من الجيش الاسرائيلي. حيث حظي رئيس الاركان في فترته بالدعم الكامل. وهذا الامر لن يحدث في فترة ليبرمان. فلدى ليبرمان احتياجات سياسية اخرى ومواقف اخرى. ليبرمان ليس مواطنا يعمل لدى الجيش الاسرائيلي. محظور توقع ذلك. أحد دروس قضية هرباز هو أن رئيس الاركان يجب عليه الحذر، ليس فقط من أعدائه، بل ايضا ممن يحبونه.
إن بعض التصريحات التي اصدرها ليبرمان في الاشهر السابقة تظهر صعوبة التأقلم. والربط الذي قام به بين الاتفاق النووي مع ايران واتفاق ميونيخ، كان خاطئا. كان مناقضا للتفاهمات بين نتنياهو والبيت الابيض، الامر الذي ألزم ليبرمان بنشر تعديل محرج وضع حاجزا بينه وبين رئيس الاركان، الذي أنهى في تلك الاثناء زيارة سريعة الى واشنطن. والتصريح حول منع الجنود من مساعدة مهاجري العمل في جنوب تل ابيب، كان لا حاجة اليه. كان ليبرمان يستطيع اصدار قرار باخراج الجنود دون تعريض الجيش الاسرائيلي للتنكيل العلني.
يريد الحسم
قام سلاح الجو بقصف غزة في هذا الاسبوع. ومن دون الدخول في تفاصيل العملية، يمكننا القول إنها كانت استثنائية من الناحية التنفيذية. فقد عبرت عن استثمار طويل لمدة سنة أو أكثر، استثمار لم يستنفد بعد بشكل كامل. وليست له صلة بأي سياسة جديدة، لا عصي ولا جزر. منظمة غير منضبطة في غزة قامت باطلاق صاروخ قسام واحد نحو سدروت، والجيش الاسرائيلي قام باستغلال هذه الفرصة.
المشكلة هي أنه لا توجد سياسة. في 8 تشرين الاول، بعد ستة اسابيع من اليوم، يفترض أن تكون انتخابات محلية في الضفة الغربية وغزة. ونحن نعرف ما الذي تعتقده الامم المتحدة عن هذه الانتخابات. وفي بيان اصدره الأربعاء نائب مبعوث الامم المتحدة للشرق الاوسط، روبرت فايفر، امتدح فيه الانتخابات "التي ستحدث في أرجاء دولة فلسطين". واذا أجريت الانتخابات فيتوقع أن تتعزز قوة حماس في الضفة وتشق طريقها الى حكومة بمشاركتها. فما الذي تفكر فيه الحكومة الاسرائيلية. نحن لا نعرف. هل هي مؤيدة/ معارضة/ مسلمة/ منشغلة بأمورها حتى عنقها؟ يمكن أن تكون كل هذه الاحتمالات صحيحة. وحسب تقرير الامم المتحدة فان المياه في غزة ملوثة، وعدد كبير من الاطفال يعانون من الامراض بسبب التلوث، وفي سنة 2020 لن تكون هناك مياه أبدا. حماس لا تهتم. فهي تعرف أنه يمكن دائما القاء المسؤولية على اسرائيل. ولكن ما الذي تعتقده حكومة اسرائيل في هذا الشأن؟.
في نقاش له مع جنرالات هيئة الاركان، قال ليبرمان إن وقت الاحداث المتبادلة قد انتهى مع حماس ايضا، ومع حزب الله. وهو على استعداد لاجراء خطوات عسكرية فقط من اجل الحسم. هذا يبدو صحيحا، لكن المشكلة تبدأ عند ترجمة هذه الكلمة الملفتة، الحسم، الى خطوات عملية. وفي نهاية المطاف الجميع يريدون شيئا واحدا وهو كسب الوقت، ليس من اجل الحسم بل من اجل المواصلة.
هرتسل زاوية نتنياهو
العالم موشيه هلبرطال (58 سنة) بروفيسور في الفلسفة في الجامعة العبرية وجامعة نيويورك. وهو عالم مشهور ولامع وصاحب كاريزما. المحاضرون والطلاب يسيرون وراءه هنا وهناك. القبعة المنسوجة على رأسه مربوطة بمشبك. وهي تلوح بين فينة واخرى وكأنها تريد اطلاق الجناحين والطيران عاليا. وقد طلبت سماع رأيه حول عدد من المواضيع المختلف فيها، من نتنياهو حتى ترامب. وقد التقينا في هذا الاسبوع في منزله في الحي الالماني في القدس.
- قلت: إن نتنياهو وصف نفسه مؤخرا على أنه مواصل لطريق والده الذي هو بدوره مواصل لطريق جابوتنسكي الذي كان مواصلا لطريق هرتسل. هذه سلسلة واحدة وسلالة واحدة. هل نتنياهو يواصل طريق هرتسل؟.
"لا"، قال هلبرطال موضحا، "الشرق الاوسط يتفكك من حولنا والفوضى كبيرة. ونتنياهو يقول في ظل وضع كهذا أنه يجب الحفاظ على الوضع الراهن. ولكن استمرار الوضع الراهن يؤدي بنا الى الوضع الدائم للدولة الواحدة، ثنائية القومية بين النهر والبحر. وهنا توجد مفارقة: الدول متعددة القوميات ومتعددة الديانات هي الدول التي تتفكك الآن، سوريا والعراق ويمكن لبنان ايضا. إن المسار الذي نسير فيه يأخذنا الى نفس الفوضى.
"الامر الآخر الذي يبعدنا عن حلم هرتسل هو التغيير الذي يمر به الليكود، حزب السلطة. في السابق كان الليكود حزب يميني وصقوري وقومي مع جذور ليبرالية وديمقراطية عميقة. وفي السنوات الاخيرة انفصل الليكود عن هذه الجذور. ولم يعد الصراع مع العالم العربي كافيا بالنسبة له. فهو يبحث عن أعداء من الداخل – منظمات حقوق الانسان، الاقليات، اليسار ووسائل الاعلام– هذا ما يميز القومية عن القومية المتطرفة: القومية تدافع عن نفسها في وجه الأعداء من الخارج. أما القومية المتطرفة فتركز على الأعداء في الداخل. هاتان العمليتان– دولة ثنائية القومية والبحث عن العدو الداخلي– تعارضان بشكل كبير الموقف الكلاسيكي للصهيونية. إن من طلب في يوم الانتخابات بانقاذ الدولة لأن العرب يتدفقون الى الصناديق، لا يواصل طريق هرتسل.
"نحن نعرف جيدا ماذا يعني أن تكون أقلية، ولا نعرف ماذا يعني أن تكون اغلبية. يتحدث نتنياهو بلغة الاقلية، لغة الضعيف، رغم أن القوة في يديه. إنه لا يثق بما فيه الكفاية بصهيونيته من اجل الوقوف من وراء تعهدات وثيقة الاستقلال. أن تكون في موقف الضحية وأنت تملك القوة، هو أمر قاتل".
- قلت له: لكن المخاوف من العالم العربي والاسلامي مغروسة عميقا في الواقع. ايهود باراك قال نحن فيلا في الغابة. وأضاف نتنياهو "فيلا محاطة بالجدران".
"لا أتحمس من اعتبار اسرائيل فيلا"، قال هلبرطال، "ولكن يجب علينا الفهم أننا نعيش في منطقة معقدة فيها اشكالية، مخاوف الاسرائيليين حقيقية والاخطار حقيقية. ونتنياهو يستجيب هنا الى صدى عميق جدا في الجمهور الاسرائيلي.
"اليسار في اسرائيل، أو بشكل أدق، أجزاء منه، ينكر التهديد. وهذا ضعف. وبدل فهم الاسرائيلي الخائف يعتبر كل من يصوت لليمين وحشا. هذا ليس صحيحا وليس ناجعا. الحقيقة هي أن الافراد الذين تم انتخابهم لرئاسة الحكومة من الوسط – يسار كانوا اولئك الذين منحهم المصوتون الثقة واعتبروهم شركاء في مخاوفهم".
- سألت، هل الديمقراطية الاسرائيلية في خطر؟.
"نعم"، قال، "إنها تحت التهديد، بسبب الهجوم على استقلالية الجهاز القضائي ووسائل الاعلام والعرب في اسرائيل. لو كنا ننوي اجراء المقارنة فان النموذج هو هنغاريا أو بولندا، وليس تركيا اردوغان. لا يوجد ضرر قاتل للديمقراطية. ولكن توجد مشكلة".
وراء جدران الغيتو
- السياسيون يكثرون في السنوات الاخيرة من الحديث عن دولة يهودية.
"فكر هرتسل بدولة اليهود وليس دولة يهودية"، قال هلبرطال، "لا تستطيع الدولة أن تكون في نفس الوقت دولة اليهود وايضا دولة يهودية".
- طلبت منه التفسير والشرح.
"حول سؤال ماذا يعني أن تكون يهوديا. توجد لليهود مواقف كثيرة ومختلفة"، قال، "لا يوجد اتفاق حول ذلك. للأسف، نتنياهو على استعداد لدفع ثمن تاريخي في هذا الامر فقط من اجل الحفاظ على ائتلافه. لنأخذ مثالا: قانون المغاطس الجديد. هذا القانون لا يسمح للحاخامات الاصلاحيين باستخدام المغاطس. وهو مثل قوانين اخرى يقول عمليا ليهود الشتات: اسرائيل ليست بيتكم. توجد اليوم حرية دينية في كفينس أكثر مما في القدس. استخدام قوة الدولة لحسم موضوع الهوية اليهودية يناقض بشكل كبير الفكرة الصهيونية".
- أنت تتابع منذ سنوات التغيرات في الوسط الحريدي، قلت له. هل جدار الغيتو الحريدي ينهار؟.
"التغيير كبير"، قال، "بعضه ينبع من اسباب اقتصادية. الاقتصاد الحريدي كان اقتصاد النسب – كان الصهر الثري يأخذ من اجل ابنته طالب ذكي يعيش على حسابه، وباقي الرجال عملوا. واسرائيل حولتهم جميعا الى أنسباء للدولة. وهذا الامر انشأ اعتماد كبير للحريديين على الدولة والفقر ايضا. النساء هن اللواتي ينفقن على العائلة: يحملن عبئا ثقيلا جدا. اضافة الى ذلك، الحاخام الذي ليس طالبا ذكيا، يعيش حياة التحجر، الامر الذي يهينه كانسان".
نهاية العالم الآن
- ماذا تعتقد حول ظاهرة ميري ريغف، سألت.
"من بين ما يحدث في الليكود، هذا هو الامر الأقل اقلاقا لي"، قال، "الفوضى التي تقوم بها تغطي مشكلة أكبر– الفجوة بين المركز والمحيط. الجهاز التعليمي في المحيط ضعيف: هي تجد صعوبة في خلق تفوق اجتماعي. للفجوة مميزات طائفية. كان هناك تمييز تاريخي لا يمكن نفيه، وكانت ايضا مواقف مسبقة واحتقار ما للثقافة. هناك علاقة في اسرائيل بين التعليم والدخل، وستزداد هذه العلاقة قوة في المستقبل.
"المفتاح هو التعليم: في كل مكان في العالم، التفوق الاجتماعي لليهود جاء عن طريق التعليم– باستثناء دولة اليهود".
- حقيقة أن الدولة تدعم المؤسسات التي ترفض تعلم المهن، لا تساعد، قلت.
"هذا صحيح"، قال، "الدولة تقوم بدعم الجهاز التعليمي الذي يكبح التفوق والريادة".
يتابع هلبرطال ما يحدث في معسكره الصهيوني الديني. "حركة الاستيطان خلقت واقعا سياسيا، لكنها لم تحدث انبعاثا دينيا مسيحاني"، قال. "الايديولوجيا انهارت وانتصر المحاسبون. الوجه المضيء للحاخام كوك استبدل بالوجه الغاضب للحاخام كهانا.
"في الهامش، الحركة منقسمة حول سؤال الرسمية. الدولة فقدت هالتها المسيحانية. شبيبة التلال يكرهونها ويتآمرون عليها، من يذهبون الى الحرم يعكسون الانتقال من المسيحانية الى نهاية العالم: اذا رفض المسيح المجيء فسنقوم باشعال الشرق الاوسط، وهكذا نجبره على المجيء".
كل شيء في الرأس
ثلاثة ضباط متقاعدين – عوزي ديان، داني بيتون والعقيد شموئيل زكاي – تطوعوا ليكونوا شهود دفاع في محاكمة اليئور ازاريا. هذا حقهم. والوقت المتبقي حتى ظهورهم في المحكمة في يافا سيسمح لهم بمعاينة الأدلة بشكل أعمق. ومشكوك فيه أنهم قد فعلوا ذلك قبل ذهابهم الى وسائل الاعلام.
المحاكمة تجري في اتجاهين، واحد قيمي: هل يجب قتل "المخرب" بعد تحييده ايضا – في هذه الحالة، بعد تحييده بـ 11 دقيقة. هناك كثير من الاسرائيليين الذين يجيبون على هذا السؤال بالايجاب. والاوامر السارية الآن في الجيش الاسرائيلي تجيب بالسلب. الضباط الثلاثة لا يزعمون أنهم خبراء مختصين في هذا الامر.
الاتجاه الثاني هو تنفيذي: ما مصدر الصلاحيات. النيابة تقول إن قيادة الوحدات والفرق والكتائب هي المسؤولة وليس الجندي أو المستوطنين الذين وقفوا حوله. الدفاع يقول إن جميع القادة كاذبين وخائفين وهم يريدون حماية أنفسهم. ومن يستمع اليهم هو مهزلة.
داني بيتون منح في هذا الاسبوع مقابلة مطولة لعيدي مئير من الشبكة ب، حيث قال إن الجندي هو مصدر الصلاحية. كل شيء في رأسه. اذا شعر بالخطر فمن حقه اطلاق النار من اجل القتل، بغض النظر عن الظروف. مشكوك فيه أن هذا الموقف يلائم سيرة الجنرال بيتون اثناء خدمته في الجيش الاسرائيلي. والامر الاكثر خطورة هو أن هذا الموقف ينفي السلطة العسكرية. جيش بيتون المواطن ليس جيشا، بل مليشيا، والاكثر سوء هو أنه عصابة.
مواضيع ذات صلة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال
وزير جيش الاحتلال يقرر منع زيارة ممثلي الصليب الأحمر للمعتقلين
كفر ياسيف: المئات يتظاهرون تنديدًا بجرائم القتل وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية
تظاهرة حاشدة في تل أبيب للمطالبة بوقف الحرب على غزة وإبرام صفقة تبادل
مقتل مواطنين في جريمتي إطلاق نار في رهط ودير الأسد