الشاعر والمترجم اشرف القرقني تجربة أدبية حقيقيّة واحدة تحتاج حياة بأكملها
حوار سيف الدين عفانة
من هو أشرف القرقني؟
سئلت مرّة هذا السّؤال من المرأة التي صارت حبيبتي… وكان الجواب “صدّقيني، إنّ كلّ جهودي في الحياة تختزل في محاولة الإجابة عن هذا السؤال…” ولكن لنقل إنّه شخص يحبّ الأدب قراءة وكتابة وترجمة.
هل تعتبر نفسك شاعرا أم ناقدا أم مترجما أم قصاصا ؟
كل ما أفعله في حياتي أفعله شاعرا. هذا هو الأمر الذي أدركت مبكرا أنني أكونه. درست الآداب العربية بعد دراسة عليا في الرياضيات اقتفاء لحلم الشاعر الطفل الذي كنته وأكونه. ورغم أنها خيبت ظنّي لكنني أكيّفها لعالم الشّعر. أترجم الشّعر لأنّني أحبّه. ولأنّني مجرّد “هاو متمرّس” على حدّ عبارة “بارت”. لكنّ الشّاعر هو الذي يقوم بكلّ هذا.
بما أنّك أديب… هل أدبك مأساة أم غيرها؟
لا أعرف حقّا. الألم دفعني إلى الكتابة منذ الطفولة… الحرمان أيضا. أكتب ما ينقصني. أكتب حيوات أحتاجها. وأكتب لأنّني لا أعرف لم أكتب. فقط لا أيس لي خارج الكتابة. هناك عظماء عاشوا في رفاهيّة وكتبوا آثارا عظيمة. لكن كانت لهم مآسيهم الذاتية. نعم، يمكنني أن أقول إنّ المأساة مروحة الكتابة فيما يخصّني.
من أين أزهر عشق الكتابة لدى أشرف القرقني؟
من الطفولة والألم. لم أكن طفلا سعيدا لكنني كنت مأخوذا بأصوات غامضة بعيدة. كنت شيطان المقيل. في الصيف لا أنام بل أقرأ وأكتب. أكتب لجدّتي التي ماتت مبكرا ولحبّتي البعيدة كي توجد. كان لي أخ أكبر. أدخل إلى غرفته خلسة، أقرأ ما يكتب. أبصق عليه. وأشتمه قائلا: “عليك أن تقرأ ما أكتبه أنا”.
أعتقد أنّ لكلّ إنسان قدوة… فهل توافقني الرأي؟
لي أصدقاء قرأت لهم بحبّ عظيم. بعظهم مات منذ قرون والبعض الآخر يشاكسني على الفايسبوك. أقرؤهم لأنمّيَ الضوء الأزرق في روحي ولكني لا أشبههم.
الكتابة والفنّ عامّة هو مجال أن تكون ذاتك وتمتلئ بها. ولذلك قدوتي هو أنا الذي سأكونه وأنحتُه في الزّمن مستفيدا من محبّة العظماء.
السنة المفقودة، ليست أوّل إبداعاتك… هلاّ خبّرتنا عن “سوابقك” الإبداعيّة.
أكتب نصوصا شعرية منذ الطفولة بقي منها الآن ثلاث مخطوطات، ولي نصوص أخرى بين الشذرة والقصّ. ترجمتُ “قلب كلب” لبولغاكوف وقصائد متفرّقة لبوكوفسكي وبودلير ومارك ستراندْ وهرمان هسّه وشعراء آخرين…
السّنة المفقودة… كيف كان مخاضها؟
كنت أعمل على رواية أخرى، حين اقترح عليّ النّاشر هذه الرّواية لروائي وشاعر أرجنتيني من الجيل الجديد. قرأت العمل، ومنذ صفحاته الأولى اتّضح لي قرار ترجمتها. أنا أصدّق حدسي دائما. وكذلك فعلت. ومنذ شرعت في العمل لم أستطع التوقف حتّى أستقرّ منتهيا خلال فترة وجيزة كنت أعمل فيها ليل نهار مأخوذا بتدفّق نهر الحكاية
وانتهت بك التجربة إلى النّشر…
طبعا، بما أن التجربة كانت باقتراح من النّاشر الذي طلب رأيي ووافقت حين انتهائي من قراءتها ومن اكتشاف علم بيدرو ميرال.
ولكنّي بحثت ولم أجد ترجمتك في المكتبات؟
طبع الكتاب في المشرق بين لبنان والسعودية وبلغ جميع معارض الكتاب الكبرى لكنّه لم يصل بعد إل تونس. النسخة الوحيدة التي أملكها أحضرها لي صديق شاعر تونسي “سامي الذيبي” من معرض فلسطين بالتنسيق مع الشاعر الفلسطيني مهيب البرغوثي.
على الأرجح قد يكون الكتاب متوفّرا في معرض سوسة الدولي للكتاب هذا العام.
هل نستطيع أن نسبر بعض أغوار هذا الكتاب “المهاجر”؟
إنه رواية وجيزة متدفقة في فصول قصيرة ولغة شعريّة مكثّفة. نتابع كهلا وأخاه خلال رحلة بحثهم عن لفافة رسم مفقودة تقابل سنة 1961. الرّسم في مجمله يضمّ 4 كيلومترات موزّعة على لفافات كبيرة ومرسومة على امتداد ستّين سنة. والرّسّام هو الأب سالفاتيارا. فقد سقط عن حصان في طفولته وفقد ملكة التّكلّم. الرسم لغته التي دوّن فيها حياته دون أن يكون حاضرا فيها بشكل مباشر. نتابع رحلة الرّجلين بحثا عن اللّفافة ونخوض في الذّكريات وأسئلة الفنّ والموت والحياة.
نعود إلى الكتابة بصفة عامّة… والتي لا أستطيع وصفها في تونس إلا بالمتأزّمة.
هناك مشاكل عنقودية… انطلاقا من سياسة وزارة الثقافة وصولا إلى النّاشرين الذين يمكن اعتبار أغلبهم «ناشلين” لجهد الكاتب. اختلط الحابل بالنابل. إن كنت تملك مالا فيمكنك أن تنشر نصوصا لا تصلح حتّى طعاما للنّار. أمّا إذا كنت تنحت تجربة إبداعيّة جادّة فإنّك ستكون مجرّد رقم داخل الصفّ. وبين جشع الناشرين. وسوء تنظيم الوزارة، يستنفذ المبدع. ولذلك نرى ظاهرة جديدة الآن وهي مهاجرة النّصوص التونسيّة إلى دور النّشر العربيّة. وإن كان القليل منها فقط في منأى عمّا نواجهه في تونس من إشكالات.
ما هي أفق الكتابة في تونس حسب رأيك؟
هناك تجارب إبداعية مهمّة في المشهد التونسي وهي تعد بالكثير… لكنّ تجربة أدبية حقيقيّة تحتاج حياة بأكملها. ولذلك يخشى على بعض الأصوات أن تفقد بريقها لأسباب عديدة من بينها مسألة النّشر وتعميق أصالة التجربة وتطويرها في عالم يمجّد النّسخ على الأصل على حدّ عبارة “فيورباخ”. ومع ذلك فإنّ الأدب التونسي في تصوّري يشهد نصوصا وتجارب مهمّة لم يعرفها من قبل.
ولكن، لماذا لم يحلّق الكاتب التونسي، حسب رأيك، في سماء العالميّة منذ الشّابيّ؟
هذا الكلام صحيح وإن ظلّ نسبيا نوعا مّا. فالمنصف الوهايبي وكمال الرّياحي ووليد سليمان مثلا وآخرون تمّت ترجمتهم إلى لغات عالميّة. وقد حقّقت هذه التّرجماتُ صدى طيّبا. كما أنّ أنطلوجيا الأدب التونسي صدرت بعد “الثورة” بلسان فرنسي وآخر انجليزي… ولكن الانتشار التونسي يظلّ محدودا والصّدى الذي حقّقه نصّ الشابّي مرتبط بإرادة سياسيّة دفعت إلى تحويله شاعرا وطنيّا إضافة إلى علاقته بمجلّة “أبولو”…
نحن في تونس نسيء إلى تجاربنا ونقدّس ما يأتي من خلف الحدود… ننظر إلى التّجارب المهمّة باعتبارها خطرا على تجاربنا نحن ونسبّ الضّوء لكي لا نكون وحدنا في العتمة… ومع ذلك، ثمّة أمل ممكن في انقراض هذه الممارسات.
كيف ترى أشرف القرقني بعد 20 سنة؟
عشرون سنة… يا إلاهي … إنّها كثيرة. أرجو أن يكون حيّا. وأعرف أنّ قلبه سيحافظ على الانشغاف نفسه عندما يكتب قصيدة.
الحياة مفتوحة على إمكانات كثيرة. أرجو أن أراه في مكان آخر… أعرف أنّه سيظلّ طفلا… يحاول مجدّدا الإجابة عن سؤال: “ما أنا”.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين