عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 04 آب 2016

مناورات نظام

معاريف – ياسر عقبي

درج في الدبلوماسية على اطلاق ما يسمى "بالونات الاختبار" لفحص نبض الشعب ونبض المشاركين المختلفين في الحل. هكذا يجري بين الحين والاخر في موضوع الحرب الاهلية في سوريا، حيث ان التجربة الاخيرة لاطلاق البالون كان قبل نحو شهرين بمسودة الدستور الجديد الذي زعم ان روسيا صاغته لسوريا.

في 24 ايار هذا العام، عندما نشر الصحفي ايلي حنا في "الاخبار" اللبنانية، المقربة من النظام السوري بعضا من تفاصيل مسودة "الدستور الروسي لسوريا"، والتي تتضمن "تعديلات جوهرية على الدستور الحالي". ورغم النفي، عادت هذه الصحيفة ونشرت مرة اخرى بان "مسودة الدستور التي نشرت كانت فقط جزء صغيرا من اقتراح روسي للدستور المستقبلي الذي يحظى باقرار اميركي مبدئي".

في وقت لاحق ازدادت التقارير عن مداولات بين واشنطن وموسكو حول الدستور في سوريا ولا سيما بعد تصريح جون كيري في ختام زيارته الى موسكو في اذار 2016 بان الطرفين اتفقا على جدول زمني لوضع مسودة دستور واطار عمل الانتقال السياسي حتى شهر آب 2016. وبلغة أقل دبلوماسية – هناك تقدم واضح في هذا الشأن. وافادت صحيفة "الحياة" اللندنية بعد ذلك بان كيري تلقى من نظيره الروسي مسودة دستور، وبعد شهر من ذلك بحث الطرفان المسودة  في سويسرا. وهذا، في خلاف تام مع تصريح مبعوث الامم المتحدة الى دمشق، دي ماستورا، عن وضع دستور متفق عليه بين النظام والمعارضة، مع تقدم محادثات السلام. ولكن، من يستمع الى الامم المتحدة.

لقد أثار نشر تفاصيل "الدستور الروسي لسوريا" غضبا شديدا وضجت الشبكات الاجتماعية ليس على تقييد صلاحيات الرئيس ومنح صلاحيات اوسع للحكومة الديمقراطية التي ستقوم، بل على تشويش الطابع الاسلامي والعربي "للجمهورية العربية السورية" والذي وجد تعبيره في شطب المؤشرات الدينية والعرقية. واحد منهم كان فيصل القاسم، الصحفي السوري الكبير الذي يعمل في "الجزيرة" والمعارض البارز للنظام. فقد كتب بان الاسد "يقبل الاقتراح الروسي بادارة سوريا على اساس طائفي وعرقي وجعل الجمهورية غير عربية، بعد تدمير سوريا طرد شعبها".

لقد أدى الامر بمكتب الرئيس ان ينشر نفيا تاما. وجاء في البيان انه "منعا لكل تشويش، بودنا التأكيد بانه لم تعرض على سوريا أي مسودة دستور وان كل التقارير في وسائل الاعلام في هذا الشأن عديمة الاساس. كل دستور جديد لسوريا في المستقبل لن يكون من جهات خارجية بل سيكون سوريا فقط".

 

المسار للسلام

 تخرج الان الصحيفة اللبنانية "الجمهورية" المقربة من الحكم مع كشف اضافي يفيد بان حل الازمة في سوريا سيتضمن دول المنطقة ايضا. "خطة آب" كما تسمى، وفضلا عن الدستور ستتضمن ايضا مشروعا لمسار سلام مع اسرائيل، يضم مسألة هضبة الجولان ايضا. واقوال كيري عن الامل في أن "سيكون تقدم في حل دبلوماسي في سوريا في بداية آب" لم تفاجئ من يتابع عن كثب سوريا، وبالاساس الدبلوماسيين الغربيين الذين يحافظون على الصمت كي لا يخربوا على مساعي القوتين العظميين.

رغم استمرار المعارك في كل الجبهات في سوريا ورغم أن جهات روسية رفيعة المستوى، بمن فيها وزير الخارجية سيرجيه لافروف، معنية بابقاء الخطة تحت الرادار، فان المعنيين بحل في الدولة المنقسمة، سمعوا من نظرائهم الروس بان "خطة آب" ستؤدي الى اختراق.

"يوجد مشروع شامل ينضج اليوم بعد التوافق بين واشنطن وموسكو، وسنرى مؤشراته الاولية في بداية آب"، قال مصدر لبناني لصحيفة "الجمهورية" واضاف بان "اقوال كيري في ختام لقائه مع نظيره الروسي وبحضور دي ماستورا تؤكد هذا الانطباع".

وشدد المصدر على أنه رغم فشل محاولة الانقلاب في الدولة ساهمت للخطوة الروسية الاميركية، فان التطورات الاخيرة في الساحة التركية ليست الدافع خلف تقدم هذه الخطوات. ففي 9 آب كان يفترض بالرئيس التركي رجب طيب اردوغان ان يلتقي في موسكو بالرئيس فلاديمير بوتين. واضح الان أن اردوغان يراهن أكثر على خطوات بناء ثقة مع الدب الروسي، كملجأ أخير مما يعتقده بانها "المحاولات الامريكية للاطاحة به"، وكذا كقوة مساعدة اقتصادية لتحقيق اتفاقات التجارة والسياحة بين الدولتين. وذلك من أجل انقاذ حكمه من انتقام رجال الاعمال. ولكن حسب دوائر لبنانية رفيعة المستوى، فان بوتين، الذي على علم بانه سيكون من الصعب على أنقرة الاعتراض في هذه اللحظة، فانه في واقع الامر يتوجه الى أن يعرض على نظيره التركي "خطة آب السورية". اقوال الصحفي الفرنسي الكبير جورج ملبرونو بان "تركيا تصلح طريقها مع سوريا" تأتي في هذا الاطار. وفي الايام القادمة سنلقى مقالات عديدة من هذا النوع.

وحسب تقارير مختلفة، معروف اليوم بان الاتفاق على حل الازمة يتضمن ادراج منظمة جبهة النصرة، التي ودعت الاسبوع الماضي فقط القاعدة، مع تنظيم الدولة الاسلامية داعش. والامر يعطي شرعية للهجوم على المنظمة، وذلك من أجل انهاء وجودها على الارض السورية. ويؤدي هذا الى تسوية دولية بموجبها يتعين على نظام بشار الاسد أن يتقاسم الحكم مع المعارضة في اطار نظام غير مركزي موسع، اقرب الى الفيدرالي.

ان المناطق التي تسيطر عليها المعارضة ستكون غنية بالماء وبالزراعة، وما تبقى من الصناعة، بينما المناطق التي يسيطر عليها النظام ستكون غنية بالتجارة وبالنفط. خطة آب ستتضمن ايضا استخدام ادنى للغاية لسلاح الجو السوري، الذي يستخدم البرامل المتفجرة ضد المناطق التي يسيطر عليها الثوار.

 

نصيب اسرائيل

 حسب مصادر دبلوماسية روسية واميركية، فان أهمية خطة آب هي في المستوى الاقليمي، ولا سيما في ايجاد تسوية مع اسرائيل، تؤدي الى تقدم حقيقي في الحل. وافادت المصادر بان الاسد زار موسكو في شهر حزيران، قبل بضعة ايام فقط من الزيارة الرابعة هذه السنة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في موسكو، في 6 حزيران.

كما تفيد المصادر بان بوتين الذي التقى الاسد، عرض عليه كل بنود "خطة آب" بما في ذلك المرحلة التي ما بعد التسوية الداخلية السورية والمسألة الاسرائيلية السورية. وضمن امور اخرى، عرضت مسودة التسوية التي تحققت في اواخر ولاية الرئيس الاميركي الاسبق بيل كلينتون بالنسبة لهضبة الجولان على أمل ان تكون اساسا للتفاهم بين اسرائيل وسوريا. ومن أعد في حينه هذه المسودة كان مارتين اينديك، السفير الاميركي في اسرائيل، ومبعوث الدولة الاسبق الى الشرق الاوسط، والكفيل بان يكون المسؤول عن التسوية الاسرائيلية العربية في فريق هيلاري كلينتون اذا ما انتخبت.

كما يتبين ايضا بان ايران تشارك سرا زيارة الاسد بل واطلقت اشارات ايجابية في هذا الشأن. وافادت المصادر بانه لا شك بان نتائج هذا اللقاء هي التي ادت الى الدفعة الهائلة التي ستعرض مؤشراتها اثناء آب. ولكن تلك المصادر تشدد على أن مسار الاتصالات قد يؤجل حتى آب أو آذار 2017، حتى دخول الادارة الاميركية الجديدة الى البيت الابيض. والمقصود هو عرض الخطوات كثمرة ناضجة على الادارة الجديدة بعد "حراثة عميقة" تتم في الساحة السياسية وفي الميدان – وبالاساس هجوم غير مساوم ضد داعش، في سوريا وفي الموصل في العراق ايضا، ما يؤدي بالتنظيم الى زيادة عملياته الارهابية في اوروبا، كي يثبت التواجد ليجد مؤيدين له من داخل المسلمين الاوروبيين.

وبالتوازي يريد لبنان ايضا ان يدخل في هذه المعادلة كي يحل مشاكله الداخلية حتى الشتاء القادم. في لبنان يأملون بان تجلب التسوية السورية تسوية ايضا بالنسبة لرئيس الدولة القادم، رئيس الوزراء والقيادة العسكرية، وكذا قانون جديد للانتخابات يتضمن ايضا تعديلات في الدستور تتناسب مع الوضع الجديد لدى الجارة من الشرق.

وحتى ذلك الحين، سيكون الوضع الراهن هو الوضع في لبنان ايضا. ولكن اذا ما ايقظ داعش خلاياه النائمة في بلاد الارز، مما سيؤدي الى الصدام مع حزب الله، والى حاجة دولية الى ادخال لبنان ايضا مع مشاكله الامنية والسياسية الى صحن التسوية الشاملة مع سوريا.

وفي الختام يبقى السؤال على حاله: هل التقارير الاخيرة ايضا، بما فيها التقارير الصحفية الاميركية في العالم العربي، هي مثابة "بالون اختبار" للدبلوماسية أم أننا نوجد حقا قبيل تسوية شاملة في الشرق الاوسط؟