نضوب السعادة لدى الغزيين نتيجة تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والنفسية
تداعيات الانقسام

غزة: الحياة الجديدة: عماد عبد الرحمن
نحن شباب غزة الذين ضاع عمرهم، ومستقبلهم، نحن شباب غزة الذين ركبوا البحر بعد الحرب هربًا من البؤس والفقر ومن ثم غرقوا، وقالوا عنهم: جبناء .. مع السلامة واللي مش عاجبه الله معه.
نحن شباب غزة الذين انتحروا من الظلم والذل وقلة الحيلة واليأس، فقالوا عنهم ضعفاء جهلاء رافضين لحكم الله .. وبالناقص منهم.
نحن شباب غزة الذين أكلت النار أجسادهم وعائلاتهم بسبب انقطاع الكهرباء، وصليتم عليهم ومشيتم في جنازاتهم، وكأنكم لا تعرفون السبب.
نحن شباب غزة الذي بلا عمل .. بلا أمل .. بلا نقود .. بلا زواج .. بلا أفق، نحن شباب غزة الذي يأس منكم وينتظر أن يفتح المعبر ليُطلِق هذه البلاد إلى الأبد.
انسداد الافق
بهذه الكلمات الموجعة جسد الشاعر والكاتب محمود جوده حال الكثير من شباب قطاع غزة الذين مازالوا يرزحون تحت وطأة ألم اليأس وانسداد الأفق، بل والأدهى من ذلك بدأ الكثير منهم نتيجة للإحباط الشديد يصابون بحالة من اللامبالاة وعدم الإحساس وكأنهم يعيشون في عالم " الزومبي " عالم الأموات الأحياء.
ويضيف جودة الحاصل على ماجستير علم النفس أن استمرار الانقسام المرير والإغلاق والحصار المفروض على قطاع غزة لعشر سنوات، أوصل القطاع إلى مواصيل بعيدة، وأدى إلى ظهور أمراض اجتماعية كثيرة كانت نتيجة حتمية للفقر وتدهور الوضع الاقتصادي للعديد من الأسر ، وانغلاق الأفق أمام العديد من المواهب وفرص العمل.
وأكد جودة أن هذا الوضع أدى إلى نشوء بيئة خصبة للأمراض النفسية، والتي لا يأتي على ذكرها الكثير من المسؤولين، أو هم أغفلوا عنها لعدم مقدرتهم على مواجهتها ووضع حلول لها.
تفشي الاكتئاب والقلق
وأشار جودة الى تفشي ظاهرة الأمراض النفسية كالاكتئاب والقلق والتوتر بصورة كبيرة جدًا لدى مختلف شرائح المجتمع الغزي وخاصة الشباب، وهذا ينعكس في وجوه الناس ومعاملاتهم وارتفاع معدلات الطلاق وسرعة استثارة الناس، ناهيك عن اضطرابات ما بعد الصدمة والتي ربما تظهر أعراضها بعد سنوات وتؤثر على صيرورة الحياة المجتمعية بأكملها، ومن الأمراض المجتمعية المستترة انتشار العقاقير المُخدرة والسرقة والنصب والنزاعات التي تبدأ على أشياء تافهة بسبب ضيق اليد، وتفضي إلى القتل والشجار المُسلح والتي تعتبر انحدار طبيعي للظروف التي يمر بها القطاع.
الانتحار اخير
ويختتم جودة حديثه أن الشيء الأخطر الذي لم يكن له وجود في غزة هو الانتحار، وقد يقول البعض أن العديد من الناس يتعرضون لضغوط نفسية، ولكنهم لا يُقدمون على الانتحار، هُنا ظاهر الشيء غير باطنه، قد يُعاني الشخص آلام نفسية حادة كامنة لا تظهر للعيان، وقد تؤدي هذه الآلام إلى انتحار بعض الناس، أو إصابتهم باكتئاب حاد يأخذهم إلى الاضطراب العقلي الذهاني (الجنون)، ويبقى هذا خاضعًا لمقياس الفروق الفردية بين الناس، ولحجم الضغوط التي يتعرضون لها كأفراد، مقابل ميكانزمات الدفاع التي يمتلكونها، ووصولهم إلى مرحلة العجز، مؤكدا أنه لا يوجد منتحر إلا بذنب مجتمعي، فالمجتمع كله مسؤول عن عمليات الانتحار التي تحدث فيه، لأننا جميعًا شاركنا في تحضير المنتحر للموت، دون أي دراسة للأسباب التي أدت به إلى هذه الحالة.
الضغط النفسي
ويقول الاستاذ الدكتور احمد الشرقاوي استشاري الأعصاب والطب النفسي ان الضغط النفسي اجابة الجسم الفيزيولوجية وردّة فعله تجاه أيّة اثارة أو منبّه، وهذه الإجابة مستقلّة عن طبيعة العامل المثير، وهي في نفس الوقت انفعالية وبدنيّة وسلوكيّة.
وغاية هذه الاجابة هي مواجهة مختلف الوضعيّات التي تعترض الإنسان في حياته وبالتالي التكيّف مع الوضعية الضاغطة، ويمكن أن تكون الاثارة أو الوضعية الضاغطة وضعيّة مريحة كما يمكن أن تكون حرجة وأن تكون خبرا غير سار، وقد تكون الإثارة شديدة، ووقتية أو على العكس محدودة التأثير وممتدّة في الزمن، ليكون بهذا الضغط النفس أمرًا طبيعيّا وليس مرضا، ولكن عندما تكون الاثارة شديدة يمكن أن تؤدي إلى ظهور أمراض متنوعة أو تفاقمها.
عوامل الضغط النفسي
وأشار أ.د الشرقاوي أن عوامل الضغط النفسي تتوزع ما بين عوامل ذاتية (شخصية الفرد) كالفترات العمرية التي يمرّ بها الانسان (الطفولة ، المراهقة ، الشباب ، الكهولة ، الشيخوخة) وما يصاحب كلّ فترة من ضغوط، وعوامل خارجيّة يمكن أن تقود إلى الضغط النفسي منها العوامل المادية (البيولوجية) كالجوع والبرد والألم أو التلوث بأنواعه (الضجيج ، الاكتظاظ).
أما العوامل النفسية تتمثل في الصدمات الشديدة كالحروب والكوارث الطبيعيّة والحوادث الخطيرة أو الأحداث الكبرى (وفاة، ولادة، خيبة أمل، زواج)، أو من زاوية أخرى وتيرة الحياة اليومية التي تكون في الغالب مزعجة نتيجة كثرة المشاغل، ضيق الوقت، تشعّب العلاقات، صعوبة التنقل كثرة الالتزامات، مشيرا الى أن الخصائص النفسية كتركيبة الشخصية تؤثّر على إدراك عوامل الضغط النفسي وردّ الفعل تجاهها.
مضيفا أن هناك أنواع من الضغط النفسي تختلف باختلاف الأفراد وبيئاتهم ووضعياتهم الاجتماعية والمهنية، فهناك الضغوط المهنية والضغوط الزوجية والضغوط العائلية والاجتماعية والداخلية (صراع الرغبات والمثل) والضغوطات الذّاتية كالطموح الشديد والرغبة في التميّز.
أمراض الضغط النفسي
وقال أ.د الشرقاوي أن من أعراض الضغط النفسي تكون إما أعراض نفسيّة أو معرفية أو سلوكيّة أو عضوية، فمن الأعراض النفسية ما يلاحظ لدى بعض الأفراد من قلق وتوتّر ونوبات غضب واضطراب النوم والأحلام المزعجة والشكوك، ومن الأعراض المعرفية ضعف التركيز، الشرود، النسيان، التردّد في اتخاذ القرار، فقدان الثقة بالنفس، أمّا الأعراض السلوكية فمنها الشراهة في التدخين وتفاقم استهلاك المنبهات العقاقير التي يميل المصاب بالضغط النفسي لاستهلاكها بكثرة ثمّ التهوّر واضطراب الطعام، أما الأعراض العضوية المباشرة للضغط النفسي فنجد منها الغثيان، الصداع، ارتفاع ضغط الدم، الشدّ العضلي، آلام الظهر والعنق.
الشيخوخة المبكرة
وأشار أ.د الشرقاوي أن الضغط النفسي يتسبب في العديد من الأمراض العضوية والنفسيّة فضلا عن الشيخوخة المبكّرة، ومن الأمراض العضوية الناتجة عن الضغط النفسي مرض السكري، ضغط الدم، أمراض القلب والشرايين، الصداع النصفي قرحة المعدة، السرطان، الضعف الجنسي لدى الرجال واضطرابات الدورة الدموية لدى النساء، كما يسبّب الضغط النفسي، القلق والاكتئاب.
مخزون السعادة
وأوضح أ.د الشرقاوي أن للإنسان حاجات يسعى إلى سدها حسب مستويات (هرم ماسلو) الذي وضعه العالم إبراهام ماسلو، ، ولكي يرتقي الإنسان من مستوى احتياج معين إلى مستوى أعلى يجب عليه أولا تلبية ذلك الاحتياج بالكامل، ولكن مع استمرار الضغوط والشدائد والكروب والمحن وحالة الضنك التي يعيشها سكان قطاع غزة، بجانب حالة الفراغ وعدم القدرة على التواصل مع العالم الخارجي، وعدم القدرة على التخطيط والتنبؤ بمستقبل أفضل، أدت الى اختلال قاعدة ماسلو لدى الكثير من أبناء القطاع ، الأمر الذي نتج عنه نضوب مخزون هرمون " السيروتونين" لديهم وهو الهرمون الذي يسمى في بعض الاحيان هرمون السعادة والذي يعمل على تعديل الحالة المزاجية ويمنع الاكتئاب ويعطي احساس بالسعادة، ونقصه يؤدي الى اضطرابات في المزاج واكتئاب وزيادة الوزن بشكل ملحوظ ويؤثر على الذاكرة والقدرة على التعلم ويؤدي ايضا الى انخفاض معدلات افراز الانسولين في الجسم.
الأوضاع السياسية
من جانبه يقول الكاتب والإعلامي عامر أبو شباب المتخصص في الشأن السياسي، أنه كإعلامي وكمواطن في الوقت ذاته يختلط لديه الحديث في هذا الأمر ، فمن خلال متابعته للوضع السياسي في قطاع غزة بشكل يومي منذ العام 2001 وبشكل مكثف منذ عام 2007 بداية الانقسام المرير وسيطرة حركة حماس بالقوة العسكرية على قطاع غزة، لم يمر عليه خبر يدخل الفرحة في قلوب الغزيين، إلا فرحة عابرة حين يتم الإعلان عن مصالحة فلسطينية هنا أو هناك ثم سرعان ما تتحول هذه الفرحة الى شعور عالي بالتشاؤم وفقدان الأمل.
وأكد أبو شباب أن المشهد اختلط عليه مرة أخرى عندما رأى مؤسسة دولية شديدة الحذر في تقاريرها كالأمم المحتدة تقول أن قطاع غزة سيكون غير قابل للحياة بحلول العام 2020 أي بعد ثلاث سنوات ونصف من الآن، هذا التقرير وتفاصيل الواقع في قطاع غزة من عجز وأزمات في قضايا المياه ونسب البطالة المرتفعة، والكثافة السكانية الأعلى عالميا في أصغر بقعة جغرافية على مستوى العالم، وضخ250 كوب مياه صرف صحي البحر، وإعلان الجهات المختصة في سلطة البيئة أن 90 % من شواطئ القطاع غير صالحة للاستخدام والسباحة، و10 سنوات حصار وثلاثة حروب أتت على الأخضر واليابس، وتحول الموت من وسيلة للمقاومة ومقارعة الاحتلال وشرف للعائلة الى موت مجاني يتمثل في حالات انتحار وغرق في البحر، هذه البيئة مجتمعة انتجت حالة من الإحباط وتجاوزته الى فقدان الأمل لدى الكثير من الغزيين.
على حماس مراجعة حساباتها
وأكد أبو شباب أن الواقع أصعب من أن يتحمله طرف منفرد وإن كانت جميع الأطراف تتحمل المسؤولية بنسب متفاوتة، ولكنه كمواطن يحمل المسؤولية بالدرجة الأولى لسلطة حماس في قطاع غزة لأنها عندما اتخذت خيار السيطرة العسكرية على قطاع غزة لصالح مشروعها السياسي، أصبح لزاما عليها أن تراجع حساباتها بعد 10 سنوات من سيطرتها الى أين وصل مشروعها.
الازمة اكبر من مقدراتنا
وأضاف أبو شباب أن الحس الوطني يجبر الجميع ابتداء من المواطن حتى أعلى المستويات السياسية الى السعي لتجاوز الأزمة، لأنه لم يعدنا لدنيا ترف من الوقت والمناورة، والأزمة أكبر من مقدراتنا في قطاع غزة وأكبر من إمكانيات السلطة الوطنية وأكبر من إمكانياتنا كفصائل مجتمعة ، وبدون وضع استراتيجية فلسطينية موحدة لن يساعدنا أحد خاصة وأن المجتمع الدولي اليوم لديه الكثير من القضايا والصراعات الإقليمية التي تجعل من القضية الفلسطينية قضية هامشية، وتخلق حالة من الاستفراد الإسرائيلي بقضيتنا، لذلك حركة حماس مطالبة بترك المناورة لصالح الإقليم وتوحيد الصف لصالح حل أزماتنا، وتشكيل جدار من خلال إنهاء الانقسام لمنع وصول المشاريع المشبوهة ، والفكر المتطرف لقطاع غزة والذي سيستثمر من قبل إسرائيل وأعداء الشعب الفلسطيني تحت عنوان التعاون الدولي الأمني لإنهاء الإرهاب.
وشدد أبو شباب على ضرورة أن يكون لدى حركة حماس القدرة على تقديم تنازلات وأخذ خطوات جريئة لإنهاء الانقسام وتحقيق شراكة سياسية وموقف فلسطيني موحد نخاطب به العالم، مؤكدا أن هذه التنازلات ليست ضعف وإنما بطولة وشجاعة وسيقف المجموع الفلسطيني أمامها باحترام.
الأوضاع الاقتصادية
من جانبه قال المحلل الاقتصادي د. ماهر الطباع إن التأخر في عملية إعادة الاعمار أدي إلي تداعيات خطيرة على الأوضاع الاقتصادية في قطاع غزة , حيث حذرت العديد من المؤسسات الدولية من تداعيات إبقاء الحصار المفروض على قطاع غزة وتأخر عملية إعادة الاعمار على كافة النواحي الاقتصادية والاجتماعية والصحية والبيئية , وبفعل استمرار الاوضاع الاقتصادية المتدهورة ونتيجة لانهيار المنظومة الاقتصادية في قطاع غزة بفعل الحرب الشرسة الضروس التى تعرض لها القطاع على مدار 51 يوم , واستمرار تداعياتها حتى هذه اللحظة.
وازداد عدد الفقراء و المحرومين من حقهم في الحياة الكريمة , و بلغت معدلات البطالة في قطاع غزة 41.2% في الربع الأول من عام 2016 بحسب مركز الإحصاء الفلسطيني , وبلغ عدد العاطلين عن العمل 200 الف شخص , و ارتفعت معدلات الفقر و الفقر المدقع لتجاوز 65% وتجاوز عدد الاشخاص الذين يتلقون مساعدات إغاثية من الاونروا و المؤسسات الإغاثية الدولية أكثر من مليون شخص بنسبة تصل إلى 60% من سكان قطاع غزة , وتجاوزت نسبة انعدام الأمن الغذائي 72% لدي الأسر في قطاع غزة , وارتفاع حاد في نسبة البطالة بين الشباب في قطاع غزة والتي وصلت إلى 60%.
مواضيع ذات صلة
الاحتلال يُصّعد عدوانه على ريف جنين
"طقوس تلمودية" ورقص في وادي المالح
شُح المراحيض والحمامات يهدد الصحة العامة في قطاع غزة
الاحتلال يقتحم مدينة البيرة
وزارة العمل و"الإحصاء" يبحثان تعزيز التكامل في إنتاج بيانات سوق العمل والقوى العاملة
من الخيمة إلى لغة العالم… هيا وريم ترويان غزة بلسانٍ آخر وتقاومان بالحلم والعمل