عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 10 آب 2016

"يحدث كل خميس"... يحدث كل يوم تراجيديا النزيف والتحدي

محمود ابو الهيجاء

"يحدث كل خميس" هذا عنوان  المسرحية التي عرضت على خشبة مسرح الميدان في حيفا الخميس الماضي، المسرحية من انتاج مسرح وسينماتيك ام الفحم،  تاليف ايمن غبارية تمثيل روضة سليمان و ميلاد غالب، اخراج منير بكري، "سينوغرافيا" فراس روبي، موسيقى اكرم حداد، مساعدة اخراج نرمين بشارات، حركة  سماح محمود، تنفيذ ديكور توب غراف، وادارة انتاج نائل محاميد، هناك اذا في حيفا على مسرح الميدان التقيت هذا العمل الابداعي الذي يطرح عبر تداعيات حوارات ذاتية " منولوج" واخرى تحادثية " دايلوج "   متوازية بين بطلي المسرحية " عطاف " الاربعينية ، و" ربيع " العشريني، اللذان يلتقيان عند جدار من جدران الاحتلال، بما يحمل هذا الموقع من دلالات الفصل العنصري والقمع الاحتلالي، عطاف العانس التي تثقل عليها احلام التحرر من سطوة العائلة والثقافة الذكورية، التي حرمتها رعاية الجسد والروح معا، عطاف بهوية " زرقاء " هوية " المواطنة " الاسرائيلية، غير ان هذه الهوية في واقعاها وحقيقتها مجرد لون، اختلق فارقا اقتصاديا لا تجليات له، والاخطر حاجزا وطنيا بين ابناء الشعب الواحد، بامتيازات وهمية الى حد كبير، ومع ذلك ظلت هذه الهوية عند البعض من ابناء " الضفة " طريقا لخلاص فردي من الواقع السياسي والاحتلالي العنيف ...!! لكن " ربيع " العشريني، وان كان يشير الى ذلك في حواراته، غير انه في نزيفه التراجيدي يبحث عن خلاص اخر، اكثر حرية وانسانية، وهو يتقرب شيئا فشيئا  من "عطاف " بالحب والالفة، بعد ان فعل الماء فعله "الغسلوي " ان صح التعبير، فبعد لقاء اول بين " عطاف " و " ربيع " عند حنفية الماء قرب بيتها، وعندما غسلت لربيع وجهه المدمى، تفتحت زهرة المشتهى الانساني في قلب "عطاف" وفي الوقت ذاته راحت هذه الزهرة تنمو في خيالات " ربيع " عن دروب الخلاص الاجمل، وفي مشهد اعطى لهذا المعنى علاماته بعد مزيد من تداعيات الحوار،  حين اسرف " ربيع " الاحتفاء بماء الحنفية وقد اسلم رأسه لتدفقه الحميم، في لحظة حرية جعلت المشاهدين في قاعة المسرح يشتهونها كما احسست، وعلى هذا النحو الذي عبر عنه ذلك الطير الذي كان واقفا على رؤوسهم جميعا، غير ان هذا الاحتفاء "لربيع" ما كان له ان يغيب اسئلة المصير لا عنده، ولا عند "عطاف " خاصة بعد ان استشهد " فتحي " صديق "ربيع" الذي   الذي يحب، ومثاله الذي يحتذى، والذي رأيناه فقط في تداعيات "ربيع" ومحادثاته، ولم نعرف كيف استشهد " فتحي" لكننا نعرف انه استشهد و"ربيع" يكرر هذه الكلمة على مسامع "عطاف" وهو ينهرها أن لا تقول بانه مات ...!! 

لم تكن "روضة سليمان" في المسرحية غير "عطاف " اعني انها جسدت شخصية هذه المرأة على نحو خلاق، ادمعت قلوبنا بحنو الابداع، وهي تحمل جسد  " عطاف " بوجهه وبكل انفعالاته، بخوفه وتطلعات شهواته وتمرده، وهكذا كان "ميلاد غالب" العشريني ربيع " الضفاوي " الذي يكره هذا التعبير والتصنيف والذي اكتشف ان الحب اساس للتحدي والمقاومة مثلما انتمت "عطاف " الى هذه الحقيقة، وهي تمضي مع " ربيع " في ختام المسرحية الى لجة المواجهة، مع الاحتلال من جهة، ومع قيم وعادات الثقافة الذكورية من جهة اخرى ، ولأن هذا الصراع لم ينته بعد، فهنا ما زال الاحتلال، وعادات ومفاهيم وقيم القبيلة، ما زالت هنا وهناك، فان ما يحدث كل خميس، يحدث كل يوم، عند الحواجز وجدران الفصل العنصرية الاحتلالية، والاخرى التي في تلك العادات والمفاهيم والقيم القبلية .

يتساءل كاتب المسرحية ايمن غبارية في توطئة له عن موضوع ما ابدع من نص مسرحي " هل ما زلنا قادرين على الحب والمقاومة والخروج من خانة الضحية .؟؟ هل ما زال بأمكاننا ان نقف على حافة بيتنا أو ارضنا أو روحنا لنصرخ : كفى تهميشا وقمعا واحتلالا ؟ هل سيمعنا احد  ؟؟ " اقول لايمن غبارية نعم ما زلنا قادرين على الحب والمقاومة، وسنبقى كذلك لطالما ان تراجيديا النزيف الفلسطينية، تتدفق بكل هذا التحدي الذي جاء به هذا الحب، بين عطاف وربيع والذي تفتح لا عند الحواجز، بل عند ماء "عطاف " الذي هو هنا في رمزيته الواضحة، ماء فلسطين بكل تاريخها وحضورها وتطلعاتها، الماء الذي لايحمل سوى دلالات الحياة والتنور والمقاومة  .