عاجل

الرئيسية » ثقافة »
تاريخ النشر: 03 آب 2016

"يعدو بساق واحدة" لنا ما بعدها

أيهم السهلي*

صدرت رواية "الموتى لا ينتحرون" للفلسطيني سامح خضر، وهي الثانية بعد عمله الأول "يعدو بساق واحدة".

التجربة الروائية الجديدة عادة ما تحمل في طياتها براعم نضجها وارتفاعها نحو أقاصي الإبداع، وأعني بالجديدة في حالة سامح خضر، أن روايته الأولى استطاعت الاتكاء على ذاكرة فلسطينية سياسية، عرفها الفلسطينيون بقوة وهي عودة جزء من الفلسطينيين لأول مرة إلى أرضهم من خلال اتفاق "أوسلو".

لكن ما لم يعرفه حتى من تبقى من الفلسطينيين في الشتات وهم ملايين، الوضع الاجتماعي لهؤلاء "العائدين" الذين حافظوا على اللقب الذي منحتهم إياه مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني في الضفة والقطاع.

"يعدو بساق واحدة" انطلقت من مصر، من عائلة صغيرة عمادها أربعة أشخاص، أبو قاسم المناضل الفلسطيني الذي تحدث كثيرا عن بلاده وظل متعلقا بها متأملا عودة قريبة إليها، وزوجته غير الفلسطينية، وولداه قاسم وليلى.

من جانب استطاعت الرواية أن تقدم زاوية من زوايا المجتمع الفلسطيني خلال استقبال "العائدين" واندماجهم مع المجتمع، ومن جانب آخر قدمت المجتمع القائم أصلا في  غزة والضفة بمعاناته وأزماته اليومية والتاريخية.

عاد قاسم إلى فلسطين، وجرب أن يكون في بلده، بعد أن كان لاجئا في مصر، لكن الوطن وعادة ما يفعل ذلك بعد طول غياب، وضع أمامه كل الأسئلة الوجودية الممكنة في حالة المحاصر بين احتمالين، البقاء أو الرحيل، وهذا الصراع تحديدا نراه في قطاع غزة داخل مخيم جباليا، الذي استأجر أبو قاسم منزلا فيه، محاولا أن يبدأ حياة مناسبة لعائلته بما يتوفر من المال، كون المخيمات أرخص من باقي مناطق القطاع.

البقاء أو الرحيل من الوطن، سؤال حملته الرواية للقارئ، وظلت تسبح به في التفاصيل، من غزة مرورا بالأراضي المحتلة سنة ثمان وأربعين، وصولا إلى رام الله، واللقاء مع شق البلاد الآخر..

في رام الله، لم تكن الحياة يسيرة، وفي علاقة إنسانية سريعة مع ابنة عمه، تكشفت شخصية قاسم أكثر، وقرر البقاء في فلسطين، وألا يهاجر إلى كندا التي حمل فيزتها بعد انتظار لسنوات، أو ربما قرر أن يخوض مغامرة الوطن، وهذا بالفعل ما وضعتنا أمامه الأحداث التالية في "يعدو بساق واحدة" من بحثه المستميت عن عمل، وصولا إلى اجتيازه اختبار الأونروا للتوظيف كمدرس.. وتركه العمل بقرار لم يندم عليه في باقي فصول الرواية رغم المرارة التي عاشها واضطراره للعمل بمهن لم يكن ليقبلها قاسم بأي حال من الأحوال ضمن ظروف أخرى.

اندلعت الانتفاضة الثانية وقاسم بالكاد يجد قوت يومه، وبصدفة محض، خلال عمله مقابل طعامه بأحد مطاعم رام الله في رمضان، التقاه رجل قابله قبل سنوات خلال رحلته الوحيدة بلا عودة من القطاع إلى الضفة.

هذا الرجل كان صحافيا، دعاه يومها لزيارته في مكتبه، وفي الموعد حصل قاسم على عمل أخذ من خلاله أحداث الرواية إلى واقع الضفة الغربية وأحداثها بعمق أكثر أثناء الانتفاضة الثانية، لنراها بواقع الناس، سواء بشاعة الاحتلال وظلمه والفقر الواقع على الناس، إضافة لواقع السياسيين الفلسطينيين هناك بعجره وبجره.

كل هذه الأحداث في الضفة الغربية خلت من وجود أنثى باستثناء ابنة عم قاسم، وطيف نسرين التي التقاها على شاطئ في قطاع غزة، وفارقها على شاطئ بحر السودانية في عمله الذي التزم به خلال سنوات الدراسة ليجمع المال الكافي للسفر إلى كندا، فارقها بعد اخبارها إياه عن الفوارق بينهما التي ستؤدي إلى فراقهما الحتمي، والفارق كان أن قاسم فلاح، وهي بدوية.

تلعب الرواية في أماكن حساسة من المشاعر، فالأمل مثلا عاد ليتسرب إلى الحياة الشخصية لقاسم، فنسرين التي فارقته على شاطئ بحر السودانية في غزة، عاد ليلتقيها في الضفة الغربية موظفة مع منظمة الصحة العالمية، التي قررت نقل مكتبها إلى رام الله.

يبقى التأكيد على الحاضر الغائب في الرواية عبد الرحيم، صديقه الذي التقاه في الجامعة بغزة ولم يكن عائدا مثله، تصادقا وتقدما معا لنيل "فيزا" كندا، وهو من حمل بشارتها إليه على شاطئ السودانية، عبد الرحيم أكمل طريق هجرته إلى كندا..

ما بين عبد الرحيم وقاسم، يبدو أن كاتب الرواية سامح خضر حاول وضع القارئ أمام ثنائية العائد المواطن، وكانت المفارقات أن عبد الرحيم هاجر بعد أن كان في الأصل فلسطينيا في بلده، وبقي قاسم يجرب طعم الوطن بعد أن جرب موطن اللجوء.

بعض الشخصيات مرت في رواية "يعدو بساق واحدة" لتقدم مقولتها وترحل، دون أن تظهر مجددا في عوالم الرواية مجددا، ليلى أخت قاسم التي حضرت ولم تحضر ووالده الذي غاب عن أحداث رام الله، وأمه أيضا حتى باتصالات هاتفية. وعبد الرحيم الذي ظهر مجددا مع عودة نسرين في آخر الرواية إلى أحداثها، بعد أن عرف بريده الإلكتروني منها..

كذلك، لعب الكاتب بالزمن عبر نقلات سريعة خاطفة في أكثر من موضع، خاصة في غزة، حين التخرج من الجامعة والعمل في كشك بحر السودانية، والأحداث المتسارعة بشدة حول العلاقة العاطفية بين قاسم ونسرين، إذ تطورت بسرعة كبيرة، وانتهت مؤقتا.

هذا الغياب لم يكن غيابا بالمعنى الفعلي، إنما استتار، تمكن سامح خضر من وضع الشخصيات في الكواليس لتقديم مقولة الرواية حول الوطن والارتباط به، ليجعل القارئ لا يدخل في تيه شخصيات، هو يعرف تماما أن عليها إنجاز دورها الأساسي أو الثانوي والنزول عن الخشبة لحين عودتها إن تطلب الأمر..

سامح خضر قدم روايته الأولى "يعدو بساق واحدة"، وقبل نحو شهر صدرت روايته الجديدة "الموتى لا ينتحرون".. ومن قدم بتجربته الأولى نصا راقيا يحاكي عودته إلى فلسطين بجرأة شرحت الحالة الرومانسية للوطن، وأصغت لأنينه عبر شخصيات دهمها الوطن مجسدا، بعد أن كان فكرة جميلة يرسمها الخيال.. من فعل ذلك بأولى تجاربه التي لم تكن فتية بل ناضجة إلى حد كبير ما خلا بعض الثغرات المتروكة للنقاد. لا بد له في نصه الجديد "الموتى لا ينتحرون" أن يقدم رواية رفيعة لغة وأسلوبا وتقنية، فيها قفزات حالمة لكنها واثقة من مكان ارتكازها.

شاعر وصحفي فلسطيني يعيش في لبنان