موسيقى الكتابة
قاسم حداد

1
الصوت أسبق من اللغة،اللغة أسبق من العروض،غير أن «فيرلن» سيقول: الموسيقى قبل كل شيء.
2
الصوت هو الدليل الأول على حركة الحياة. إنها الفطرة الإنسانية. واللغة هي الفطرة التي ساهمتْ في حياة البشرية وتطورها. فطرتان تشتركان في خصائص حيوية، مثل الحركة والنقر والإيقاع، والرقص أيضاً.
3
اتصالي باللغة العربية كان، بالدرجة الأولى، اتصالاً إيقاعياً، حسّياً، ثم وجدتُ في اللغة تلك الجماليات التي يحلم بها الشاعر، ويسعى إلى تحقيقها كلما تمكنتْ مخيلتُه من العمل، بحرية وجرأة، لحظة الكتابة.
لقد كتبتُ شعراً كثيراً على التفعيلة. ومبكراً كنتُ ممن يشعرون بميلٍ إلى موسيقى الكلمات ودلالات الصوت فيها، حتى أن كتابتي خارج الوزن لم تغادر الإيقاع بشكلٍ ما، ولا أزال أشعر بلذةٍ، تكاد تكون روحية، في الكتابة وزناً.
ليس لديّ موقفٌ مسبقٌ في هذا المجال، غير أن حساسيتي الموسيقية عنصرٌ مكوّنٌ، ضمن عناصر أخرى، أسعى بها إلى منح النص خصوصيته الشعرية، وبالتالي مغايرته للنثر العام.
أكاد لا أشعر بالحياة من دون أن تكون الموسيقى ميزاني، في الكتابة خصوصاً. ولديّ إحساسٌ بأن للموسيقى قانونَ خلقٍ غامضٍ يحكم الكون. وكلما تسنى لنا اكتشاف أسرارِ هذا القانون صارت متعتنا في الحياة ممكنة. ولا يتوفر هذا من غير شرط الحرية، حرية الخيال.
لكن، دون أن يكون في هذا كله حكم قيمة على أشكال وأساليب الكتابة، فقد تعودتُ على ديمقراطية أشكال التعبير. فما أحبه ليس قانوناً صالحاً لغيري، وهي أيضاً لا تنفي الأشكال الأخرى.
4
بعد تجربة ضاربة في الزمن والتنوّع، أزعمُ أنني قد صغتُ نصوصي، بشرط حريات الكتابة الشعرية، في جميع الأشكالِ المتاحة حتى الآن، ولم أكن أشعر بالأمان، في كل هذه الأشكال، حين أبتعد عن إيقاع الكلمات. ثمة موسيقى عميقة تعزف لكلماتي حرية الريح.
حتى أنني ما كنتُ سأكتب نصوصي السردية لولا الإيقاع الذي يتفتح لي أثناء الكتابة من تلافيف اللغة العربية وأسرارها الفاتنة.
5
يتمكن الشاعر من اكتشاف ما يتجاوز التفعيلة والوزن في اللغة، إذا هو استطاع أن يتفادى خضوعه للمفهوم (القضائي) الذي يقول، مثلَ حكمٍ قاطعٍ، بأن الشعر الآن هو خارج الموسيقى والإيقاع.
وإذا أدركنا بأن عروض الخليل وبحوره، التي وضعها للشعر السابق، قد استنبطتْ علمَها في تقنية موسيقى الشعر، أصلاً، من روح اللغة العربية وبنيتها الصوتية، من فونيمات الحروف والكلمات والعلاقات الصائتة في البنى النحوية والصرفية، أقول، إذا أدركنا ذلك كله، فسوف يتيسر لنا التحرر من مواقفنا المسبقة.
ذلك هو الإيقاع الشعري الشامل في الكتابة العربية، حيث الموسيقى تأتي مباشرة من اللغة، النهر الهادر بالصوت الإنساني الحميم.
علمُ عروض الشعر العربي لم يأت بشيءٍ من خارج اللغة، اللغةِ نفسِها التي لم يزل الشاعر العربي يَكتبُ بها نصوصَه. والبحور هي جزءٌ صغيرٌ من مادةٌ هارمونية خامّ تشمل الحروفَ والكلمات وتجاوراتهما وإيقاعهما اللفظي. مما يطرح أمام الشاعر كنزاً غنياً من الموسيقى، ليكتب نصه الجديد بما لا يقاس من المادة الأولى، التي لا تزال الأوزان والبحور المعروفة … لا تعرفها بعد. والمبدع هو الذي لا يكتب جملته الجديدة، نثراً أو شعراً، دون أن يكون فيها سرٌ من سحر اللغة، أو جانبٌ من جمالها.
من هنا، أرى تلك العلاقة، بالغة الغموض والجذرية، بين الشعر والموسيقى. فالإنسان، فيما يتصل بالشعر، سوف يصغي ويسمع بالدرجة الأولى، فالتقنية البشرية تنشأ من اتصال الانسان، بمعظم الابداع، عن طريق حاسّة السمع، حيث الحركة تتجلى: شكلاً ومضموناً، فيزيقياً وميتافيزيقياً.
وربما كان علينا العمل دون التفريط في هذه الوسائط مهما كان شكل إبداعنا، وفي حقل اللغة والكتابة والصوت بالذات. فالموسيقى هي النعمة التي نحاول التعرّف عليها مجدداً، لحظة كل نص، وساعة كل تأملٍ نقديّ. إنها من الثروات المستدامة في الكتابة الأدبية باللغة العربية خصوصاً.
سوف تستهويني كل أنواع الموسيقى التي أمسك بإيقاع الكلمات فيها، كما لو أنني أريد للنص الذي أكتبه أن يقدر على الرقص، مختلفاً عن المشي.
طوال تجربتي، لم أتخيل الشعر والكتابة من دون موسيقى، فهي طبيعة أشياء الحياة والعالم. لقد كان الشعر، طوال تاريخه، مقترناً بالموسيقى. والتجربة علمتني بأن ثمة مسافة تقنية جوهرية، بين مفهوم الموسيقى في الكتابة، ومفهوم أوزان وبحور الشعر في عروض الخليل بن أحمد. مسافة لا تستهين بمنجز العروض، لكنها تتجاوزه نحو الإيقاع الأرحب.
علينا أن نتهيأ للتعرف على مفاهيم جديدة تستوعب النصوص الإبداعية الجديدة. وربما استدعى هذا تمريناً روحياً لقبول المعطيات المستجدة في تجربتنا الحديثة. ثمة تحوّلٌ عميقٌ يحرّرنا من المراوحة في قناعات المكان الأول، الذي طرحتها علينا حركة التحديث الشعري في أوائل القرن العشرين.
6
في اللغة العربية، من دون الوقوف عند حدود عروض الخليل بن أحمد، طاقة لا متناهية من الإيقاع، يمكن للشاعر أن يكتشف هذه الطاقة، ويلْتذُّ بصنيعها. فالتفريط في هذه الطاقة تُعد خسارة فادحة للكتابة الأدبية عموماً، وللشعر خصوصاً.
الشاعر لا يخرج عن جاهزية الأدوات هروباً من حدود البحور والوزن، لكنه يفعل ذلك، أعني يتوجب أن يفعل ذلك، لكي يتفادى السهولة التي تستهين بطاقاته الإبداعية وطموحه الفائق. إنه يفعل ذلك، أيضاً، لكي يكتشف أخلاطاً جديدة من موسيقى الكتابة، موسيقى تلائم حياته وتصقل روحه وتبلور رؤيته، نصاً بعد نص، وتجربة بعد أخرى.
الشاعر الأن يأتي إلى الكتابة عارياً من جميع الأدوات والآليات الجاهزة، التي توفرت للشاعر العربي عندما طرح تجديداته الحديثة أوائل القرن العشرين. وعليه، رغم ذلك، أن يكتب نصاً يُقنع القارئ بالشعرية الجديدة.
أظن أننا قد بالغنا في توهم الشعر بمعزلٍ عن الموسيقى ومنبتّاً عنها. ففي ذلك خسارة كبيرة. ولا ينبغي الاستهانة بما بين أيدينا من ثروات اللغة وايقاعاتها.
فإذا تمكنا من عدم التفريط بمنجزات ومكتسبات القصيدة الحديثة، وإذا أطلقنا مكبوتات اللغة، بوصفها الطاقة الموسيقية المتاحة أمام موهبة الشاعر، سوف ندرك أهمية الموسيقى في الكتابة الأدبية عموماً، وسوف نشعر بأهمية العزف على ما لم تكتشفه بحور الخليل، فلا يزال في اللغة العربية سحرٌ لا يلامسه أحدٌ مثلما يفعل الشعراء، هؤلاء الذين يؤسّسون لحيوية اللغة ومستقبلها اللانهائي.
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين