خليل العلي.. حكاية شعب في صورة
أيهم السهلي

حكايات المخيم الكثيرة ترويها ألسن أهله، لكن تتولى الوجوه هذه المرة بصمت روايتها، عبر عين الكاميرا الفوتوغراغية..
خليل العلي صحافي فلسطيني لاجئ من مخيم عين الحلوة في صيدا جنوب لبنان، ينحدر من قرية البصة قضاء عكا المحتلة.
يقضي صباحاته في أزقة المخيم، يطالع وجوه الناس، يبحث عن حالة في المخيم لتكون عنوان قصته الصحفية في صحيفة "العربي الجديد" حيث يعمل، تستوقفه اثناء ذلك وجوه أبناء المخيم شيبه وشبابه، فيلتقط تلك الوجوه بكاميرته، فتكون اللقطات التي تهملها عدسات المصورين وشاشات التلفزة عادة، تلك التي تسلط الضوء على الوجه السلبي للمخيم..
يغلق يومه بموضوع صحافي جديد للنشر، وعدسته قد التقطت ما أخفته تجاعيد حكاية الوجع الفلسطيني الممتدة منذ عام 1948.
هذه الصور التي تراكمت لديه، حتى أصبح في رصيده الكثير منها دفعته للتفكير بإقامة معرضه الفني الأول الذي حدد موعده في الحادي عشر من آب الحالي، وآثر تسميته "وتستمر الحكاية.. حكاية شعب"، في بلدية صيدا.
يحفل المصور الفلسطيني خليل العلي بوجوه اللاجئين الفلسينيين في مخيمات لبنان، يقضي مع أصحابها جل يومه، ينجز بينهم مهماته الصحافيه، مع فنجان قهوة يدعوه إليه حين يذهب لأحد كبار السن لشرب القهوة معه صباحا.. هذه الوجوه لم تكن عابرة في عدسة كاميرته، فبينما يعد موضوعا عن فنان مغمور بسبب الظروف، يرى وجها حفرت المعاناة أخاديدها في وجهه، أو وجها آخر تشرق النضارة منه، وقاسم الوجهين المشترك.. المخيم الفلسطيني الموزع على امتداد الجغرافية اللبنانية..
هذه الوجوه لم تبقى طي ذاكرة كاميرته وحاسوبه، يقول العلي: "قررت أن أخرج تلك الصور للناس، لترى المخيم بعين ابنه، وبدأت التحضير للمعرض، الذي جاءت فكرة إقامته أيضا في فلسطين، لكن الظروف حالت دون ذلك"
رغم كل الظروف
تكاليف الطباعة وتأمين مكان إقامة المعرض، كانت من أبرز المعيقات التي واجهت إقامة العلي لمعرضه، والتي وجد فيها صعوبة تفوق إمكانيات فنان يعمل وحده، دون مؤسسة ترعاه وتدعمة، لكنه لم يكن مستحيلا فقد تغلب على ذلك بالإصرار، معتبرا أن هدف اقامته أسمى من أي شيء
ويهدف من خلال هذا المعرض إلى إظهار حياة الشعب الفلسطيني في مخيمات الشتات في لبنان، فالمعاناة الكبيرة والمأساة اليومية التي يعيشها اللاجئون، تحتاج لتسليط الضوء عليها باستمرار، مؤكدا أن دوره بإبراز هذه المعاناة من خلال الصورة "أقل ما يمكن تقديمه لخدمة أبناء المخيمات".
اختار العلي عنوان "وتستمر الحكاية.. حكاية شعب" "لحاجة في نفس يعقوب" وذلك لأن الصور تحاكي جيل النكبة، وتستمر بتسلسل حتى تصل جيل اليوم، وكأنك تحكي القصة من بدايتها.
وحول ما سيتضمنه المعرض قال :"سيكون هناك لوحات بورتريه، ووجوه أناس ممن عاشوا نكبة فلسطين وتفاصيلها، ويحدثوننا بتجاعيد وجوههم عن تلك المرحلة العصيبة والمستمرة حتى يومنا هذا".
ويضيف العلي: "هذا الجيل غريب في طباعه، فترى فلسطين منعكسة في وجوههم أثناء حديثهم عنها، وعن حلو الحياة فيها قبل النكبة، كما أنك تراها الآن بنفس الجمال، جمال الأرض التي نسمع عنها ونراها عبر شاشة التلفاز مرسومة في وجوههم، وهذا ما جعل فكرة المعرض، ممتدة حتى الجيل الحالي، لتبدو فلسطين أيضا في وجوه صغار يلعبون أو يعزفون الموسيقى".
الرواية الفلسطينية
الحروب والمجازر التي ارتكبتها آلة الدمار الاسرائيلية بحق الفلسطينيين واللبنانيين في لبنان، وجدت مكانها على وجوه وأجساد هؤلاء اللاجئين، فالقاطن داخل مخيم صبرا وشاتيلا، ما زال يشاهد المجزرة على جدران المخيم، ويشتم رائحة الجثث المتفسخة في زواريبه الضيقة.
هذه الذاكرة المستمرة والمنتعشة بفعل الظروف السيئة لفلسطينيي لبنان جعلت "الزمن يحفر عميقا بوجه الكثيرين منهم حتى بعض من لم يتجاوزوا الخمسين من عمره، فالحروب الكثيرة والمجازر أنتجت تضاريس حزينة وقاسية في ملامحهم، تبدو من خلالها الملهاة الفلسطينية"
هذه الرواية ليست مأساة فقط، فيها أمل يبدو بوجوه أطفال كثر، يملؤون أزقة المخيمات صخبا وفرحا ولعب، يشير العلي إلى أن هناك نوعان من صور الأطفال في المعرض، بعضهم يلعبون ولكن الحزن في عيونهم، وبعضهم ليس في عيونهم سوى الفرح، لاننا شعب يصنع الفرح، فالطفل في المخيم له خصوصيته بسبب طبيعة الحياه وظروفها، فتنتج وجوه مختلفة للطفولة، بالتالي ابتسامات وضحكات مختلفة، وفرح مختلف، مصنوع من قلب الحزن، ورغما عنه".
اللقطة توقف الزمن.. ولكن
يقولون أن للقطة الفوتوغرافية إيقاف للحظة ما من الزمن، وللمصور الفلسطيني خليل العلي رأي آخر.
يقول: "هناك لقطات فعلا الكاميرا توقف الزمن حين التقاطها ولا يكون بوسعي سوى القبول بهذا الزمن المتوقف، كيف إذا كانت امرأة كبيرة في السن تتكلم عن قريتها وتبكي بعيون مغلقة، تستعيد مشهد النكبة وكأنه حاصل الآن، ذاك المكان الذي انتزعت منه صغيرة، وتتحسر عليه اليوم، وهي تنتظر أن تدفن في أرضها، لحظة الدمع هذه، لا بد أن يتوقف الزمن حين التقاطها".
ويتابع: "أما الصور التي تعلن عن نفسها أنها للاستمرار، وأن الزمن لن يتوقف، صور الأطفال في العيد، فرغم تواضع وقلة الإمكانيات، إلا أنهم فرحين يلعبون ويمرحون، مثل هذه الصور لا تتوقف حركتها، كلما شاهدتها رأيت الأطفال في حركة مستمرة، هم وجه فلسطين القادم".
المخيمات متصلة.. منفصلة
المخيمات سواء كانت في الضفة الغربية أو قطاع غزة أو لبنان أو سورية أو الأردن، مخيمات واحدة بالمفهوم لكون جذر المشكلة واحد، وهي التهجير عن الأرض، والبحث والنضال لأجل العودة، لكن كما يرى العلي أن "الامتداد جزئي، والفارق أن اللاجئين في الضفة وغزة هم في آخر المطاف داخل فلسطين، وابن المخيم في فلسطين له حقوقه كأي فلسطيني خارج المخيم، وهذا تماما لا ينطبق على الفلسطيني اللبناني، المحروم من ممارسة أكثر من سبعين مهنة، وليس لديه أية حقوق مدنية، حتى الطبابة هناك معاناة حقيقية مرتبطة بها، لذا فالمخيمات تتشابه ولا تتشابه".
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين