غنائية القص في مواجهة قسوة الواقع - قراءة في المجموعة القصصية "مجنون الحي" لعزة دياب
سيد محمد
تتوزع قصص "مجنون الحي" بين عالمين، حيث يتناوب العجائبي والواقعي القص، وحيث لا يقل أحدهما في معاناته عن الآخر، فالعجائبي كابوسي، والواقعي أقل ما يوصف به أنه يستعرض واقعًا قبيحًا وغير منصف، خاصة بالنسبة للنساء.
كابوسية العجائبي:
يبدو الحدث ذو طابع قدري، يقع في الغالب في منطقة رمادية بين الموت والحياة، وجغرافيًا: مكان مهجور أو ديار الموتى. أسبابه يكتنفها الغموض، ونتائجه: قد تكون فضح خطايا قديمة أو تصفية حساب من نوع ما مع الذات، أو لتضمين تساؤلات مهمة عن معنى الوجود، ففي قصة "روضة"، تتوقف سيارة الساردة دون سبب، لتجد نفسها عند.. "مقابر مطلية بالجير، يتصدرها لوحات رخامية بأسماء أموات رابضين في ظهر القرية"، وتستدعي القصة لحظات منسية من الماضي.. "شعرت أن هذه اللقطة حدثت من قبل". أما في قصة "خروج" فنجد اكتشافًا للذات.. "أدرك أنه لم يضف ولا لمسة واحدة، كما جاء يخرج". واكتشافًا لزيف التصفيق والتهاني.. "أكانوا يجاملون؟"، وإعادة تقييم للدرب.. "سار في دربٍ معبَّد، مهدته خطى السائرين من قبل" لكنه في النهاية.. "بدا أمامه الدرب بكل زينته ديكورًا". أما في قصة "رؤية" فيقوم المكبوت الضخم: المُتع المُهمَلة والرغبات والأحلام غير المتحققة، والمدفونة داخل تابوت "أغوار الذات" بمعاقبة هذه الذات على إهمالهم... "تعملقتْ، جذبتني من يد والحارس من يد، أسكناني التابوت وأغلقاه". في قصة "السير بمحاذاة الساحل": يجعل حفل الخطوبة البطل يستدعي ذكريات أحبة "أقرانه وأبيه" ماتوا ميتات تراجيدية: غرقًا في البحر أو صعقًا بالتيار الكهربائي، ويخاطب البطل الرمال والقصور التي تُبنى فوقها.. "بعد ثلاثين صيفًا ضاعت ملامح الشاطئ ومعه أيامي الأولى، كيف نبني أدوارًا علوية وأدوارنا الأولى تتآكل؟!" وصولًا إلى اجتياز الشاطئ.
واقع لا يُنصف النساء:
فالمرأة، في كل مراحل حياتها، هي الخاسر الأكبر، تخسر حياتها أو إرادتها أو حريتها، أو تفقد ثقتها بنفسها أو تُحرَم من الوفاء الذي تستحقه ولو لبعض الوقت بعد موتها، فهي الطفلة التي تتأتى معاناتها في قصة "عشب يتألم" انعكاسًا لمعاناة أمها من قهر زوجها أبي البنت الساردة.. "يثور أبي لأبسط الأشياء مثل إنها لم تلمع حذاءه جيدًا" ولهذا.. "عندما أُغضبها بشقاوة الطفولة تجذبني من ذراعي وتقذفني خارج باب الشقة"، والطفلة قد تعاني في "صباح شتوي" من عدم الاستقرار فعندما ترى أمها تستعد لمغادرة البيت.. "لا أعرف أأستوقفها؟ أم أساعدها في تحميل أشيائها قبل عودة أبي؟"؛ ثم نجد "الشابة الصغيرة" في قصة "الوقوف على الجانب الآخر" التي تُسلب حياتها.. "وجدت رجال عائلتي يحملون لفة، مددوها على ظهر المركب" حتى وصلوا إلى الجانب الآخر.. حيث لم يبقَ من البنت سوى.. "صوتها في أذني: نفسي أعوم زيك. _يا بت أنا راجل. تشق ضحكتها سكون الليل. "الشابة الصغيرة" لا تغادرها ذكرى الاعتداء في قصة "هذيان" حيث الطيور.. "يتدافعون نحوي وفي أذهانهم تلك اللحظة التاريخية التي يقضم فيها المنقار وسط السمكة" فعلى الرغم من مرور الزمن وتغير الظروف.. "أشعر أني في بئر مظلمة، أحاول الخروج منها تخذلني قواي". معاناة "الزوجة" تبدو للوهلة الأولى أقل ضراوة في قصة "السُترة" حيث العلاقة بالزوج.. "يتكلم وأسمع، على هذا المنوال هيأت حياتي لتسير المركب وإن كانت تسير في مياه ضحلة" لأن السترة.. "تحمي الجزء العلوي من جسدي وتنقط على الجزء السفلي" حتى أن الساردة تجد نفسها.. "وصلت العمل مغرقة بالمياه كل همي خلع السُترة" وبالرغم من كَون الزواج في هذه القصة سُترة مهترئة ينبغي خلعها فإن له القدرة على شحذ حلم الزوجة في قصة "لقاء" بالانتقام من زوج هجرها سنوات فتتخيل عودته وتوسله محبتها ورفضها للعودة إليه.. "لا زوج لي..... رفعت أصابعه ذقنها، أزاحت يده، انسلت من تحت ذراعه"؛ ثم بامتداد الخط على استقامته، سنجد المرأة الزوجة تتعرض للظلم حتى بعد وفاتها، فالزوج بعد الانتهاء من دفن زوجته مباشرة يبدأ في البحث عن عروسة: زوجة جديدة في قصة "طريق المقبرة"، إذ تراه ابنته.. "وجدت أبي يتحدث مع المغسِلة التي هي في الوقت نفسه خاطبة"، والإيذاء هنا مزدوج للأم الميتة ولابنتها الشابة الصغيرة.
غير إن الواقع لم ينصف أيضًا الشيخ ذي الملابس الرثة، كنموذج للبسطاء، في قصة "مجنون الحي" فهو يفترش الرصيف.. "يسب، يلعن، يركل الهواء" ويحتمل مشاكسة الصبية الذين يعتبرونه مجنون الحي، هذه المشاكسة التي لا تقاس بمعاناته القديمة في أماكن أخرى وميكانيزمات مقاومته.. "عليك وأنت تُهان أن تدرأ عن نفسك وجع المذلة بأن تنسلخ عن ذاتك وتحلِّق في عالمك المُتَخيل".
تعتمد قصص "مجنون الحي" _وهي أكثر من عشرين قصة متفاوتة الطول من صفحة إلى عشر صفحات_ قصًا غنائيًا، يَبين في شفاقية اللغة: مفرداتها ودلالاتها: الفلسفية في: العجائبي _وإن اعتمدت على الشفيرات المعتادة_ ثم الإنسانية التي تنتح من الحياة اليومية، وخاصة العلاقات الأسرية والزوجية في عدد كبير من القصص، ولهذا يأتي السرد محملًا بمشاعر الضيق أو المقاومة، أو رثاء الذات في مجتمع يُقِر، للأسف، التمييز بين الرجل والمرأة كبداهة "قلَّما تقبل النقاش"؛ تتميز القصص باستخدام الجملة القصيرة"، والصورة بمشهديتها، ففي قصة "لقاء" تكشف الساردة عن كَون المشهد القصصي كله ليس سوى حلم من أحلام اليقظة.. "نفضت طولها واقفة فوق السرير كأنه مسرح، وأثاث الغرفة جمهور"، وأيضًا بكشف العالم الداخلي للشخوص، بالأخص في لحظات الأزمة مثلما في قصة "العرس" على سبيل المثال.. "أهرب من زحام البيت إلى العمل، أمام الأقارب اضطر إلى عدم مجادلة زوجي في أوامره، ليس تمثيلًا مني بل تفاديًا لبعثرة كرامتي أمامهم، وقد استغل هذا، أخرج ملابسه الداخلية لأكويها إلى جانب....". كما تظهر مَحَلِية المفردات: إذ تلعب مدينة "رشيد" حيث تقطن الساردة دورَ بطولةٍ من نوعٍ ما، فهي تمثل في السرد أكثر من مجرد حيز جغرافي، هي عالم ثقافي واجتماعي يمتلك خصوصيته من طبيعة نشاطه الاقتصادي، ففي قصة "البعاد: لوعة" تبدأ من "أصوات بائعي الأسماك، وجلبة احتكاك صناديقهم بالأرصفة المبلطة المثقوبة بالبالوعات"، وفي "هذيان" هي أيضًأ.. "أجرف الرمال بيدي، أنثرها، أدور حول نفسي في سحابة رملية، أنتبه إلى القواقع وهياكل الرخويات التي أطبقت شقيها على الرمل...". ناهيك عما أضافه الاهتمام بالتفاصيل والعناصر والكائنات المتنوعة، ففي قصة "صباح شتوي" على سبيل المثال يأتي السرد بلسان الابنة الطفلة متناوبًا بين ملاحظة الأم وظلال مشكلتها مع الأب من جهة، وبين ملاحظة حركة الحصان الذي يقود الحنطور من جهة أخرى، ففي البداية.. "يقف الحصان في خيلاء منتظرا صعودنا العربة، يلف ذيله في ملل"، وفي النهاية.. "مرق مُسرعًا عندما تخفف من أحمالنا"؛ هذا ويأتي السرد في أغلب القصص بضمير المتكلم مانحًا القص غنائية التعبير عن مكنونات الذات، وعلاقتها بالعالم ورؤاها لما حولها.
"مجنون الحي" من إصدار دار غراب للنشر والتوزيع 2014 وهو الكتاب القصصي الثالث للقاصة والروائية عزة دياب بعد كتابين قصصين: "شاطئ الحنين"، و"الأجنحة الورقية" ورواية أولى: "وردة النيل"، وثلاثتهم من إصدارات السلاسل الدورية بوزارة الثقافة، ثم صدر لها رواية ثانية هي: "لقاء" من دار نشر الكتب خان 2015.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين